العنوان نحن ونظام الإنقاذ
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1999
مشاهدات 52
نشر في العدد 1339
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 23-فبراير-1999
ذكريات الدعوة
الصادق عبدالواجد يروي للمجتمع قصة الإخوان في السودان (٤من٤)
- تصورنا لحكم السودان: الحرية لكل الناس في ممارسة حقوقهم وحق الجماهير في تشكيل الكيانات وفق القانون، ورفض الشمولية والتسلط والقهر والحزبية بصورتها القديمة.
- السودان والقرن الإفريقي كله يؤكل فيه الناس والحكومات والدول على قاعدة أكلت يوم أكل الثور الأبيض، وللأسف مازال هناك كثيرون لم يستوعبوا مدى الخطر.
في الحلقة الأخيرة من حواره يتحدث الأستاذ صادق عبد الواجد عن وضع جماعة الإخوان المسلمين الآن في السودان وعلاقتها بنظام الإنقاذ، وأطروحاتها ورؤاها لحكم السودان، والأحداث التي تدور فيه بصفة عامة.
- ما طرحكم لكيفية حكم السودان حاليًا؟
طرحنا يتمثل باختصار في:
أولًا- الأحزاب بصورتها القديمة وأفكارها وممارساتها مرفوضة؛ لأنه مسار خاطئ.
ثانيًا- الشمولية أو التسلط أو القهر مرفوض من أي اسم وتحت أي مظلة، حرية نعم، ولكن الحرية المطلقة لله سبحانه وتعالى.
ثالثًا- أن يمنح الناس الحق في تكوين كيانات في ظل القانون بحيث لا تتعارض مع عقيدة البلد، ولا يبدو منها ما يعرض البلد لأي خطر داخلي أو خارجي، نحن مع تعدد الكيانات، لكن ليس بالأسلوب الذي كانت تنتهجه من قبل (وهذا ما بدأ بالفعل في الفترة الأخيرة)، دعوتنا هي الحرية للناس في أن يمارسوا حقوقهم كاملة، وألا يحجر عليهم وألا يقام حزب واحد يشمل الجميع.
- وهل السودان الآن يتحمل قيام تجارب جديدة بوضعه الحالي؟
المطلوب الآن أن يخرج البلد من الحصار الاقتصادي والعسكري، ومن الحالة الضنك عسكريًا واقتصاديًا التي يعيشها الآن.
- نعود لموضوع الإخوان، وبعد هذه التجربة الطويلة منذ الأربعينيات، وحتى التسعينيات، ما الذي تركته هذه الدعوة فيك أنت الأستاذ صادق؟
الشخص الذي أمامك نحيف لا يزيد على (٥٠) كيلو.
- وماذا عن المعاني المستفادة والدروس التي خرجت بها طوال هذه الفترة؟
المعاني كثيرة، يكفي أن يعرف الإنسان نفسه من خلال الدعوة، ويعرف إلى أين يتجه، وما نهاية هذا الاتجاه هذه واحدة.
أن يبني الإنسان نفسه على منهج، فهناك أشخاص حتى من الإسلاميين يعتقدون أنه من الممكن للإنسان أن يكون نفسه بالطريقة التي يريدها، وهذا خطأ، فلا بد من منهج ومن تربية وهذا هو الأسلوب الذي ترفضه الجبهة حينما كانت هناك جبهة، وقد تحرك عدد من الشباب وأعلنوا بصوت عال: إننا منذ أن دخلنا الجبهة لم نشعر بأننا ازددنا شيئًا، لا علم ولا غيره، وزننا الذي دخلنا به هو نفس وزننا الذي نحن عليه الآن؛ لذلك طالبوا بأن يسموا شبابهم باسم الإخوان المسلمين.
- وهل هذا يعني أن هناك عودة؟
عودة من خلال الاسم فقط، ولكنني لا أنكر عليهم أنهم سيسيرون على ذات المنهج الذي يسير عليه الإخوان المسلمون.
- وماذا عن الدروس الأخرى؟
لا بد من أن يبني الإنسان نفسه وأمته، ويؤصل ويؤكد المعاني الأساسية في حياة الأمة، وهذه هي القيم والمعاني التي ركز عليها الإمام البنا سابقًا، وهي الحرية والشورى والعدل والأمن الفردي والجماعي، هذه الأشياء وحتى الآن للأسف كثير من الحكومات لم توفرها.
