العنوان مسلسل الجماعة.. بؤس الدراما المصرية 6.. الشيخ.. والسباحة في المجتمع
الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم
تاريخ النشر السبت 13-نوفمبر-2010
مشاهدات 56
نشر في العدد 1927
نشر في الصفحة 40
السبت 13-نوفمبر-2010
القانون الأساسي للجماعة تضمن النص على: تحقيق العدالة الاجتماعية والمساهمة في الخدمة الشعبية ومكافحة الجهل والمرض والرذيلة وتشجيع أعمال البر والخير
اتسعت فروع البر والخدمة للإخوان وبلغ عددها 500 فرع عشية صدور قرار حل الجماعة سنة 1948م وكان كل فرع منها بوزن جمعية أهلية بمعايير اليوم
في عام 1943م بدأت جوالة الإخوان تعمل وفق مشروع موحد لخدمة القرى وتنظيمها وإنارتها بالفوانيس وتوفير إسعافات أولية وتنظيم حفلات سمر بينما كانت القرى مهملة من جانب الحكومة والأحزاب
بلغ عدد جوالة الجماعة 75 ألف جوال حسب الإحصاءات الرسمية قبيل صدور قرار حل الجماعة في 6 ديسمبر سنة 1948م
كان للجماعة أندية كبرى مجهزة بمختلف الألعاب واشترك أعضاؤها في كثير من البطولات بالاتحادات المصرية الرسمية واللجنة الأهلية للرياضة
كان الشيخ البنا متنبهًا لأهمية الجانب الاجتماعي الخدمي بقدر تنبهه للجوانب الأخرى العبادية والسياسية والوطنية ولذلك وجدنا القانون الأساسي الأول للجماعة الصادر سنة ١٣٥٠هـ/ ۱۹۳۱م، يتضمن هذا الجانب، وعندما تم تعديله سنة ١٩٣٥م نص في الفقرة (و) من (م/ 1) على: «تشجيع أعمال الخير والبر وتنظيمها ومساعدة الفقراء والبائسين والمصالحة بين الأفراد والأسر».
وأنشأت الجماعة «مكتب المساعدات الاجتماعية» بعد انتقالها من الإسماعيلية إلى القاهرة سنة ۱۹۳۳م، وكان المكتب يقدم أربعة أنواع من الخدمات:
- خدمات «مسكنة»، وهي عبارة عن معونات عينية إغاثية للمحتاجين، وجمع زكاة الفطر ولحوم الأضاحي وتوزيعها على الفقراء.
- خدمات «شافية»، كمساعدة العاطل للحصول على عمل، وإقراض رؤوس أموال صغيرة دون فوائد، وعلاج المرضى بالمجان أو بأجر رمزي.
- خدمات «واقية»، مثل نشر الدعوة الصحية، وتوفير وجبات غذائية تباع بمبلغ زهيد لفقراء الأحياء الشعبية.
- خدمات «إنشائية»، وذلك للارتقاء بمستوى حياة الفئات الضعيفة، مثل إنشاء ناد للعمال وصغار أصحاب الأعمال الحرة.
وكانت مساعدات المكتب المذكور تقدم لثلاث فئات أساسية، هي: الأسر الكريمة التي أخنى عليها الدهر «ذل من بعد عز» والأسر التي فقدت عائلها الوحيد وليس لها مورد رزق، والأسر الفقيرة ذات السلوك الحسن.
