; أزمة الحضارة الغربية إرهاصات للدورة التاريخية الجديدة | مجلة المجتمع

العنوان أزمة الحضارة الغربية إرهاصات للدورة التاريخية الجديدة

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أبريل-1994

مشاهدات 56

نشر في العدد 1097

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 26-أبريل-1994

المقال: انحسار الريادة الغربية وبوادر المشروع الإسلامي

سيطر النموذج الغربي السياسي والثقافي على العالم عمومًا وعلى المنطقة الإسلامية خصوصًا بأساليب مختلفة تراوحت بين الغزو الفكري والاستعمار العسكري والسياسي. لكن خلال النصف الثاني من القرن الحالي انكشفت عورات الحضارة الغربية وعيوبها على أرض الواقع بشكل زعزع ثقة المعجبين بها وأقنع منتقديها ومعارضيها بقرب نهاية الريادة الغربية والدخول في دورة تاريخية جديدة تتحول فيها الريادة إلى المشروع الإسلامي التغييري.

● سيطرة النمط الغربي

فقد تربت أجيال عديدة في مختلف بقاع الأرض على أن الغرب هو المثال الذي يجب الاقتداء به في كل مجالات الحياة، وأن نمطه سيبقى مهيمنًا على كل الشعوب الفقيرة منها والغنية. وكان ربط هذه الأجيال بالنمط الغربي يمر عبر تقديم صورة ناصعة ومشرقة عن الحضارة الغربية بالتركيز على أسسها النظرية الفلسفية من ناحية وعلى إنجازاتها العلمية والتكنولوجية من ناحية أخرى.

ففيما يتعلق بالجانب الأول بقى عالقًا في أذهان المطلعين على الغرب ما أفرزه عصر الأنوار والمبادئ التي نادت بها الثورة الفرنسية (حرية ومساواة وأخوة) وشعار احترام حقوق الإنسان، وحق تقرير المصير وفكرة الدولة الديمقراطية القائمة على مؤسسات وهياكل حديثة، وسلطات تنفيذية وتشريعية وقضائية مستقلة بالإضافة إلى الإشعاع الثقافي عبر هيمنة اللغات الفرنسية والإنجليزية أساسًا في المحافل الدولية ومختلف مجالات التبادل الاقتصادي والتعليمي والثقافي حتى أن بعض الأقطار التي عاشت حقبة استعمارية في تاريخها الحديث تعتمد مثل هذه اللغات كلغة تخاطب وعمل.

والجانب الثاني الذي تسرب من خلاله التأثير الغربي إلى بقية الشعوب يتمحور حول مظاهر القوة والعمران والرفاه والازدهار العلمي والتكنولوجي، ولا شك أن الهوة الساحقة والتفاوت الكبير في هذه المجالات بين العالم الغربي والمجموعات البشرية الأخرى لعبا دورًا هائلًا في ترسيخ صورة مضخمة عن التقدم الحضاري الغربي، إلى حد أن بعض المبهورين بالغرب يرون فيه جنة فوق الأرض.

ولا يستطيع أحد إنكار الإنجازات العلمية والثورة التكنولوجية في الفضاء الغربي، لكن يجب في المقابل عدم التوقف عند المظاهر ومحاولة فهم الأسس التي ارتكزت عليها والطرق التي اعتمدتها عملية البناء الحضاري في الغرب ومقومات هذه الحضارة، والأهم من ذلك إفرازاتها على صعيد واقع الإنسان والكون لأنه كما يقال: العبرة بالنتائج.

● الوجه الآخر للغرب

فهذه الحضارة لم تبن من فراغ وإنما استفادت من التجارب البشرية السابقة وعلى رأسها الحضارة الإسلامية وإرثها العلمي والثقافي، وطورت معارفها حسب منهجية تعتمد على العقل البشري فحسب. كما أن هذا الصرح الحضاري قام في جزء منه على نهب خيرات الشعوب وثرواتها زمن الاستعمار وبعده وعلى استغلال الإنسان الأبيض لأخيه الإنسان خارج الفضاء الغربي وداخله، كما يشهد على ذلك واقع المهاجرين إلى الدول الغربية بحثًا عن الرزق أو العلم نتيجة الخصاصة والحرمان والتبعية واختلال أنظمة التعليم وهي مظاهر سائدة في شعوب ما يسمى بالعالم الثالث..... فكم من مهاجر بالساعد شارك بوعي أو بدون وعي في عملية التشييد والبناء وكم من مهاجر بالفكر لم يجد في بلاده الاحترام والتقدير اللائقين فتبناه الغرب ووظف علمه بما يخدم المصلحة الغربية.

أما فيما يتعلق بالنتائج، فيكفي طرح التساؤل التالي: هل استطاع النموذج الغربي أن يسعد الإنسان وأن ينشر في الأرض العدل والسلام؟ صحيح أن الحضارة الغربية ساهمت في تحقيق نتائج إيجابية عديدة مثل فتح آفاق جديدة عبر الاكتشافات المتنوعة برًا وبحرًا وجوًا وسبر أغوار الجسم والنفس وطرح مناهج دقيقة في البحث العلمي وتجارب مفيدة في التسيير الإداري والسياسي... لكن رغم كل هذه النتائج يعيش الإنسان في الغرب وفي البلدان المقلدة للنموذج الغربي أزمة وقلقًا حضاريين. ولم يسلم محيطه أيضًا من الاختلال.... وتدخل هذه الأمراض فيما يمكن تسميته بالوجه الآخر للحضارة الغربية.

