; تاريخ التأريخ الهجري | مجلة المجتمع

العنوان تاريخ التأريخ الهجري

الكاتب السيد منصور البرشومي

تاريخ النشر الثلاثاء 02-نوفمبر-1982

مشاهدات 87

نشر في العدد 593

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 02-نوفمبر-1982

قال لي صاحبي وهو يحاورني:

في رأس كل سنة هجرية تقام احتفالات تلقى فيها قصة الهجرة ويتحدث المتحدثون عن آثارها ونتائجها وأنها أهم انتصار للإسلام والخروج بدعوته إلى الأرض التي يقف عليها والبيئة النقية التي تنفس فيها، ولكن هناك أسئلة تجول في نفسي، واستفسارات تعن لي وأعتقد أن كثيرين مثلي يهمهم أن يجدوا إجابات لها، فهل لي أن أسال لعلي أجد الجواب عن أسئلتي؟

قلت: لا بأس هات أسئلتك والله أسأل أن يعينني ويمكنني من الإجابة عنها، قال: من وضع التاريخ الهجري؟ أهو الرسول الكريم عليه السلام؟ أم أنه وحي السماء؟ وإذا لم يكن هو واضعه فمن وضعه؟ وهل كان للعرب تاريخ تؤرخ به قبل التاريخ الهجري؟

قلت: للإجابة عن هذه الأسئلة لا بد أن نعرف أن الأمم كانت تؤرخ بأحداث هامة في حياتها، فللروم تاريخ من عهد ذي القرنين، وللفرس تاريخ هو تاريخ كل ملك منهم يبدأ به وينتهي بوفاته. أما العرب فكانوا يؤرخون بأحداث هامة في حياتهم، فقد أرخوا قبل الإسلام بيوم «ذي قار» وهو يوم انتصر فيه العرب على الفرس، بل كان أول انتصار حققوه بتضامنهم واتحادهم، كما أرخت كنانة بموت سيدهم «كعب بن لؤي» إذ حزنوا لموته.

وكلنا يعلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام ولد في عام الفيل، وهو العام الذي حمى الله فيه بيته من اعتداء «أبرهة» وجيشه عندما أراد هدم الكعبة فأرسل عليهم الطير الأبابيل بحجارة من سجيل أهلكهم وأبادهم، وقد سجل القرآن قصتهم في سورة الفيل. ولذلك أرخت العرب. ‎

لما جاء الإسلام لم يكن للمسلمين تاريخ يؤرخون به إلى عهد «عمر بن الخطاب» رضي الله عنه الذي اتسعت الدولة في عهده وتشعبت أعمالها فكان لا بد للدولة الإسلامية من تاريخ يضبطها وينظم أحوالها. لذا لجأ «عمر» إلى وضع تاريخ إسلامي يأخذ به المسلمون.

قال صاحبي: هل كانت بادرة وضع التاريخ الهجري من وضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه قلت: هنالك أكثر من جهة طالبت بوضع تاريخ للأمة، من ذلك ما روي من أن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- جاءه بريد الخليفة عمر يأمره في شأن من الشئون، ثم جاءه البريد منه ينهاه أن يعمل ما أمره به، وتضارب الأمر والنهي وتحير «سعد» هل يعمل بما أمره به الخليفة أو يدعه فكتب إلى عمر يقول: «يا‏ أمير المؤمنين لو أرخت لنا حتى نعلم السابق من اللاحق» وكان قد جاء رجل لعمر بن الخطاب يسأله: ألا تؤرخون؟ ولما سأل عمر «وما نؤرخ؟».

قال الرجل: شيء تصنعه الأعاجم، يكتبون شهر كذا سنة كذا. فقال عمر: هذا حسن كما كتب أبو موسى الأشعري إلى الخليفة عمر رضي الله عنه يقول: «إنه تأتينا كتب ليس عليها تاريخ» وقد رفع إلى عمر «صك» يحل أداؤه في شعبان فقال: أي شعبان هو؟ الذي نحن فيه أو الآتي أو الماضي؟

لكل هذا رأى عمر الملهم أن يكون للمسلمين تاريخ يؤرخون به فجمع الناس وشاورهم في ذلك.

