; الإنسانُ في رحلةِ الوجودِ بينَ تحريمِ الاعتداءِ عليهِ وإباحتهِ | مجلة المجتمع

العنوان الإنسانُ في رحلةِ الوجودِ بينَ تحريمِ الاعتداءِ عليهِ وإباحتهِ

الكاتب أبو هالة

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أغسطس-1971

مشاهدات 66

نشر في العدد 72

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 10-أغسطس-1971

تحقيق: أبو هالة

الإنسانُ في رحلةِ الوجودِ بينَ تحريمِ الاعتداءِ عليهِ وإباحتهِ

هبوبُ رياحٍ من الغربِ تبيحُ الإجهاضَ وتُقَنِّنُه

الأصواتُ الخافتةُ بدأتْ تعلو رويدًا رويدًا.

• (30) ثلاثونَ مليونِ حالةِ إجهاضٍ في العالمِ سنويًا.

• واحدةٌ منْ كلِّ (5) أمهاتٍ يتم إجهاضها في مصرَ.

• أحدثُ طريقةٍ للتخلصِ من الجنينِ في (3) دقائقَ تجرى في يوغوسلافيا.

 • دعني أخرجْ إلى الوجودِ إن كنتَ قادرًا على إسعادي وإلا....

• الإجهاضُ حسبَ الطلبِ في إنجلترا وغيرها.

• العالمُ كلهُ يتجهُ إلى إزالة القيود المفروضة على عملياتِ الإجهاضِ.

 

 الوباءُ الوافدُ

شدتني هذهِ العناوينُ التي نشرتها صحفٌ عربيةٌ وأجنبيةٌ، وما كنتُ إخالُها ذاتَ أثرٍ في مجتمعاتنا التي تدينُ بالإسلامِ، إلا أن روحَ التقليدِ التي أصابتْ هذهِ الأمةَ فجعلتها تتلقف منْ بعيدٍ كلَّ فكر تنضَح بهِ عقولُ العالمِ المتمدنِ، غيرَ مدركةٍ أنه وراءَ الفتنِ التي أصابتنا في أعزِّ ما نملكُ منْ إخوةٍ ووحدةٍ، حتى أصبحَ من المستحيلِ اليومَ أنْ تلتقيَ الأمةُ العربيةُ والإسلاميةُ على أمرٍ في صالحها وتكونَ قادرة على تنفيذه، بلْ إنهُ يمدُ بكلِّ ما يستطيعُ نيرانَ الحروبِ الأهليةِ بيننا، وها هيَ آخرُ صيحاتِه في عالمِ استئصالِ مجتمعاتنا منْ جذورها وأصولها تخرجُ علينا «بموضةِ» الوأد والإجهاضِ إحدى «موضاتِ» القتلِ الجماعيِّ الحديثةِ.

معَ الدكتورِ حسانْ حتحوتْ:

فكانَ لقاؤنا الأولُ معَ أحدِ الذينَ قُدِّرَ لهمْ أنْ يعملوا في ساحةِ التوليدِ والإنجابِ، ودورُهمْ ذو أهميةٍ بالغةٍ في رعايةِ الجنينِ وأمهِ حتى يتمَ خروجُهُ إلى دنيانا حيًّا أوْ ميتًا، ومئاتُ الحالاتِ تمرُ عليهمْ بينَ طالباتٍ بالحملِ وراغباتِ العزلِ أو المنعِ أو الإسقاطِ.

فالتقينا بالدكتورِ حسانْ حتحوتْ، أستاذِ علمِ الأجنةِ ورئيسِ وحدةٍ بمستشفى الولادةِ وأمراضِ النساءِ، وهوَ يحزمُ حقائبهُ إلى أمريكا، نحاولُ أنْ نلتقطَ منهُ بعضَ خيوطِ الموضوعِ قبلَ أنْ يغادرنا على الطائرِ الميمونِ؛ ليعودَ بإذنِ اللهِ ملتقطًا لنا صورةً صادقةً للأوضاعِ التي عليها هذا السباقُ المحمومُ في عالمِ الموادِّ للأجنة، وما حملتهُ الإعلاناتُ للشركاتِ التجاريةِ عن الإجهاضِ حسبَ الطلبِ، وأثرِ ذلكَ كله في العالمِ المنكود.