- ننتقل إلى نقطة أخرى مهمة، وهي رؤيتكم «الإخوان» للأوضاع في السودان الآن، والحصار الدولي المفروض عليها، والمعارضة الداخلية والخارجية التي تجمعت كي تقوم بكفاح مسلح ضد نظام الحكم؟
يمكن القول إن وضع السودان يتكون من عدة أوضاع، وليس وضعًا واحدًا، هناك الوضع الاقتصادي، وهناك المعركة الدائرة منذ عام ١٩٨٣م في الجنوب، ورغم تقلصها في بعض المواقع، إلا إن الفصيل الأكبر من المتمردين لا يزال يجد السند القوي، والسلاح، والمال من دولتين، هما: إسرائيل وأمريكا، وأهدافهما في دول الشرق الأوسط وبلاد الإسلام وبخاصة في السودان لا تخفى على أحد، ولا تحتاج من أحد أن يعمل عقله لاكتشاف هذه الحقيقة، وبكل أسف فإن الكثير مازالوا لا يستوعبون حتى الآن مدى الخطر المحدق بهذه المنطقة كلها، منطقة القرن الإفريقي بما فيها السودان ومنطقة الشرق الأوسط، والذين يظنون أن معركتهم هي المعركة الوحيدة في الساحة يجانبهم الفهم الصحيح لهذه القضية، فهذه المنطقة يؤكل فيها الناس، وتؤكل فيها الدول والحكومات على قاعدة «أكلت يوم أكل الثور الأبيض».
وعلى الصعيد العسكري فجارانج يجد كل عون من الكيان الصهيوني والولايات المتحدة التي تستخدم الإنسان «إن صح تسميته»، وتستخدم الدول المجاورة لصيد بلد يسمى «السودان»، وأقول إنه إذا سقط الصيد في الشرك، فسوف تلتفت الدولتان «إسرائيل وأمريكا» لهذه الدول «الآلآت» التي وظفت لضرب السودان حتى تسقطها في أيديها واحدة تلو الأخرى، تلك هي الحقيقة الغائبة عن المعركة الدائرة الآن في القرن الإفريقي.
وإذا كان الوضع الاقتصادي والعسكري حرجًا هكذا في السودان، ثم أضيف إلى ذلك انضمام المعارضة في الحرب ضد الشعب السوداني، فإن المخرج هو أن تواصل الحكومة تقدمها في الحوار مع المعارضة في صدق وثقة، وأعتقد أن الحكومة لو واصلت ذلك، فإن انفراجة ستحدث.
- وهل لكم حوار مع المعارضة الآن؟
نحن من أول الذين بذلوا المساعي في الساحة للوفاق والحوار والحرية.
- بعد خروج صادق المهدي، هل لكم اتصالات أو مشاريع للسلام؟
نعم، نحن نشارك في لجنة تضم شخصيات بارزة اسمها «لجنة الوفاق الوطني»، وأنا أمثل فيها الإخوان، ومن الشخصيات البارزة د. الجزولي دفع الله وعدد من الوزراء السابقين مثل د. حسين أبو صالح -وزير الخارجية الأسبق-، عون الشريف وكان وزيرًا أيضًا، إدريس البناء عضو مجلس سيادة سابقًا، وفيها د. عبد الله أحمد عبد الله - وزير سابق، علي سمني – وزير سابق للإعلام، وفيها اثنان من مديري جامعة الخرطوم سابقًا، مدثر التنجاري ود. حسن الفاتح، وكان مدير الجامعة الإسلامية سابقًا، وآخرون، وقد اجتمعت هذه اللجنة أكثر من مرة، ودعت الدكتور الترابي الذي حضر وعبر عن استحسانه للمساعي الطيبة، وطالبها بمواصلة مساعيها مع المعارضة في الداخل والخارج.
- في رأيك هل أصبحت المعارضة الخارجية أسيرة للضغوط الأجنبية؟
هم يستعينون بها وليست أسيرة في يدهم؛ لأنه منطقي أنك عندما ترى معارضة موجودة في الخارج منذ عدة سنوات، فإن وجودها في الخارج يتطلب ضرورات مختلفة مادية، وسلاحًا يجعلهم في حاجة لمن يمدهم بهذا الدعم، كما أن مجرد وجودهم في أي بلد يحتضنهم، يعني أنهم أسرى في يد هذا البلد، حكومته ونظامه، سواء كانت إريتريا، أو القاهرة، أو بريطانيا، أو أمريكا، أو غيرها، كله على حساب هذه الدول، والوقوع في يد جهة ما يعني هذا، فمن يمدهم بالإسكان ووسائل العيش لا شك ينتظر منهم أن يعملوا ما يحقق مصالحه.
الصادق المهدي –مثلًا– قال إنه اضطر لهذا الوضع بسبب دكتاتورية النظام ومحاولة الغدر به، والتضييق عليه بصورة شبه يومية، وهو ما اضطره للخروج من السودان؟
لا، ليس بهذا القدر.
- بالنسبة للخلافات مع دول الجوار، هل لها من حل؟
هذه الدول لو لم تكن أسيرة في يد الأمريكان والضغوط الإسرائيلية، لأمكن حل المشاكل بينها وبين السودان.
- وماذا عن مصر؟
أقول عن العلاقة بين مصر والسودان بالذات أنها عندما تسوء فيجب أولًا ألا تتعدى حدًا معينًا؛ لأنها إذا تجاوزته يبقى من الصعب مستقبلًا أن يعيش المصري والسوداني في وئام، وهذا خطر.
