العنوان تقاسم الأدوار والمهمات
الكاتب عبدالحميد أبو سليمان
تاريخ النشر الجمعة 07-سبتمبر-2012
مشاهدات 65
نشر في العدد 2017
نشر في الصفحة 42
الجمعة 07-سبتمبر-2012
الدولة الإسلامية المعاصرة.. بين المدنية والديمقراطية والدينية «الثيوقراطية»
إشكالية الاستبداد والفساد في التاريخ الإسلامي (۲)
في ظل النظام الإسلامي يقتصر دور الأحزاب على التنافس في تقديم البرامج السياسية الحياتية التي تحقق مصالح الأمة
القضاء على متلازمة الاستبداد والفساد يتطلب بناء الوعي الذي ينطلق من العناية بالأسرة ولا بد من استقلال دور التربية والتعليم والدعوة
الدولة المدنية الإسلامية تكفل حرية العقيدة وسلامة المنطلقات والتزام العدل وحماية الموارد وتحرص على سلامة أداء مؤسسات الدعوة والتوعية والتربية والتعليم والثقافة والإعلام
لم يكن رجال العهد الأول قد عرفوا آلاف المتون والحواشي والمختصرات الأكاديمية، فكل ما عرفوه بتلقائية ودون تكلف أو سفسطة، لتوجيه حركة مجتمعهم وسياساته بعد وفاة الرسول هو القرآن الكريم وتوجيهات الرسول ﷺ وترتيباته في التزام مبادئ الشورى والعدل والرحمة والإصلاح والإعمار وتجسيدها، وهي أمهات قيم الإسلام ومبادئه ومقاصده، التي قد يعبر عنها بالمعلوم من الدين بالضرورة.
ومن المهم ألا يستمر الخلط الفكري السياسي الاجتماعي الإسلامي العلاقة سلطة الحكم السلطة التنفيذية بشؤون الدعوة وشؤون التعليم الديني الثقافي، ولا داعي لإهدار الوقت في التساؤل: هل يعد كف يد رجال السلطة ومصالحهم ومصالح أعوانهم عن السيطرة على المؤسسات الدينية ومؤسسات الدين والدعوة والتربية والتعليم والثقافة والإعلام في الدولة والمجتمع أمرا إيجابيا أم سلبيا ؟ وهل هو فصل للدين والقيم عن الدولة والسياسة، أم هو في جوهره تمكين للدين والدعوة، وكف ليد السلطة عن تشويه الدين ومبادئه وقيمه بالإلغاء أو بالتهميش أو بالتوظيف والاستغلال لخدمة مصالح مؤسسة الحكم والحكام وأصحاب المصالح الخاصة؟
توجيه السياسات
إن مؤسسات الحكم، بما في ذلك سلطة الحكم التنفيذية ليست هي «الدولة»، بل هي إحدى مؤسسات نظام الحكم في الدولة والأمة و«الشعب» هما الأساس والعنصر الأهم في توجيه السياسة العامة، وفي تكوين الدولة، ومن خيارهم وحدهم تستمد شرعية الحكام والأحكام، وهذا من هدي مفاهيم الدين وقيمه ومقاصده.
مراجعة مقولات الفكر الإسلامي:
في الزمن الذي نعيشه اليوم، والمتباعد جذريا، في كثير من الوجوه، عما كانت عليه أوضاع الإنسانية في القرون السالفة، فإن الحاجة قد غدت ملحة إلى مراجعات جذرية المقولات الفكر الإسلامي عامة والسياسي منه خاصة مع تنامي الهجمة الفكرية الغربية بفضائياتها وعنكبوتياتها ونفوذها العلمي والتكنولوجي والاقتصادي والسياسي وتأثيرها السلبي في المسلمين وشبابهم خاصة.
ومن المهم أن ندرك هنا أن البرامج والترتيبات السياسية التي تصدر مستندة إلى خيار الأمة واقتناعها دون أي تزييف أو إملاء تكون لها قوة سياسية حقيقية، وشتان بين أن يكون الدين وسيلة للغلبة والقهر والاستبداد والفساد، أو يكون دعوة للحب والحق والخير مبادئ ومفاهيم وخلقا ودعوة وتربية.