· دكتور، هلْ يمكنُ أنْ تعطينا فكرة عنْ تاريخِ هذهِ القضية؟

- حتى الأمسِ القريبِ كانَ هناكَ شبه إجماعٍ على تحريمِ الإجهاضِ باستثناءِ الحالاتِ التي يكونُ فيها استمرارُ الحملِ خطرًا عاجلًا أوْ آجلًا على حياةِ الأمِّ، ثمَ تطورت المفاهيمُ حسبَ التقدمِ العلميِّ واكتشافِ أثرِ بعضِ الأدويةِ التي كانتْ تتعاطاها بعضُ السيداتِ إلى زيادةِ الحالاتِ التي يباحُ فيها الإجهاضُ بالحالاتِ التي يترجحُ أوْ يتأكدُ فيها أن الجنينَ مصابٌ بالتشوهِ أو الخللِ الخطيرِ.

- إلا أن الآونةَ الأخيرةَ شهدتْ نزعةً قويةً إلى توسيعِ نطاقِ مبرراتِ الإجهاضِ، وتعدت الأجهزةُ الداعيةُ إلى الإجهاضِ أهلَ الاختصاصِ، ونظمتْ حملاتها بعيدًا عنهمْ داعمةً آراءها بالظروفِ الاجتماعيةِ والاقتصاديةِ، وتوسعتْ في حالاتِ الضرورةِ الطبيةِ لتشملَ الصحةَ النفسيةَ بلْ تجاوزتْ هذهِ المراحلَ كلها لتناديَ بالحريةِ الشخصيةِ.

 الحريةُ المظلومةُ

· دكتور، ماذا يقصدونَ بالحريةِ الشخصيةِ في عمليةِ الإجهاضِ؟

- تحتَ راياتِ الحريةِ..! تَنَادَوا بأن الإنسانَ حرٌّ فيما يفعلهُ ما دامَ لا يؤذي غيرَهُ، متجاهلينَ عنْ عمدٍ شخصيةَ الجنينِ وحقوقَه التي ضمنتها المهنةُ الطبيةُ، وقوانينُ الإنسانيةِ وتشريعاتُ السماءِ! وتحتَ شعارِ حريةِ المرأةِ قالوا: «ما دامَ الرجلُ حرًّا في إتيانِ الجنسِ فلتكنْ للمرأةِ نفسُ الحريةِ!».

وطبيعيٌّ أنَ تُجَنَّبَ المرأةُ مضاعفاتِ هذهِ الحريةِ، وأهمها الحملُ السِّفاحُ، ولابدَّ إذن منْ توفيرِ وسائلِ منعِ الحملِ، وإباحةِ الإجهاضِ للزوجاتِ أوْ للنساءِ غيرِ المتزوجاتِ، وهنَّ الغالبيةُ العظمى منْ طالباتِ الإجهاضِ!

قوانين لإباحةِ الإجهاضِ

· دكتور: إلى أيِّ مدى وصلتْ هذهِ الدعوى؟

- وصلتْ إلى حدِّ استصدارِ قوانينَ لإباحةِ الإجهاضِ! فقدْ أصدرتْ رومانيا قانونها في هذا الشأنِ عامَ (١٩٥٦م)، ومن العجيبِ ارتفاعُ عددِ حالاتِ الإجهاضِ فيها حتى بلغَ عامَ (١٩٥٨م) ربعَ عددِ حالاتِ الحملِ، وفي عام (١٩٥٩م) زادَ على الثلثِ! حتى أدركت الدولةُ أن الأمرَ قدْ تجاوزَ نطاقهُ عندما رأتْ عددَ حالاتِ الإجهاضِ العمدِ تفوقُ كثيرًا عددَ الولاداتِ!