تسجيل الجماعة
وعندما صدر القانون رقم ٤٩ لسنة ١٩٤٥م الخاص بتنظيم الجماعات والمؤسسات الخيرية في مصر، بادر الشيخ حسن البنا بتقديم أوراق الجماعة ليتم تسجيلها طبقًا لهذا القانون الجديد ولكن وزارة الشؤون الاجتماعية آنذاك رأت أن تستفتي قلم قضايا الحكومة في صفة الإخوان القانونية، وتكييف شخصيتهم المعنوية، فأصدر فتواه بأن «هيئة الإخوان هيئة دينية اجتماعية سياسية»، وأن قانون الجمعيات الخيرية لا يتناول إلا ناحية من نواحي نشاطها وهي «البر والخدمة الاجتماعية». وبناء على ذلك بادر الشيخ البنا بفصل مكتب المساعدات الاجتماعية إداريًا عن الجماعة، وقام بتسجيله في وزارة الشؤون الاجتماعية برقم ۲۹۳ سنة ١٩٤٥م باسم جماعات أقسام البر والخدمة الاجتماعية للإخوان المسلمين، ثم سجل فرق الكشافة والجوالة بجمعية الكشافة الأهلية طبقًا لأحكام القانون، وسجل شركة المعاملات الإسلامية في المحكمة المختصة بقانون الشركات.
مشروعية قانونية
كان الشيخ حريصًا على استيفاء الجانب القانوني قبل أن تقوم جماعته بأي عمل إدراكًا منه للثقل الذي تمثله المشروعية القانونية في دولة مركزية ذات بيروقراطية عريقة مثل مصر.
وعندما تم تعديل القانون الأساسي للجماعة سنة ١٩٤٥م أيضًا، فإنه نص في الفقرة (د) من (م/ ۲) منه على: «تحقيق العدالة الاجتماعية، والتأمين الاجتماعي لكل مواطن والمساهمة في الخدمة الشعبية ومكافحة الجهل والمرض والرذيلة وتشجيع أعمال البر والخير».
٥٠٠ فرع للبر
واتسعت فروع البر والخدمة في أنحاء القطر وبلغ عددها ٥٠٠ فرع عشية صدور قرار حل الجماعة سنة ١٩٤٨م، وكان كل فرع منها آنذاك بوزن جمعية أهلية بمعايير اليوم.
ويحفل سجل الخدمة الاجتماعية بكثير من الأعمال، إلى جانب أقسام الزراعيين والعمال والمهنيين، وأنشطة التربية البدنية التي اتسعت تدريجيًا مع نمو الجماعة وشملت معسكرات صيفية، وفرق الرحلات، وفرق الكشافة، وفرق الجوالة.
وصارت للجماعة قبل قرار الحل سنة ١٩٤٨م أندية كبرى مجهزة بمختلف الألعاب واشترك أعضاؤها في كثير من البطولات بالاتحادات المصرية الرسمية، واللجنة الأهلية للرياضة في كل من: الإسماعيلية وطنطا، والمنصورة، وبورسعيد، والسويس ورأس غارب، ومنوف، وبني سويف، والمنيا، ودمنهور، وحلوان، وشبين الكوم، وكان للجماعة ۹۹ فرقة كرة قدم، منها ٣٦ في القاهرة وحدها، و۳۲ فرقة لكرة السلة و۲۸ لتنس الطاولة، و۱۹ لرفع الأثقال، و١٦ للملاكمة، و٩ للمصارعة، و۸ فرق للسباحة كان يشرف عليها السباح المصري العالمي آنذاك حسن عبد الرحيم.
ولا شك أن الخلاف حول جواز الصلاة بزي الجوالة هو من قبيل سقط المتاع، وليس من سقط الزند في تراث الشيخ البنا وسجل أعماله، ومع هذا وجدنا مبدعنا قد اهتم جدًا بتلك الواقعة وأفسح لها عدة مشاهد في الحلقة (۱۸) من المسلسل وأشرك فيها الشيخ طنطاوي على غير أساس من الحقيقة التاريخية.
جوالة الإخوان
وأغفل في المقابل الاهتمام «بسقط الزند» من تاريخ فرق جوالة الإخوان المسلمين وهو كثير على الأقل في عهد الشيخ البنا.
