; المنافسة التجارية بين شركات التأمين التكافلي والتأمين التقليدي (1) | مجلة المجتمع

العنوان المنافسة التجارية بين شركات التأمين التكافلي والتأمين التقليدي (1)

الكاتب عبدالحميد البعلي

تاريخ النشر السبت 17-أبريل-2010

مشاهدات 85

نشر في العدد 1898

نشر في الصفحة 35

السبت 17-أبريل-2010

اقتصاد إسلامي

انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين: 26)، تعتبر هذه الآية الكريمة المدخل الصحيح والتأسيس المنهجي السليم لبحث المنافسة بين شركات التأمين المقبولة شرعًا وغير المقبولة شرعًا، وتحقيق الميزة التنافسية Competitive advantage 

التأمين التعاوني التكافلي أجمعت عليه المجامع الفقهية وتؤازره الاجتهادات المعاصرة خلافًا للتأمين التجاري الذي هو محل اختلاف الفقهاء قديمًا وحديثًا.

  • غالبية الفقهاء يحرمون التأمين التجاري بكل أنواعه وقلة يبيحون بعضه ويحرمون الباقي ولم تصمد أدلة الإباحة أمام المناقشة. 
  • النظرية المتكاملة للتكافل في الشريعة الإسلامية قائمة على جلب المنافع ودفع المضار بما معناه في التأمين التكافلي: تحمل تبعة الخطر المؤمن منه.

ويقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) (الأنعام:153)، ويقول تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) (الأنعام: 161)، دين ذو قيم في كل شأن من شؤون الحياة الأولى والآخرة. 

واليوم ونحن الآن في عالم تتجاذبه أيديولوجيتان شهيرتان العولمة الأوروبية والأمريكية والعالمية الإسلامية، ما أحوجنا أكثر من أي وقت مضى إلى إعداد استراتيجية متكاملة الأبعاد متناسقة التخطيط تستهدف عقل الإنسان بالفكر السليم والمعلومات الصحيحة، وتستطيع أن تحقق الخير والخيرية للناس أجمعين، تستطيع أن تحقق خير المال وتجنب فتنته، ومن ثم تحقق الخيرية للناس وحياة الرغد الموعود به في قوله تعالى: ﴿إِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58)﴾ (البقرة: 58)، ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) (النحل: 112). 

فهل نمتلك المعطيات الفكرية والآليات العملية، والقدرات والإمكانيات الواقعية التي تمكننا من أن نقدم للناس في العالمين نموذجًا يعول كل الناس ويحقق الخير والخيرية لهم؟

والجواب: نعم نحن نمتلك كل ذلك ولكن فرق بين الملك، واستعمال هذا الملك فالإحصائيات والبيانات تؤكد أننا نمتلك: المعطيات الفكرية - والآليات العملية-

والقدرات والإمكانات المادية الواقعية، وبهذا وذاك وتلك تستطيع عالمية الإسلام أن تستوعب منجزات العولمة وحسناتها، وأن تصوبها فيما تخطئ فيه، ومن أهم ما تخطئ فيه العولمة ما أثبته تقرير برنامج الأمم المتحدة للتنمية في آخر عام ،۱۹۹۹م، حيث أثبت أخطار العولمة والتي من أهمها ثلاثة هى:

أولًا: تهديدات السلم والأمن البشريين: بما يشمله ذلك من تهديد الأمن الاقتصادي، الذي هو هدف النظام الاقتصادي في الإسلام لقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ (4) (قريش: 4)، وقوله تعالى: ﴿... مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66) (المائدة: 66). ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) (النحل: 112).

ثانيًا: مضاعفة احتمالات خلق أجواء التوتر والعنف بين الدول.

ثالثًا: خطر محو الثقافات الهامشية والهوية الحضارية للشعوب.

ومن أهم ما تهديه عالمية الإسلام للعولمة والعالمينَ إذا فقهوا ما يأتي:

أولًا: المؤسسات المالية والمصرفية والاستثمارية الإسلامية وما تشتمل عليه من مؤسسات التأمين التعاوني/التكافلي، فهذه المؤسسات بحق أعظم إنجاز حضاري قدمه الفكر الشرعي للبشرية في القرن العشرين وحتى الآن، وهذه المؤسسات تعمل وفق منهج متكامل في مصادره ووسائله ومقاصده، وتنبثق من نظام اقتصادي أثبت كفاءته في عمق التاريخ الإسلامي وكفالته لكل الناس فعلى رأس المئة الأولى للنظام الإسلامي وبالتحديد في عصر الخليفة الراشد عمر ابن عبد العزيز كانوا يبحثون في جنبات الدولة المترامية الأطراف في الشام وأفريقيا عن الفقراء يأخذون الصدقة فلا يجدون، وفاض المال في بيت مال المسلمين، والفقراء هم كما جاء في الحديث النبوي الصحيح: «ولكن المسكين الذي لا يجد غنيا يغنيه، ولا يُفطن إليه فيتصدق عليه».

وعن عليّ رضى الله عنه قال: «ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلا بما يصنع أغنياؤهم». 

أقول ذلك في ظل إقرار زعماء العالم في الاحتفال بالألفية الثالثة في الأمم المتحدة بأن مشكلة الفقر أصبحت «مذلة ومهينة».

وأقول: مُذلة للفقراء مهينة للنظام الاقتصادي السائد؛ لذلك لا نندهش حين نجد أعتى البنوك العالمية الكبرى تنشد «المصرفية الإسلامية وتمارسها، كما نجد أكبر الاقتصادات المعاصرة تعدل قانون المصارف لديها بما يتماشى مع معطيات المصرفية الإسلامية.