التجارةُ الرابحةُ

واستطردَ الدكتورُ حسانْ يقولُ: «ومنذُ صدرتْ قوانينُ إباحة الإجهاضِ في إنجلترا عامَ (١٩٦٧م)، حتى تكونتْ مؤسساتٌ وشركاتٌ تستوردُ لها من العالمِ راغباتِ الإجهاضِ، وخاصةً منْ فرنسا وبعضِ ولاياتِ أمريكا التي ما زالتْ تحرمُ الإجهاضَ، وأصبحتْ مصدرَ ثراء فاحش تتنافس عليها بكل وسائلِ الدعايةِ والإعلانِ بما يصحبُ ذلكَ عادةً منْ تزويرِ الإحصائياتِ وبيانِ الفوائدِ، حتى تسابقت الشركاتُ إلى حجزِ المقاعدِ في الطائراتِ والأَسِرَّةِ في المستشفياتِ الخاصةِ التي ترتفعُ فيها الأجورُ عن المستشفياتِ العامة، وما يتبعُ ذلكَ منْ عمولةِ هنا وهناكَ».

ضميرُ الطبيبِ

· دكتور: وما هوَ دورُ الضمير الإنساني لدى الطبيبِ وهوَ يمارسُ هذهِ العملية؟

- لعلهُ يكفيكَ أنْ تعلمَ ما أعلنهُ الأستاذُ الدكتورُ «سيرتوماسْ جفكويتْ»، رئيسُ الجمعيةِ الملكيةِ الطبيةِ لأطباءِ الولادةِ وأمراضِ النساءِ، في صراحةٍ على أمواجِ الإذاعةِ البريطانيةِ منْ أن قانونَ الإجهاضِ لعامِ (١٩٦٧م) قد احتضنتهُ مجموعةٌ من المشاغبينَ، قليلةُ العدد ولكنْ قويةُ التنظيم! حينما غَزَت الرأيَ العامَّ البريطانيَّ والرأيَ البرلمانيَّ بالدِّعاية وتحريف الحقائق!

وعندما عرضت الهيئات الفنية استعدادها للمساهمة في بحث التشريع الجديد، قال أحد أعضاء البرلمان: «لسنا هنا لنسمع رأيَ الفنيين ونصحَهم! إننا هنا لنشرع!»، ولعلك كذلك سمعت أن القانون في إنجلترا أخيرًا أخرج الشذوذ الجنسي بين رَجُلَين راضِيَيْن من نِطَاق الجرائم.

وما زال في الأطباء المحافظون على ضمائرهم، ولكن تُجَّار الإجهاض اتسعت أعمالهم كثيرًا بعد أن أُسدِلَ عليهـا ستارُ الشرعية!

الانصراف عن الدينِ!! يفسحُ لها مجال الوجودِ عندنا

· دكتور: هلْ تتصورُ أنْ تلقى هذهِ الصيحاتُ صَدًى في بلادنا العربيةِ؟

- امتدادًا لما نراهُ منْ تزايدِ الانصرافِ عن العقائدِ الدينيةِ، فأخشى أنها آتيةٌ إلى بلادنا، فليسَ لنا منْ عاصم إلا أنْ تصدقَ فينا نيةُ الإيمانِ، وطبعًا لا يماري أحدٌ في أعراضِ نقصِ الإيمانِ في حياتنا الاجتماعيةِ، والسياسية، والعسكرية، والاقتصادية، والأخلاقية وغيرها، خاصةً والدعاةُ إليها في تقديري أمهرُ من الدعاةِ إلى الإيمانِ، والفرصةُ متاحةٌ أمامَهُمْ أكثرَ.