دون هذا الوضوح المنهجي في إدراك المفاهيم والخطابات والأدوار، لا يمكن تجنب الانحرافات والتعديات في توظيف القداسة وسوء استخدامها لإضفاء المشروعية على القهر والاستبداد والفساد الذي يسود المصلحة رجال الحكم والسلطة وأعوانهم وبطاناتهم، والمصلحة أصحاب السطوة والمال من ورائهم.
دولة مدنية إسلامية
فالأمة الإسلامية هي إسلامية بطبيعة هوية أغلبية مواطنيها المسلمين وتربيتهم وقيمهم ومفاهيمهم ومقاصدهم وخياراتهم وأولوياتهم.
ودولتهم دولة إسلامية مدنية، لأن مرجعيتها هي مفاهيم ومقاصد قيمية كونية عالمية إسلامية خيرة في العدل والشورى والإخاء والتكافل والنزاهة والإتقان والمودة والتآلف والسلام لجميع المواطنين تخدم مصالحهم الحياتية، يقبل بها في نفس الوقت بقية المواطنين من الأقليات غير المسلمة من أتباع الأيديولوجيات والرسالات الأخرى بحكم الفطرة والعقل وجوهر الأديان.
فالحكومة المبنية على هذه الأسس هي حكومة إسلامية، وهي في الوقت ذاته «حكومة مدنية» تستند إلى إرادة الشعب بكل فئاته وقيمه وخياراته، وفي مقدمتها إرادة الفئة المسلمة في الدولة وقيمها وخياراتها وأولوياتها النابعة من هويتها وقيمها الإسلامية الإنسانية وتلتزمها .
وفي هذا المقام، فإن من المهم أن نفرق بين نظام الحكم الديمقراطي العلماني، ونظام الحكم الشوري الإسلامي.. فنظام الحكم الديمقراطي العلماني هو الصورة السياسية للنظام الغربي المادي العلماني، الذي يعبر عن نفسه في المجال الاقتصادي بالنظام الرأسمالي، وفي المجال الاجتماعي بالنظام الليبرالي، وفي المجال السياسي بالنظام الديمقراطي.
والسمة الجوهرية التي تميز النظام السياسي الديمقراطي العلماني عن النظام السياسي الإسلامي الشوري، هي السمة الفلسفية التي لابد أن تعكس نفسها على بعض جوانب الترتيبات اللازمة لكل نظام على الرغم من وجود التشابه بينهما، في بعض الوجوه والترتيبات.
ومن وجوه هذا التشابه على سبيل المثال: نظام الانتخاب؛ أي مرجعية خيار أغلبية الشعب، وفصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية - لتحقيق التوازن في اختصاصاتها .
قضية ذاتية
فالنظام الديمقراطي العلماني الغربي بسبب سيادة الخرافات الدينية والكهنوتية وسابق ممارساته في مجتمعات الغرب - نظام سياسي يستند إلى فكر مادي، يجعل الإرادة الإنسانية هي المرجع الأول والأخير في تقرير ما هو حق وصواب وخير؛ أي أن الحق والحقيقة في نهاية المطاف قضية ذاتية إنسانية، وأن كل فرد يقرر لذاته ما يعده حقا وصوابا، وليس لأي أحد أن يقرر أو يملي على أي أحد آخر غير ما يراه هو.
وإذا كان على المسلمين أن يلتزموا خيار المجتمع وقرارات الأغلبية؛ كما هو الحال في النظام الديمقراطي العلماني، فإن من المهم أن ندرك أن النظام الشوري الإسلامي يختلف عن النظام الديمقراطي العلماني، في أن المسلم يعد الحق والحقيقة قضية موضوعية وليست ذاتية للانسان أن يقرر ما هو صواب أو خطأ حسب هوى نفسه وليس لأي أحد آخر سوى نفسه أن يقرر له ما يشاء.
ولذلك فإنه ينبغي أن تكون هذه الرؤية الكلية والقيم والمفاهيم الإسلامية وفلسفاتها وموضوعيتها في الوحي والفطرة الإنسانية السليمة واضحة في وجدان المسلم.