إصلاحات هيكلية:

ثانيًا: تهديد عالمية الإسلام للعولمة: إصلاحات هيكلية تقوم على الالتزام بالقيم والمبادئ الاعتقادية والأخلاقية والاقتصادية وفي هذا يقول ابن القيم يرحمه الله: «وقاعدة الشريعة التي لا يجوز هدمها أن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعادات هي معتبرة في التقربات والعبادات»، «أعلام الموقعين 3/108».

كل ذلك يجعل من هذا النظام الاقتصادي ومؤسساته ضرورة ملحة لتلبية حاجة المجتمعات المعاصرة وتحقيق الأمن بكل أنواعه.

النظرية المتكاملة للتكافل:

ثالثا: تهديد عالمية الإسلام للعولمة:

النظرية المتكاملة للتكافل في الشريعة الإسلامية باعتبارها: 

قائمة على جلب المنافع ودفع المضار بما معناه في التأمين التكافلي: تحمل تبعة الخطر المؤمن منه ابتداء وانتهاء بكل وسائل التكافل الواجبة والمندوبة ونموذجها الواجب والفريضة يتمثل في الزكاة كضرورة من ضرورات المجتمع الإسلامي.

ولها من الوسائل العملية ما يحقق أهدافها ما لا حصر له مثل صلة الرحم الكفارات الأضاحي صدقة الفطر، النذور، الوقف الوصية ومنها الوصية الواجبة العارية والماعون، الهدية الهبة بنوعيها المطلقة وبشرط العِوَض، نظرة المدين المعسر القرض إرفاق وقربة الكفالة بغير أجر عاقلة دين القتل الخطأ الضيافة إسعاف المكروب وإغاثة الملهوف، حق الجوار في السكن وفي الأراضي حقوق الارتفاق, التبرع, التبرع/ التكافل التأميني, التأمين، وخاصة في عصر العولمة واتفاقية خِدْمَات التأمين في اتفاقية منظمة التجارة العالمية لما للتأمين من فوائد جمة، مثل: 

  • حفظ رؤوس الأموال المنتجة والمساعدة على إعادة تكوينها في حالة لحوق أي تلف بها.
  • تشجيع الادخار ممثلًا في مبالغ الاشتراك / الأقساط.
  • الإسهام في التنمية عن طريق استثمار أموال التأمين.
  • تحقيق الأمن من الخوف على الأموال وعلى الأنفس وعلى الأولاد والذرية.

رابعًا: إن معظم ما قدمه الفكر الإسلامي الشرعي للإنسانية خلال القرن العشرين من إنجاز هو:

  • المصارف الشاملة.
  • والمؤسسات المالية والاستثمارية وفق آليات جديدة.

مما جعل أعظم نظام اقتصادي قائم (في الولايات المتحدة الأمريكية يُعدِّل قانون البنوك لديه: ويستبدل قانون «جرام - ليتش» لعام ۱۹۹۹م بقانون «جلاس - ستيجال» لعام 1993م (۱). 

وجعل البنك الدولي يعكف الآن على دراسة «نظام الزكاة» كي يستنبط آلية جديدة لعلاج مشكلة الفقر خصوصًا، والمشكلة الاجتماعية عمومًا.

وجعل أوروبا تفكر بإعادة النظر في سياسة سعر الفائدة كآلية يقوم عليها النشاط المصرفي ومن ثم الاقتصادي. 

إن لكل فكر منطلقاته، وإن الناظر في تاريخ الفكر الاقتصادي الإسلامي يجد أن التأمين التكافلي التعاوني الأعمق جذورًا، لقوله تعالى: ﴿وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ (قريش: 4) . 

فالفكر الوضعي له منطلقاته والفكر الشرعي الإسلامي له منطلقاته، وإن تلاقيا في بعض النتائج فإن هذه الحقيقة يجب ألا تغيب.

والفكر التأميني الشرعي ينطلق من أصول شرعية تجد مستندها في «التعاون المنظم» القائم على عقد التبرع الملزم» لمجموع «هيئة المشتركين»، وهذا التعاون المنظم» تشهد له الأشباه والنظائر في الشريعة وفقهها، وهو على هذا النحو والمسمى بالتأمين التعاوني التكافلي حفلت به المجامع الفقهية وأجمعت عليه، وتؤازره الاجتهادات الفقهية المعاصرة خلافًا للتأمين التجاري الذي هو محل اختلاف الفقهاء، قديمًا وحديثًا بين أكثرية مُحَرِّمة للتأمين التجاري بكل أنواعه، وقلة منقسمة: أكثريتها تفرق في التأمين التجاري، فتبيح بعضه وتحرّم الباقي، وأقلية قليلة تبيح التأمين بجميع أنواعه، والقلة من الفقهاء المنقسمة على هذا النحو لم تصمد أدلتها للمناقشة والمحاججة والقاعدة الفقهية تقول: الخروج من الخلاف مستحب كما يقول السيوطي، بل أولى وأفضل كما يقول الندوي.

كل ذلك جعل من التأمين التعاوني التكافلي مطلبًا شرعيًا يعلو فوق الشبهات وتسانده الاجتهادات الفقهية، وإن تعايش التأمين التجاري، مثله في ذلك مثل أشقائه من المصارف والمؤسسات المالية والاستثمارية الإسلامية الأخرى.

[*]الخبير الاقتصادي المعروف - الديوان الأميري

الرابط المختصر :