- وماذا عن بقية الدول الأخرى كإريتريا وإثيوبيا وأوغندا؟
هؤلاء مدفوعون من قبل إسرائيل، لأن إسرائيل الآن لديها مواقع عسكرية «منصات لإطلاق الصواريخ» في هذه الدول، وإريتريا -كما تعلم- واقعة على البحر الأحمر، الذي يطمح الأمريكان والصهاينة للسيطرة عليه، وهؤلاء العملاء لأمريكا وإسرائيل لا يمكن أن نأمنهم حتى وأنت تعطيهم اللقمة في أفواههم، يمكن أن تأتيك الطعنة من الظهر، فهم يخضعون للدولار خضوعًا عجيبًا حتى بعض الجنوبيين عندنا في السودان، كذلك ونحن نخشى عليهم من الشراء، فهم ضعاف جدًا أمام المادة، وللأسف إذا اشترتهم أمريكا، فيمكن أن تبيعهم بثمن بخس.
- وما رأيك في الاتفاقية التي عقدت مؤخرًا مع الجنوبيين؟
والله نحن مع جانب منها، واعترضنا على جانب آخر، وأعلنا رأينا كاملًا فيها بأنها أعطت للجنوبيين أكثر مما يستحقون.
ماذا أعطتهم؟
أعطتهم (٧٥٪) من الذهب والبترول في الجنوب، وبقية السودان يأخذ (٢٥٪)، وأي إنسان يسمع عن هذه النسبة يندهش، كما أعطت الجنوب حق الانفصال بمجرد أن تتوقف الحرب، وأن يكون الاستفتاء على ذلك بين الجنوبيين أنفسهم، وليس بين السودانيين، وأن يجري الاستفتاء بينهم سواء كانوا داخل السودان أو خارجها في شرقها أو غربها، وأنت تعرف التأثير على الناس في الانتخابات والعبث الذي يحدث فيها، والبيع والشراء.
- وما خطورة هذا الانفصال في رأيك؟
كيف يا أخي! سأعطيك مثالًا: مصر مثلًا: إذا أتيت من ناحية أسوان وجعلت الشمال في جهة والجنوب في جهة أخرى، أو تجعل الصعيد يستقل، هل هذا يقبل؟
- وهل أبلغتم رأيكم للحكومة؟
نعم، أبلغنا الحكومة رأينا مكتوبًا عن مدى الخطورة؛ لأنك كيف تضمن بعد الانفصال أي شيء آخر؟
بالمناسبة هناك في الجنوب مجلس يسمى مجلس التنسيق، وهو شبيه برئاسة الجمهورية في الشمال، وهذا المجلس موجود بنص الاتفاقية.
وهل هناك بديل أمام الحكومة المضغوط عليها؟
لا، ليس هناك بدائل.
- من الناحية الإقليمية أهل الشمال يختلفون عن الجنوبيين لغة وطبائع؟
هم الآن يعيشون في أمان معنا في الشمال، بل عندما حصلت الحرب الدائرة الآن هجرة الجنوبيين جاءت إلى الشمال، وكان لها فوائد.
- إذا انفصل جنوب السودان، ألا يدعو ذلك لخطوة انفصال أقاليم أخرى في السودان أو قبائل أخرى؟
نعم، هذا وارد جدًا، في الغرب عندهم مشاكل وفقر، ولم تكن الحكومة مهتمة بهم قديمًا.
- وما خطورة الانفصال على السودان كدولة وكهوية؟
المعركة كلها تدور حول هذه القضية، الإسلام، فمن يوم أن أعلنت الحكومة أنها حكومة إسلامية والحصار يتزايد، ومعركة الجنوب تزداد حدة، لأن أحد مطالب جارانج ألا يتدخل الدين في الحكم، وهو صاحب مشروع واضح في هذا الصدد، لكن أحدًا لا يقبل ذلك، فالإسلام مطلب الشعب، والحكومات رفعت رايته منذ أن تولت الحكم، والمسؤولون يخطبون في الجماهير ويؤكدون على إسلامية السودان، فهذه هي المعركة معركة الإسلام، والرسالة واضحة للسودان: إذا رفعتم أيديكم عن الإسلام، فنحن معكم، وإذا رفعتم أيديكم بالإسلام، فنحن ضدكم.
- وهل يمكن للشعب السوداني أن يُسلم بانفصال الجنوب؟
ممكن، وبدأوا الآن، مع أنه وإلى عهد قريب جدًا كانت هذه الكلمة لا تقال ولا يستطيع أحد أن يقولها، فالإنسان عندما يصل اليأس به أحيانًا وبخاصة في قضية كالتي نتداولها الآن (۲۳ سنة حرب)، فالمرء لا يجد إلا التسليم وممكن للشعب السوداني أن يحل عليه وقت يقول فيه نحن تعبنا، ونريد أن نستقر ونطمئن، فالجنوبيون إذا كانوا هم سبب هذا البلاء، فأعطوهم ما يريدون، فقط أعطونا الشمال واتركونا نبني أنفسنا ونكون ذاتنا.
- يعني على المستوى البعيد، هل يمكن أن تنهار الدولة؟
ينهار السودان كله (لا قدر الله)، وبالطبع ليس هناك أحد يسمح بذلك.