رؤية ومبادئ
فالإسلام ليس أمر معميات وكهنوتيات ولكنه أمر رؤية ومبادئ وقيم ومفاهيم يسيرة محددة وصريحة واضحة وموثقة معلومة وفطرية إنسانية خيرة، لا تتعلق بها تهويمات ولا خزعبلات، وأن هذه الرؤية هي رؤية ومبادئ وقيم ومفاهيم نزل بها الوحي، وطبقت في الواقع البشري في العهد النبوي؛ ولذلك فهي تتناغم مع الفطرة الإنسانية، وتمكن لها، وتقنع العقل، وتقر لها النفس والروح، وتروي الوجدان، وتوفر إطاراً وثوابت ترسي النظام على قاعدة إنسانية روحية أخلاقية إعمارية خيرة.
فمن آمن بها فإنما يؤمن على بينة، فإن قبلها، واقتنع بها، ورضيتها نفسه ووجدانه فخياره هو خيار الإسلام.
منافسة في البرامج
وفي ظل النظام الإسلامي السياسي المدني الشوري، يقتصر دور الأحزاب والفئات السياسية على التنافس في تقديم البرامج السياسية الحياتية التي تحقق مصالح الأمة على أساس رؤية الأمة وأولوياتها .
ولن توجد في هذا النظام مشكلة في التعددية، أو في تداول السلطة، بسبب وعي الناس، ورفضهم سيطرة الأيديولوجية الدينية الكهنوتية (الثيوقراطية) التي تتحدث - بشكل مباشر أو غير مباشر واعية أو غير واعية - ، باسم المقدس والحقيقة المطلقة التي تدعي احتكارها ، وتمارس بموجبها حق الوصاية على الأمة، وتحتكر قراراتهم وتمكن للاستبداد والفساد.
كل هذه الاحترازات تمنع - بالضرورة قيام السلطات الاستبدادية، تحت أي مسمى أو أي ادعاء، وتجعل الأمة وحدها هي صاحبة القرار، ومصدر السلطة، وبذلك يكون في هذا النظام الإسلامي الشوري المدني حكومات مدنية تتولاها وتتداول عليها أحزاب سياسية يكون قبول برامجها أو رفضها عائدا إلى الأمة، فلا سلطة ولا شرعية، في هذا النظام في كل الأحوال، لأي حكومة أو حزب لا ينال ثقتها.
فروق جوهرية
ومن هنا فإن النظامين «الديمقراطي» المادي العلماني، و«الديمقراطي» الإسلامي الشوري، وإن تشابها في بعض الوجوه - وخاصة في فصل السلطات والتزام قرار الأغلبية فإن بينهما فروقا جوهرية وفلسفية عميقة، لما بين المجتمعين والحضارتين من فروق فلسفية عميقة، تتعارض بتعارض مفهومي «الحق للقوة» و«القوة للحق».. وهذه الفروق الفلسفية الأساسية لابد من أن تعكس نفسها في مناهج اتخاذ القرار ومكوناته ومؤسساته وترتيباته.
وبهذا فإنه لا مجال - في النظام الإسلامي المدني - أن يكون لهذه الأحزاب والفئات السياسية وصاية دينية، أو خصوصية قدسية وليس أمامها إلا التنافس السياسي المحض لخدمة الأمة، في برامج سياسية حياتية تنبني على اعتبارات حياتية معقدة، وإن كانت تنطلق من فلسفة وقيم ومفاهيم ومقاصد إسلامية دستورية محددة، ولهذا تتعدد الرؤى والأولويات ووجهات النظر، وإن كانت جميعها تلتزم دستور الأمة، وتستمد شرعيتها من قبول جماهيرها ورضاها عن هذه البرامج، وعن أداء هذه الحكومات.
إن المحصلة في نظام هذه الدولة المدنية الإسلامية الإنسانية، هي كفالة حرية العقيدة وسلامة المنطلقات والتزام العدل، وحماية الموارد، وسلامة أداء مؤسسات الدعوة والتوعية والتربية والتعليم والثقافة والإعلام، وأن تكون القضاء على متلازمة الاستبداد والفساد يتطلب بناء الوعي الذي ينطلق من العناية بالأسرة ولا بد من الوصاية للأمة على الحاكم والسلطة، وليكون الحاكم والسلطة هما المنفذ المؤتمن والحارس المخلص المصالح المجتمع بكافة فئاته.