رأيُ الشريعة الإسلامية

· دكتور: هلْ عندكمْ علمٌ، وهوَ لابد موجودٌ، بالحالاتِ التي تبيحُ فيها الشريعةُ الإسلاميةُ الإجهاضَ؟

- قاعدتانِ أصوليتانِ:

أ- الضروراتُ تبيحُ المحظوراتِ، والضرورةُ تُقَدَّرُ بقدرها:

قال الله ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (البقرةُ: 173)، وتقديرُ الضرورةِ يكونُ بمعرفةِ ذوي الاختصاصِ، وهُمْ هنا الأطباءُ، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. (النحلُ: 43)

ب- «احتمالُ أخفِّ الضررينِ» لقولِ النبي -صلى اللهُ عليهِ وسلمَ-: «لا ضرر ولا ضرار»، وقد اتفقَ العلماءُ على صيانةِ الحياةِ الإنسانيةِ حتى لوْ كانتْ لجنين، وشددوا في تحريمِ إزهاقها خاصةً بعدما سمَّوْهُ «بنفخِ الروحِ»، وهوَ حركةُ الجنينِ التي تحس بها الأمُّ بعدَ أربعةِ أشهرٍ.

ولكنَ العلمَ في يومنا هذا على خلافِ العلمِ في يومهمْ ذاكَ يعلمُ أن الجنينَ يتحركُ قبلَ ذلكَ بكثيرٍ دون أنْ تبلغَ ضرباته وركلاته جدارَ الرحمِ؛ لأنهُ آنذاكَ صغيرٌ يتحركُ في وسط مائي أكبرَ منهُ بكثير فلا يبلغُ أنْ تحسَّ بهِ أمُّه.

رأيُ الشافعيةِ والحنابلةِ

- كما أن الشافعي والحنفي رأَيَا أن الديةَ في الجنينِ واجبةٌ حتى قبل هذهِ الحركةِ، بلْ حتى قبل أنْ تتصورَ أعضاؤهُ الظاهرة إن عُرِضَ على ثقاتٍ، فقالوا بأنهُ آدميٌّ لوْ بقيَ لتخلقتْ أعضاؤه!

علاقةُ الإجهاضِ بمنعِ الحمل

· دكتور: تقديرًا لظروفِ سفركم وسرعة دورانِ عقاربِ الساعةِ مؤذنةً بموعدِ الرحيلِ أوْ ختامًا لهذهِ الأسئلةِ العاجلةِ أنْ أقولَ: هلْ هناكَ علاقةٌ بينَ الإجهاضِ ومنعِ الحملِ وما يسميه الفقهاءُ العزلَ؟

- العزلُ غيرُ الإسقاطِ، لا تتوافرُ فيهِ أركانُ جريمةِ الاعتداءِ على حي موجود؛ لأنهُ في حقيقتهِ منعٌ للحملِ وعزلٌ بينَ الحيوان المنوي والبويضة أنْ تلتقيا، فلا جنايةَ بغيرِ مجنيٍّ عليهِ، أما في الإجهاضِ، فالمجنيُّ عليهِ موجودٌ فعلًا منذُ التحمَ المنيُّ بالبويضةِ

وشرعت الخليةُ الناتجةُ عنْ ذلكَ التكاثرِ.

· وما رأيكمْ يا دكتور في منعِ الحملِ؟

- لا شكَّ أنهُ خيرٌ وبركةٌ على الأسرةِ التي تحتاجُ إليهِ، والوالدةُ التي يؤودها حملٌ جديدٌ، وينعكس هذا الأثرُ الحميدُ على الأمةِ ككلٍّ!