من «سقط زند» الجوالة ما سجله «تقرير النشاط الكشفي» الذي كتبه الأستاذ عبد الغني عابدين السكرتير العام المساعد لجمعية الكشافة المصرية، ولو اطلع عليه الأستاذ وحيد لوجد فيه مادة بالغة الثراء للدراما التاريخية المنحازة للناس.. وخلاصته أن تكوين فرق للكشافة نبتت في ذهن مرشد الجماعة سنة ۱۹۳۸م، وأنه بدأها بفرق للرحلات، ووضع لها لوائح تنظيمية، وفي ١٩٤٠م ضم تلك الفرق لجمعية الكشافة الأهلية، وشكل أول فريق، وأقيم أول معسكر لها في الدخيلة سنة ۱۹۳۹م، وفي بداية عام ١٩٤٠م بلغ عدد جوالة الجماعة ٢٠٠٠ جوال، وشكل الشيخ مجلسًا أعلى للجوالة برئاسته وافتتح مدرسة لتخريج مدربين للجوالة.
خدمات اجتماعية
وفي سنة ١٩٤١م بدأت جوالة الجماعة تنخرط في الخدمة الاجتماعية، وتقدم المساعدات للغير، وقفز عددها إلى ١٥ ألف جوال سنة ١٩٤٢م عندما أدرك البنا بفراسته أن شباب الريف يعانون من الإهمال وأن القرى ميدان فسيح لا تنشغل به الأحزاب أو الهيئات الحكومية، فقرر أن يملأ هذا الفراغ، فاجتذبت جوالة الجماعة أعدادًا كبيرة من شباب الريف، كانت تدريبات الجوالة تزودهم بملابس أنيقة، وتعلمهم المشي المعتدل دون انحناء، وارتداء الشراب والحذاء بينما الحفاء منتشر في أوساط آبائهم الفلاحين من أصحاب الجلاليب الزرقاء.
مشروع موحد
وفي عام ١٩٤٣م، بدأت فرق الجوالة تعمل وفق مشروع موحد لخدمة القرى وتنظيفها، وإنارتها بالفوانيس، وتوفير إسعافات أولية، وتنظيم حفلات سمر.. إلخ بينما كانت القرى في تلك الفترة مهملة من جانب الحكومة والأحزاب، وكان من نتيجة هذا النشاط المنظم والهادف، أن ارتفع عدد جوالة الجماعة إلى ٤٥ ألف جوال سنة ١٩٤٥م.
وحانت ساعة الجد عندما اجتاحت أوبئة الملاريا والكوليرا مصر عامي ١٩٤٦م. و١٩٤٧م، إلى جانب الفيضانات المدمرة ونهضت جوالة الإخوان بشكل منظم في المراكز والقرى لمساعدة الأهلين بحراسة الجسور، وبناء التحصينات، وتطعيم الأهالي، والتعاون مع رجال الحكومة وهيئاتها.
وشعر المصريون بفائدة فرق جوالة الجماعة، فزاد الإقبال عليها، وزادت عضويتها إلى ٦٠ ألف جوال في السنة التالية ١٩٤٦م.
وفي سنة ١٩٤٧م، اجتاحت الكوليرا الوجه البحري، ووضع الشيخ البنا ٤٠ ألف جوال و١٥٠٠ شعبة من شعب الجماعة تحت إمرة الحكومة للمساعدة في مقاومة الوباء «مقال للبنا بعنوان: الإخوان يكافحون الوباء، جريدة الإخوان اليومية، عدد ٤٣٣ -١٥ من ذي القعدة ١٣٦٦هـ/ ٢٠ من سبتمبر ١٩٤٧م».
إشادة حكومية
وأشاد الدكتور نجيب إسكندر وزير الصحة آنذاك بجوالة الجماعة في تقرير رسمي، ونوه إلى جهودهم في التبليغ عن الإصابات، وتنظيف القرى والأحياء السكنية في المدن ومحاصرة القرى الموبوءة لمنع انتشار المرض، وتطهير المنازل بـ (د . د. ت)، والتوعية الصحية بالمساجد، ولصق إعلانات على الحوائط.