● التشكيك في الحل الإسلامي

والملفت للانتباه أنه رغم اعتراف بعض مثقفي الغرب ومسؤوليه بوجود أمراض سائدة في مجتمعاتهم، فإن البعض الآخر يصر على تصدير النموذج الغربي والتصدي لكل محاولات إعادة خلط الأوراق وإقامة موازين قوى جديدة يأخذ فيها الغرب حجمه الطبيعي وليس المفروض كما هو الحال اليوم. فلا غرابة أن يقف سدًا منيعًا أمام كل بوادر الوعي والصحوة خاصة إذا كانت ذات أبعاد حضارية. وتتنزل في هذا الإطار حملات إعلامية ومجموعات ضغط ودوائر رسمية على الصحوة الإسلامية واتهام رموزها وفعالياتها بكل النعوت أصولية -تطرف -إرهاب.. ولئن كانت الحرب موجهة في ظاهرها ضد الحركات السياسية التي تشكل هذه الصحوة فإن المقصد الأساسي من ورائها هو التشكيك في الحل الإسلامي وفي قدرته على منافسة ريادة الغرب للعالم.

بيد أن إصرار البعض على فرض النموذج الغربي رغم عيوبه وعوراته المكشوفة لا يجدي نفعًا مادام الواقع الغربي القائم اليوم لا يعكس صورة مشرقة عنه ويستدل هؤلاء على ديمومة القدوة الغربية بتفوق النظام الغربي الرأسمالي على النظام الشيوعي بعد تفكك الكتلة الشرقية والاتحاد السوفيتي وفشل الأيديولوجية الشيوعية في مواجهة جملة التحديات المطروحة على الإنسان المعاصر. لكن من ناحيتها لم تنجح الرأسمالية هي الأخرى في إسعاد الإنسان وإخراجه من الأزمة التي يتخبط فيها والتي أقحمته فيها عن طريق توسيع هوة الفوارق الاجتماعية وتشجيع العقلية الاستهلاكية وسياسة «دعه يفعل دعه يمر». وتقييم المرء بماله ومكاسبه المادية وليس بكفاءته ونزاهته والنتيجة أن المجتمعات الرأسمالية الغربية بدأت -كرد فعل- تنزلق في متاهات الشذوذ الجنسي والروحانيات المنحرفة والانغلاق العنصري وتحول الآخر في هذه المجتمعات إلى كبش محرقة تصب عليه كل أسباب الأزمة وتحمله مسؤولية وتبعات مشاكل الغرب وهمومه.

● تحديات عمليات التقارب

ورغم المحاولات العديدة من أجل تقديم وصفات لمعالجة هذا الوضع تبقى الحلول المقترحة عرجاء وظرفية وبمرور الزمن بدأت بعض الأطراف الغربية.. تقتنع بضرورة التنازل عن النزعة الاستكبارية والاستعلائية التي يرجع تاريخها إلى عهد الحروب الصليبية.. ثم عهد الثورة الصناعية فعهد الاستعمار والدخول في مرحلة جديدة من الانفتاح الإيجابي على المحيط، والتعامل الحضاري مع الآخر. وفي هذا الإطار تندرج المساعي لربط قنوات اتصال بين ممثلي الفضاءات الحضارية المتعايشة في الغرب وآخر هذه المساعي عقد أول مؤتمر سياسي إسلامي دولي في واشنطن تحت شعار الإسلام والغرب.. تعاون لا مواجهة، في أواخر شهر أكتوبر من هذه السنة والذي شاركت فيه شخصيات أمريكية سياسية وأكاديمية بارزة إلى جانب مجموعة كبيرة من المفكرين والسياسيين المسلمين.

بيد أن هذه المساعي مازالت جنينية والتحديات أمامها كبيرة ذاتية وموضوعية، ومن بينها التراكمات التاريخية وضغوطات اللوبي الصهيوني والأخطر منها تفشي موجة العنصرية. ورفض الآخر المختلف حضاريًا مع البنى الفلسفية للحضارة الغربية وعدم القدرة أو بالأحرى عدم القابلية لاستيعاب التعددية الثقافية والحضارية مؤشر على السير في اتجاه الانغلاق، الأمر الذي جعل العديد من المراقبين يتوقعون قرب انتهاء الريادة الغربية والدخول مستقبلاً في دورة تاريخية جديدة تتحول فيها الريادة إلى الطرف الأكثر تأهلاً لهذه المهمة الخطيرة ويبدو المشروع الإسلامي التغييري هو المرشح لمثل هذه المسؤولية عندما تكتمل عناصره وتتوفر شروط نجاحه وشدة التحديات التي تواجهها الصحوة الإسلامية اليوم ليست سوى إرهاصات للدورة التاريخية الجديدة.

 

الرابط المختصر :