رأيُ القانونِ

وانصرفتُ بعدَ ذلكَ لأبحثَ رأيَ قانوننا في هذا الموضوعِ، فالتقيتُ بالأستاذِ أبي ناجي المحامي، فقالَ: «قانونُ الجزاءِ الكويتيِ يحرمُ الإجهاض وينصُّ في المواد منْ (١٧٤) إلى (١٧٧) على أن: كل منْ أجهضَ امرأةً حاملًا برضاها أوْ بغيرِ رضاها عنْ طريقِ إعطائها أو التسببِ في إعطائها عقاقيرَ أوْ موادَّ أخرى مؤذيةً أوْ باستعمالِ القوةِ أو أيةِ وسيلةٍ أخرى قاصدًا بذلكَ إجهاضَها يُعاقَبُ بالحبسِ مدةً لا تجاوز (١٠) سنوات، ويجوز أنْ تضافَ إليها غرامةٌ لا تجاوز (١٠٠٠٠) آلاف روبيةٍ، فإذا كانَ منْ أجهضها على النحوِ السالفِ ذكرهُ طبيبًا أوْ صيدليًّا أوْ قابلةً كانت العقوبةُ لا تجاوز (١٥) خمسَ عشرةَ سنةً، ويجوزُ أنْ تضافَ إليها غرامةٌ لا تجاوز (١٥٠٠٠) خمسةَ عشرَ ألفَ روبيةٍ».

· هلْ يعاقبُ القانونُ في حالةِ الإجهاضِ الضروريةِ؟

تقديرُ هذهِ الحالةِ موكولٌ لأهلِ الخبرةِ على أساس منْ حسنِ النيةِ وضرورةِ الإجهاضِ للمحافظةِ على حياةِ الأمِ، ومنْ ثمَّ فلا عقوبة.

· قلتُ لهُ: ماذا ترونَ منْ أوجهِ الأدلةِ التي استندَ عليها الشرعُ الكويتيُّ في تقنينِ هذهِ المواد؟

- الشرعُ الكويتيُّ لمْ يأتِ بنافلةٍ من القوانينِ أوْ بِدْعٍ من المواد، فالشريعة الإسلامية كانتْ لهُ أصلًا وهاديةً، واقتداءً بتشريعاتِ كثيرٍ من الدولِ العربيةِ والإسلاميةِ ومسايرةً للقوانينِ الدوليةِ التي كانتْ على هذهِ المبادئِ، فكما ذكرَ المرحومُ الأستاذُ عبد القادر عودة في كتابِ التشريع الجنائي ج٢، القصاصُ من الحاملِ قتلٌ لغيرِ الجاني، وهوَ محرمٌ إذْ لا تزرُ وازرةٌ وزرَ أخرى، ويستوي أنْ تكونَ حاملًا منْ زوجٍ أوْ زنَى، وبالتالي يوقفُ تنفيذُ الحكمِ عليها إلى ما بعدَ الوضعِ كما فعلَ الرسولُ -صلى اللهُ عليهِ وسلمَ- معَ «الغامدية».

وكلُّ ما يؤدي إلى انفصال الجنين عن أمه يعتبر إجهاضًا، ويعتبر جنايةً.

أبو هالة

عقوبة الأم

· قلتُ لهُ: يا أبا ناجي: وما رأيكَ في حريةِ المرأةِ أنْ تجهضَ نفسها؟

قالَ: «إن الشريعةَ الإسلاميةَ لا تعتبرُ حياةَ الإنسانِ ملكَ نفسهِ، بلْ إن بعضَ فقهاءِ الحنابلةِ يرونَ «إذا جنى الرجلُ على نفسهِ خطأَ فدِيَتُه على عاقلته» استنادًا إلى أن رجلًا ساقَ حمارًا فضربهُ بعصا كانتْ معهُ فطارتْ منها شظية ففقأتَ عينه، فجعلَ عمرْ بنُ الخطاب دِيَتَهُ على عاقلته، وقالَ: هيَ يدٌ منْ أيدي المسلمينَ، وحرمت الانتحارَ أوْ إيذاءَ النفسِ ولوْ بقطعِ عضو منها، وهلمَّ جرًّا».