٧٥ ألف جوال
وكسبت جوالة الجماعة أعضاء جددًا وبلغ العدد ٧٥ ألف جوال حسب الإحصاءات الرسمية قبيل صدور قرار حل الجماعة في ٦ ديسمبر سنة ١٩٤٨م.
راح عشرة آلاف مصري ضحايا الكوليرا سنة ١٩٤٧م بحسب السجلات الرسمية الحكومية، وكان الجوالة الإخوان من الجهد الذي أشاد به وزير الصحة «نجيب إسكندر»، ومع ذلك لم يخصص مبدعنا مشهدًا واحدًا عن هذا الموضع ولو لمدة تساوي مدة مشهد أكل الفطير والعسل في ضيافة الشيخ البهي الخولي بطنطا، أو مشهد إبراهيم عبد الهادي وهو يسرد مناقب النقراشي في بداية الحلقة رقم (۲۸).
مادة خصبة
مرة أخرى نحن أمام مفارقة «سقط المتاع» و«سقط الزند»، وإذا كان من حق المبدع الدرامي أن يمزج الشعر بالنثر بالألم والفكاهة بالمأساة؛ فقد كانت المساهمات الاجتماعية والإغاثية لفرق الجوالة مادة خصبة تلك لإثراء العمل الدرامي الذي يتوقف نجاحه النهائي على قدرته على التقليل من سقط المتاع، والإكثار من سقط الزند.
ردًا على انتقاده لمقالات د. إبراهيم البيومي غانم..
د. حمادة حسني والأمانة العلمية
نشرت جريدة الشروق «رد الدكتور حمادة حسني على مقالات الدكتور إبراهيم البيومي غانم في عددها رقم (٦٢٠) الصادر يوم الأربعاء 13 أكتوبر وقد حمل هذا الرد بعض المغالطات التاريخية، بل وتضمن سقطة علمية فضلًا عن أنها تظهر وتوضح بعض السقطات التي وقع فيها وحيد حامد بأن نسب بعض الوقائع للإخوان هم منها براء.
إسماعيل تركي (*)
وليس موضوعنا الآن الرد على المسلسل ولا عن كل ما جاء في مقال الدكتور حمادة من مغالطات حول علاقة الوفد بالإخوان وعلاقة الإخوان بالاغتيالات السياسية، لكننا نتوقف أمام بعض ما نسبه للإخوان من أحداث منها مقتل اللواء سليم زكي، وذكر أن الإخوان اعترفوا بقتله في كتبهم، وقد راجعت كل الكتب التي استشهد بها الدكتور حمادة حسني، فلم أجد اعترافًا من أحد بمسؤولية الإخوان عن مقتل سليم زكي، وأن ما ذكر عن هذه الحادثة مجرد وصف للحادثة، وهو أن اللواء سليم زكي قتل في مظاهرة للطلاب وهو جالس على مقدمة إحدى سيارات الشرطة، فسقطت قنبلة صوت مما كان يلقيها الطلاب على البوليس سقطت بين فخذيه فقتلته.
أما حادث محكمة الاستئناف الذي اتهم فيه «أنس شفيق»: فقد ذكر الدكتور حمادة حسني أن القتلى من الأبرياء بلغ (١٥) قتيلًا، وهو يخالف ما ذكره وحيد حامد في المسلسل من أن عدد القتلى بلغ (٢٥) قتيلًا، رغم أن الدكتور حمادة هو المراجع، ولا أدري من أيهما جاءت الزيادة.