قال صاحبي: ولكن لماذا أرخ المسلمون بالهجرة، ولم يؤرخوا بأحداث أخرى هامة في الإسلام؟

قلت: لقد اتجهت الآراء إلى أن يؤرخ المسلمون بأحداث إسلامية كارهين أن يؤرخوا بتاريخ الروم أو الفرس. وهنا تشعبت الآراء.

فمن قائل نؤرخ بميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو حادث له أثره العظيم،‏ وقد أرخ النصارى بمولد عيسى عليه السلام، وأستبعد هذا الاقتراح لأن الميلاد تاريخ شخصي، وتاريخ الدعوة تاريخ مبادئ. كما أن مولده صلى الله عليه وسلم -في حد ذاته- ليس بمعجزة كمولد المسيح عليه السلام.

ورأى البعض أن يكون نزول الوحي مبدأ للتاريخ وهذا الحدث حدث إلهي لا يتكرر، ولا يثير في النفوس إرادة لتحقيق هدف، فأستبعد هذا الرأي أيضًا. فليكن عام الحزن الذي مات فيه عمه أبو طالب وزوجته السيدة خديجة، أو وفاته صلى الله عليه وسلم. ولكن الإسلام يحارب الاستسلام للأحزان، ويعمل على إخمادها لا إثارتها، وقد يؤدي التاريخ بالوفاة إلى الشجن والحزن والنياحة، وهو ما نهينا عنه..

قال صاحبي مقاطعًا: فلم لم يؤرخوا بأهم غزوتين في الإسلام «بدر أو الفتح» مثلًا؟

قلت: سبقتني. إذ لم يغب عن المسلمين هذا، ولكنهم رأوا أن الغزوات عموما «وبدر وفتح» خصوصًا من ثمرات الهجرة التي رأوا أنها أجدر بالتخليد. فهي نقطة الانطلاق لبدر ولغير بدر. فهي ثمرة الأحداث التي سبقتها وأصل الانتصارات التي تليها.

 ولننظر لعمر بن الخطاب إذ يقول للمسلمين: «نؤرخ بالهجرة لأنها مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقت بين الحق والباطل»

كذلك كان رأي «علي بن أبي طالب كرم الله وجهه» إذ قال: «نؤرخ بالهجرة يوم هاجر الرسول وترك أرض الشرك» وهكذا اتفقت الآراء على الأخذ بالهجرة كمبدأ لتاريخ المسلمين وبذلك استكملت عناصر الشخصية الإسلامية.

قال صاحبي: لماذا بدأت السنة الهجرية بشهر المحرم؟ وهل هاجر الرسول عليه السلام في هذا الشهر قلت: إن هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة

تمت في أوائل شهر ربيع الأول على أرجح الأقوال، وكما تشاور المسلمون بالتاريخ بالميلاد أو الوفاة أو الغزوات تشاوروا في مبدأ السنة الهجرية. هل تبدأ بربيع الأول الذي تمت فيه الهجرة، أو بشهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، أو برجب الشهر الحرام؟

ولكن الرأي الذي غلب أن تبدأ السنة الهجرية «بالمحرم» لأنه منصرف الناس من حجهم، والحج آخر أركان الإسلام، فإذا فرغ الناس من حجهم أنهوا بذلك عامهم، ودخلوا في عام جديد، علاوة على أن العرب تجل شهر المحرم في جاهلية وإسلام ولأن به يوم عاشوراء.

قال صاحبي: متى كانت السنة التي اتخذ فيها المسلمون مبدأ التاريخ الهجري؟ قلت: المقطوع به أن التاريخ الهجري بدأ في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

أما السنة فأرجح الآراء أنها كانت السنة السابعة عشرة من هجرة المصطفى من مكة إلى المدينة. وها قد انسلخ من عمر الزمن أربعة عشر قرنًا منذ وضع التاريخ الهجري وما زلنا نرنو إلى الهجرة نستخلص منها العظة ونأخذ منها العبرة وأحداثها زاد لنا في حياتنا ونبراس يضيء طريقنا عبر الأيام.

الرابط المختصر :