ومنْ ثَمَّ فلو صامت المرأة فأدى الصومُ إلى الإجهاضِ كانتْ مسئولةً عن الجنايةِ، التشريع الجنائي صـ(٢٩٢) وأيًّا كانَ الجاني وصفتُه أبًا أوْ أمًّا فهوَ مسئولٌ عن الجنايةِ ولا أثرَ لصفتهِ على العقوبةِ.

اتفاقُ المذاهبِ

· ما رأيكَ في تقديرِ الأربعةِ أشهرٍ للحملِ حتى يعتبرَ إجهاضًا لهُ؟

- أرى ما يراهُ الإمامْ مالكٌ -رضيَ اللهُ عنهُ- وهوَ مسئوليةُ الجاني عنْ كل ما ألقتهُ المرأةُ مما يعلمُ بمعرفةِ الأخصائيينَ أنهُ حملٌ، سواءٌ كانَ تامَّ الخلقةِ أوْ كانَ مُضغةً أوْ علقةً أوْ دمًا!

وفي ذلكَ يقولُ المرحومُ «عودة» أن الرأيَ الذي يجبُ العملُ بهِ هوَ مسئوليةُ الجاني إذا تبينَ بصفةٍ قاطعةٍ أن الانفصالَ ناشئٌ عنْ فعلِ الجاني سواء انفصلَ في حياةِ أمهِ أوْ بعدَ وفاتها، وسواء كله أوْ بعضه، وهذا الرأيُ يتفقُ معَ كل المذاهبِ، لأن الذينَ يمنعونَ المسئوليةَ يمنعونها للشك وعدم التيقنِ، فإذا زالَ الشك بالوسائلِ الطبيةِ الحديثةِ وجبت المسئوليةُ صـ(٢٩٧).

 الكفارةُ

- وزيادةً على المسئوليةِ الجنائيةِ يرى الشافعي وأحمد وجوبَ الكفارةِ إن ألقت الأم أجنةً ففي كل جنين كفارةٌ سواءٌ كانَ الجاني هوَ الأمَّ أوْ أجنبيًّا.

 دولٌ غنيةٌ ودول ملحدةً

· ألا تعتبر الظروفُ الاجتماعيةُ أو الاقتصاديةُ نوعًا منْ الإكراهِ بعدمِ المسئوليةِ؟

الإكراهُ الذي يُعفي من المسئوليةِ هوَ الإكراهُ الذي يُعدِمُ الرضا ويُفسِدُه - وأنْ يكون بفعلٍ محذورٍ غيرِ مشروعٍ، وأنْ يكونَ بأمر حالٍّ يوشكُ أنْ يقعَ، وأنْ يكون المُكرِهُ قادرًا على تنفيذِ وعيده، وليستْ هذهِ الظروف مما تسمى إكراهًا.

ونظرةً إلى الدولِ التي ابتدعتْ هذهِ الجريمة وأباحتها نجدها منْ مناطقِ الفيض الغذائي أوْ الغنى المادي، مثل بعضِ الولاياتِ الأمريكيةِ نيويورك وهاواي، أوْ إنجلترا التي يصلُ معدل نصيبِ الفرد اليومي فيها من اللحومِ (٢٠٤) جرام، ومن الحليبِ (٤٠١) جرام، أوْ من الدولِ الشيوعيةِ والاشتراكيةِ التي لا تقيمُ وزنًا للفردِ ولا تحترمُ الأديان، وتنزعُ مشاعرَ الأمومةِ قسرًا عن الأمهاتِ، ولا تؤمنُ بالأسرةِ والعلاقاتِ الإنسانيةِ، وفي كل هذهِ الدولِ تصلُ موجاتُ التحللِ الأخلاقي إلى درجةِ التقنينِ والتشريعِ.