والحقيقة أن هذا الحادث لم يقتل فيه أحد على الإطلاق، ولا أدري من أين استقى الدكتور معلوماته، فقد ذكرت جريدة المصري، في عددها الصادر في ١٥ يناير عام ١٩٤٩م في صفحتها الثالثة -أي بعد الحادث بيومين- وتحت عنوان: «الجديد في حادث محاولة نسف محكمة الاستئناف»، وتحت هذا العنوان عنوان آخر: «لم يُقتل أحد من جراء الحادث -المتهم يرفض ذكر اسمه»، وتحت هذا العنوان بينت كيف تم الحادث، وأن المصابين من جراء الحادث هم ۲۲ شخصًا أغلبهم من الباعة الجائلين وحراس المحكمة، وذكرت أسماءهم، وأنهم نقلوا جميعًا إلى مستشفى قصر العيني، فأسعفوا وخرجوا جميعًا في نفس يوم الحادث، وبقي ستة تحت العلاج.
كما نفت الجريدة ما ذكرته بعض الصحف عن مقتل شخصين، وذكرت أن أحدهما، وهو بائع السجائر ويدعى أمين، ثم عقبت على ذلك بأن الصحيح أنه لم يقتل أحد، وأن غاية الأمر أن بائع السجائر إصابته أخطر من غيره.
ولو طالع الدكتور المؤرخ الجرائد الصادرة في تلك الفترة واعتمد عليها بدلًا من اعتماده على كتابات «رفعت السعيد»، و«عبد العظيم رمضان»: لعلم الحقيقة ولما وقع في هذا الخطأ.
ثم نقف أمام سقطة أكبر تبين منهج الدكتور المؤرخ، وكيف يتعامل مع التاريخ، وكيف يقرؤه فيقول الدكتور حمادة حسني ما نصه: «أما عن مسألة اللعب في المذكرات -وهو شيء مؤلم لأمثالي من دارسي التاريخ- فهناك أمثلة كثيرة، فعندما ذكر البنا في مذكراته أن بعض الأشخاص ممن ينتمون إلى الجماعة اعترضوا عليه لأنه أخذ (٥٠٠) جنيه من هيئة قناة السويس، وقال في مذكراته: إنهم يشككون في الجماعة، وأن من خرج من الجماعة فلا بد أن يقابل بحد السيف، وقال بالحرف الواحد: «فأمرت بهم فضربوا علقة ساخنة» وعندما أعاد الإخوان طبع مذكرات البنا حذفوا هذه الجملة»... انتهى كلام الدكتور أو بالأحرى انتهى افتراء الدكتور على البنا، وعلى الحقيقة وحينما أقول ذلك يعتصرني الألم وأرثي للأمانة العلمية، وأعجب من الجرأة على الإخوان وعلى الإمام البنا فقد رجعت للمصدر الأول الذي كتب فيه الإمام البنا مذكراته، وهو جريدة الإخوان المسلمون اليومية، والتي نشرت هذه المذكرات عبر عدة مقالات كان أولها في العدد (٣٧٤) الصادر في يوم الإثنين ٣ رمضان ١٣٦٦هـ، الموافق ٢١ يونيو ١٩٤٧م، ونشر آخر مقال في العدد (٦٣٧) من نفس الجريدة والصادر في يوم الثلاثاء غرة شعبان ١٣٦٧هـ الموافق ٨ يونيو ١٩٤٨م.