الأملُ وحربُ الإبادةِ

· هل ترى أن هذهِ الموجة لا بد واصلةٌ إلى بلادنا؟

- أكادَ أجزمُ بكل إيمان أن صيحات الداعينَ إليها ستجدُ تيارًا قويًّا من الإيمانِ الذي رسختهُ عقيدتنا الإسلاميةُ في نفوسِ أبنائها، حتى ولوْ كانوا متفلتينَ عنها بعضَ الشيءِ، يصعبُ أنْ تجدَ معها ثغرةً يمكنُ لها النفاذُ والتأثيرُ، ولا يمكنُ أنْ يصلَ امتهانُ العقلِ وأصالةِ الإنسانيةِ إلى درجةِ انجرافِ هيئاتنا التشريعيةِ في التيار اللا أخلاقي الذي يفتحُ أمامَ الضعاف فرصةً لحربِ الإبادةِ تحتَ أي شعارٍ، ومهما كانتْ قوة المشاغبينَ وتنظيماتهمْ كما أسماهمْ دكتور توماس.

رأيُ المرأةِ

معَ السيدةِ أم ولاءٍ

وكتبتْ إلينا السيدةُ أمُّ ولاءٍ تقولُ:

«أستطيعُ أنْ أتهم كلَّ من تقومُ بعمليةِ الإجهاضِ برغبتها دونَ ما داعٍ طبي بالجنونِ وفقدانِ المشاعر!! فالجنين في أي مرحلةٍ منْ حياتهِ جزء مني وبعض منْ نفسي، ولا أتصورُ دمي يُهراق أمامَ عيني بإرادتي، فأينَ مشاعر الأمومةِ التي يتحدثونَ بأنها أصدقُ المشاعرِ؟ وأينَ الإيمانُ باللهِ القوي القادرِ الذي يمنحنا معشرَ النساءِ قدرةَ الحملِ وَهْنًا على وَهْنٍ؟! إن نظرةً واحدةً على وجهِ المولودِ لحظةَ نزولهِ وصياحهِ تنسى كلَّ أم متاعبَها».

- «ماذا كانَ على مريم ابنة عمران لوْ أجهضتْ نفسها؟! أما حرمت الإنسانية كلها منْ عيسى -عليهِ السلام! وماذا كانَ على أم موسى لوْ أسقطتْ جنينها حمايةً لنفسها وأهلها منْ بطش «فرعون»؟! أما كانتْ حرمتْ نفسها أنْ تكونَ أمَّ موسى -عليهِ السلامُ- وتحرم الناسَ منْ صنعة الله الذي حررَ بهِ العبيدَ ودكَّ بهِ عرشَ الطاغوتِ!! ماذا كانَ على آمنة بنت وهب لوْ ألقتْ بجنينها على الأرضِ بدلًا منْ أنْ تلدهُ يتيمًا يخبطُ في متاهاتِ الصحراءِ ويعذبها هنا وهناكَ؟ أما كانتْ قدْ تجاوزتْ بجنايتها على وليدها إلى البشريةِ كلها؟! إذْ حرمتها نورَ الله الوَضَّاءَ في شخصِ محمد -صلى اللهُ عليهِ وسلمَ-؟!».

«وإذا كانَ الأنبياءُ والمرسلونَ قدْ ختموا بمحمد -عليهِ السلامُ- فما زالَ الأملُ في المصلحينَ يبعثهمْ اللهُ على رأسِ كل مائةِ عام!! فأنا على يقينٍ بأن أختي المسلمةَ لنْ تستهويها هذهِ الدعاياتُ لتجردها منْ إنسانيتها وأمومتها، وإن تفلتتْ بعضُ الساقطاتِ فتلكَ سنةُ الحياةِ».

أبو هالة

 

 

 

 

 

 

شبابُنا والزيفُ الحضاريُّ

السيدُ رئيسُ تحرير مجلةِ المجتمعِ:

أود أنْ أضعَ بين أيديكمْ هذهِ الرسالة لأنضم إلى أسرةِ مجلتكم الموقرةِ التي حازتْ على إعجابي وإعجاب الكثيرِ منْ أبناءِ هذا الوطنِ العزيزِ، وأبلغ بأن مجلتكمْ قدْ وصلتْ إلى ما تصبو إليهِ منْ رفعةٍ وازدهارٍ في سبيلِ تحقيقِ مستقبلٍ زاهرٍ قائمٍ على أسسٍ متينةٍ ترتكزُ على قوائمِ الدينِ الإسلامي الحنيفِ، والذي بدونهِ لنْ تخطوَ أمتنا خطوةً إلى الأمامِ في محرابِ الأخلاقِ والإصلاحِ والسموِ الإنساني بعيدًا عن الزيفِ الحضاري الذي لا يقومُ على أساسِ من القيمِ الأخلاقيةِ، والتي بدونِ ريب أوْ أدنى شك بأنها النقطةُ التي يبدأُ منها أوْ بها الإنسانُ حتى يصلَ إلى خيرِ ما يصبو في الوصولِ إلى اعتلاء أعلى مراتبِ القيمِ الإنسانيةِ الخلقيةِ والأخلاقيةِ.

ولقد راعني ما رأيتُ منْ بعضِ شبابِ كويتنا الحبيبِ، والذي ليسَ همُّه إلا أنْ يقودَ تلكَ السياراتِ الفخمةَ ذاتَ الأصواتِ المزعجةِ، والتي آمُلُ أنْ تأخذَ إدارةُ المرورِ حِيَالَها أمرًا يمنعُ صدورَ هذهِ الأصواتِ، والذينَ يجوبونَ شوارع وأسواق الكويتِ جَرْيًا وراءَ أوْ بحثًا عن الجنسِ الآخرِ؛ ليرموا شباكهمْ عليهِ أوْ لينصِبوا شِراكَهمْ حواليهِ، ولقدْ أدهشني كثيرًا ما رأيتُ أمام عيني منْ هذهِ المواقفِ اللا أخلاقيةِ، أينَ الأخلاقُ الكريمةُ منْ هؤلاءِ الشبابِ؟

إني لا أرى في أحدهمْ تلكَ القيم والتي كان يجب أن يتحلى بها كما يتحلى بما يركب وبما يتمتع، ويدعَ عنه ما يجري وراءه، وأن يضعَ نُصْبَ عينيه المسئوليةَ المُلْقاةَ على عاتقه، والتي يجب أن يتحملها حاضرًا ومستقبلًا، ولا ينسى بأنه سيكون أحد القائمين على النهضة بهذا البلد الكريم، وأن بلاده بحاجة إلى يده وید إخوانه وليس لمظهره وما يتظاهر به.

إن هؤلاء الشباب يأخذون من الغرب ما حَطَّ وما سَفَلَ من أعمال وعادات سيئة تنزل بالانسان وبقِيَمِه إلى الحضيض، والتي حرص الإسلام كلَّ الحرص على رفعها والنهوض بها في كل مكان وزمان.

إن الغرب يعطينا عاداته الهابطة ونحن نتقبلها بصدر رحب على أنها المدنية والتقدم والتطور، كما هي الحال عند بناتنا وأولادنا على السواء، وذلك يتمثل فيما يسمونه بالميني والميكرو جيب، والملابس الشفافة الضيقة، والتي تظهر ما يجب أن يستر، هذا عند فتياتنا، أما أولادنا فعندهم إطالة الشعور حتى لَيَحسَب المرءُ أنه فتاة وليس فتًى، والجري وراء كل ما هو جديد في عالم الأزياء الرجالية من قمصان ملونة مزخرفة تصلح للنساء لا للرجال والبنطلونات الضيقة، وهذا كله قليل من كثير.

حسين علي الوزان

الرابط المختصر :