وكانت المذكرات تنشر على حلقات تحت عنوان: «مذكرات عن الدعوة والداعية»، وهو العنوان الصحيح للكتاب، ولم تنشر هذه المذكرات في كتاب في حياة الإمام البنا، بل كانت الطبعة الأولى بعد وفاته بسنتين، وذلك في عام ١٩٥١م، وبالرجوع للمصدر الأصلي لهذه المذكرات، وهو جريدة الإخوان اليومية في العدد (٤١٩)، السنة الثانية، ۲۹ شوال ١٣٦٦هـ/ ١٤ سبتمبر ١٩٤٧م، صفحة (٤): نجد أن ما قاله الإمام البنا لا علاقة له بافتراءات الدكتور حسني الذي يتألم بتلاعب الإخوان بالتاريخ، واللعب في المذكرات، ولا يرثى لحاله وهو يؤلف التاريخ، ويتقول على الناس بغير الحق، فيقول الإمام البنا تحت عنوان «فقه أعوج»، ما نصه:
«وثارت ثائرة المغرضين حين علموا هذا النبأ، وانطلقت الإشاعات تملأ الجو: «الإخوان المسلمون يبنون المساجد بمال الخواجات» وآزرتها الفتوى الباطلة ممن يعلم وممن لا يعلم: كيف تصح الصلاة في هذا المسجد، وهو سيبنى بهذا المال؟ وأخذنا نقنع الجمهور بأن هذه خرافة؛ فهذا مالنا لا مال الخواجات والقناة قناتنا، والبحر بحرنا، والأرض أرضنا، وهؤلاء غاصبون في غفلة من الزمن، وأراد الله أن يكون المسجد قد تم والحمد لله، فلم توضع فيه أموال الخواجات، ووضعت في دار الإخوان المسلمين بالذات، وكان الله على كل شيء قديرًا، وبذلك سكنت الثائرة وانطفأت الفائرة، وهكذا يكون الفقه الأعوج، ولله في خلقه شؤون».
وحتى لا يتهمنا الدكتور بأننا نتلاعب.. أرفق مع هذا المقال صورة ضوئية لهذا المقال: ليعلم الجميع نفسية وعقلية ومنهج الكتابة والمراجعة عند «وحيد حامد»، وعند المراجع التاريخي.
ولما كانت كثرة الافتراءات ستكشف الأمر، فقد استشهد في مقاله بأمر آخر وهو كتاب «من معالم الحق» للشيخ الغزالي -يرحمه الله- الذي صدرت طبعته الأولى عام ١٩٥٤م، وقد انساق فيه الشيخ الغزالي وراء انفعالاته وغضبه من قرار فصله من الجماعة لانحيازه وانخداعه بعبد الناصر، ووقوفه في صفه ضد المرشد الإمام الصابر المحتسب، حسن الهضيبي، وقد ردد فيها كلامًا يقوله الناس عن انتماء المرشد حسن الهضيبي وسيد قطب إلى الماسونية، وكان الغزالي في غضبه وانفعاله أمينًا في النقل فقال: وقد سمعنا كلامًا كثيرًا عن انتساب عدد من الماسون، بينهم الأستاذ حسن الهضيبي نفسه، لجماعة الإخوان، ولكني لا أعرف بالضبط كيف استطاعت هذه الهيئات الكافرة بالإسلام أن تخترق جماعة كبيرة على النحو الذي فعلته، وربما يكشف المستقبل أسرار هذه المأساة».
ولما كشف المستقبل للغزالي من كافح للإسلام وعمل له وضحى في سبيله بروحه ودمه، ومن دسته الصهيونية والماسونية على الإسلام تراجع عن هذه الأقوال، وقام بحذفها من كتابه، واعتذر عنها، ويريد المؤرخ أن يلصق هذا التراجع بالإخوان، ويدلل به على اللعب في المذكرات، وهذا الدليل شأنه شأن الدليل الأول الذي افتراه، ولكن هنا يظهر فساد استدلاله ومجافاة منطقه للحق وافتراؤه أن الإخوان ضغطوا على الشيخ الغزالي ليحذف هذه الكلمات.
وكل من يعرف الشيخ الغزالي –يرحمه الله- يعرف أنه غير قابل للضغط عليه من أحد، ولكن الرجل كان يملك فضيلة الاعتراف بالخطأ والأوبة إلى الصواب متى تبين له وجه الحق، فرفع في حياته هذه النصوص الخاطئة، وصحح خطأه في هذا الشأن.
وقد اعتمدنا في نقلنا للنصوص في هذا الشأن على ما أورده الدكتور حمادة حسني، ونتمنى ألا تكون مثل سابقتها من بنات أفكار الدكتور حمادة وليست من كلام الغزالي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل