العنوان الهوتو والتوتسي جذور القبلية والدور الغربي الصهيوني
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 10-ديسمبر-1996
مشاهدات 70
نشر في العدد 1229
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 10-ديسمبر-1996
- حاول بعض الملوك الذين حكموا بورندي إحداث نوع من التوازن بين الهوتو والتوتسي لكن محاولاتهم باءت بالفشل.
- أول المذابح الوحشية بين القبيلتين كانت عام 1972م وأشدها ضراوة كانت عام 1994م.
- الاستعمار الألماني لمنطقة البحيرات العظمى وضع بذرة الفتنة القبلية والاستعمار البلجيكي أشعل جذوتها المهلكة.
- الكيان الصهيوني يزود كل الأطراف بالسلاح ويتغلغل في المنطقة لصالح أمريكا ضد الغرب طمعًا في السيطرة على منابع النيل ومناجم الذهب والماس.
يرتبط نشوء القبلية في إفريقيا كمرض اجتماعي مدمر بمجيئ الاستعمار إلى هذه القارة، حيث وضع بذرتها وقام بدور خبيث وخسيس في تثبيت جذورها وإشعال جذوتها على مر السنين لأهداف خافية وعلنية، وما يجري حاليًا بين الهوتو والتوتسي في مثلث الرعب بمنطقة البحيرات العظمى حيث منابع النيل هو الحالة الأكثر تجسيدًا لهذا المرض.
وقبل أن ندخل في تفاصيل الدور الاستعماري ودور القوى الكبرى والكيان الصهيوني في وضع بذرة هذا المرض تحقيقًا أطماعهم في السيطرة على المنطقة، يجدر بنا أن نشير إلى أن القارة الإفريقية هي من أغنى قارات الأرض من حيث الثروات الطبيعية: المعدنية، والزراعية، والمائية، والثروة البشرية، إضافة إلى الموقع الإستراتيجي المهم، ولذلك حرص الاستعمار القديم والحديث على أن تظل هذه القارة في حالة تخلف دائم ليس عن ركب الحضارة فحسب، وإنما عن ركب الحياة، وأن تظل قارة مغلقة ومعزولة عن الدنيا، وفي الوقت نفسه تظل علاقتها بالذاكرة الإنسانية علاقة تضاد وكراهية حتى لمجرد سماع أخبارها، فقد حرص الإعلام العالمي على أن تكون صور التخلف والمرض والأوبئة والجوع والحياة البدائية مصاحبة لأي حديث عن هذه القارة، ولذلك بات طبيعيًا أن تتجسد أمام ذاكرة المتابع أو المشاهد لأحداث هذه القارة صور الفقر والتخلف وانهماك البشر في أكل بعضهم البعض!.... ولم يأت كل ذلك من فراغ، ولكنه جاء وليد تخطيط استعماري تمتد خيوطه من القرن الماضي حتى اليوم.
بذور القبلية الأولى:
وإذا عدنا إلى ما نحن بصدده بشأن قصة وجذور القبلية في مثلث الهلاك... رواندا وبورندي وزائير... سنلاحظ أن الاستعمار الألماني ومن بعده الاستعمار البلجيكي قد وضع بذور القبلية الأولى في هذه الأرض وحافظ على رعايتها حتى صار الحفاظ على سيادة القبيلة هو الرسالة الأولى ولو على حساب إفناء الآخر، وبالرجوع إلى الأصول التي خرجت منها القبلية في هذه الأرض، يبرز الاختلاف بشأن الجذور التي تنحدر منها قبائل التونسي، فتتحدث روايات أسطورية عن أنهم ينحدرون من الجنس الآري في القوقاز ووسط أسيا، وأنهم شعب من الرعاة المحاربين قدموا إلى مصر والحبشة والسودان في موجات متتالية حتى اضطرته الظروف الحياتية والبيئية إلى النزوح إلى بلاد «الألف تل» «وهو الاسم الشعري لرواندا منذ عام ١٩١٦م، حيث فرضوا سلطانهم وحضارتهم على «الهوتو»... السكان الأصليين للبلاد وهم زنوج مؤصلين، يتميزون بقصر القامة، ينتمون في الأصل إلى قبائل «البانتو» التي تعود أصولها إلى جنوب إفريقيا ونزحت أفخاذ منها إلى وسط إفريقيا وشرقها منذ القرن الخامس عشر.
وإذا كانت الروايات الأسطورية تعود بأصول التوتسي إلى القوقاز، فإن الحقائق التاريخية تؤكد أنهم على الأقل من أصل إثيوبي، وأنهم قدموا إلى بورندي واستوطنوها في القرن السادس عشر، وأنهم عند قدومهم إلى بورندي كانت قبائل الهوتو تشكل غالبية السكان، بينما تمثل قبائل «التوا» السكان الأصليين للبلاد.
وقد عاش الجميع في المنطقة «رواند أورندي» لا يفرق بينهم إلا طول قامة التوتسي وقصر قامة الهوتو، لكن الهوتو، ظلوا ينظرون إلى التوتسي على أنهم «غزاة» نزحوا إليهم من الخارج وليس لهم الحق في هذه البلاد فضلًا عن السيطرة عليها أو حكمها، وقد كانت تلك المشاعر تمثل البذرة الدفينة للصراع العرقي والتي انتبه إليها الاستعمار الإنجليزي، ثم الاستعمار الفرنسي، ولكن لم يتم استغلالها أو اللعب بها، لكن عندما اجتاح الاستعمار الألماني المنطقة ومن بعده الاستعمار البلجيكي تنبه إلى تلك البذرة وأشعل جذوتها، فبعد أن رحل الاستعمار الفرنسي عن المنطقة أعلنت ألمانيا منطقة رواند- أورندي «رواندا وبروندي» محمية ألمانية عام ۱۹۰۷م، لكن هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى أجبرتهم على التخلي عن هذه المنطقة للبلجيكيين الذين أعلنوا انتدابهم وصايتهم على مملكة «الألف تل»- الاسم الشعري الرواندا- عام ١٩١٦م، وكعادة الاستعمار في أي منطقة يحتلها يكون السعي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي وبذر الفتنة بين أبناء الوطن الواحد حتى ينشغلوا عن مقاومته بالاقتتال الداخلي فيما بينهم، فإن الاستعمار الألماني لعب على هذا الجانب مستغلًا نظرة الهوتو إلى التونسي بأنهم مستعمرون لبلادهم، فعمق هذه النظرة بتبنيه للتوتسي ورعايته لهم، وهو ما رحب به التونسي كأقلية وجدت حماية من السلطة الحاكمة والهب مشاعر الكراهية لدى الهوتو الأغلبية المقهورة.
لكن عندما ورث الاستعمار البلجيكي الألمان في احتلال هذه البلاد ظهرت أمامهم مبررات جديدة لإضافة مزيد من الرعاية والحماية للأقلية التونسية، فقد قدم التونسي للحكم الاستعماري البلجيكي خطط استغلال عمل وإنتاج الهوتو الذين يعمل معظمهم في الزراعة، وتعمقت الصلات بين الاستعمار البلجيكي والتوتسي عندما أعلن ملك التوتسي «الموامي» وكبار حاشيته عام ١٩٣١م اعتناق الكاثوليكية، وهي ديانة المستعمر البلجيكي... وهنا لقي التوتسي المزيد من الرعاية، حيث فتحت المدارس والجامعات البلجيكية في البلاد لتعليم أولادهم، بينما تم إغلاقها تمامًا في وجه الهوتو فظلوا على جهلهم ولم يبرحوا فلاحة الأرض، بينما خرجت النخبة الإدارية في الحياة المدنية وقيادات الجيش من بين التونسي، فصاروا هم الأقوى نفوذًا وقوة واقتصادًا وتعليمًا.... وفي الوقت نفسه ابتدع المستعمر البلجيكي أكذوبة التفوق الإثني مروجًا أن إثنية التوتسي من رواندا وبورندي وإثنية «البالوبا» في زائير «الكونغو البلجيكي»، هي جنس أعلى خلق ليحكم ويمارس السلطة، وأنه هو الأكثر قابلية لتلقي الحضارة، بل وهضمها.
وقد كان تمتع التونسيين بطول القامة ودقة الأنف وتناسق التقاطيع مشجعًا للبلجيكيين أيضًا على مزيد من تبنيهم اعتمادًا على أن معطيات العلم الإثنولوجي الرائجة في مطلع هذا القرن تؤكد أنهم «جنس أعلى»، وتأكدت بذلك أسطورة «الأصل الحامي» للتونسيين طبقًا للقصة التوراتية التي تقول بأن اللعنة الإلهية دفعتهم للنزوح من جنات عدن الأسيوية «القوقاز» إلى جحيم إفريقيا الاستوائية.
جذوة الكراهية تتفاعل:
وهكذا أصبحت طائفة الهوتو الأكثر عددًا والأسبق في التواجد بالمنطقة عبارة عن كتلة بشرية فقيرة ميدانها الأوحد المزارع وتحت رحمة واستغلال الأقلية التونسية الحاكمة القوية والغنية، فأخذت جذوة الكراهية تتفاعل وتشكل قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة... الهوتو تحرق قلوبهم نيران الظلم الواقع عليهم باختطاف بلادهم بثرواتها وإدارتها وحكمها وتعليمها... والتوتسي وقد ملأت رؤوسهم القناعة بأحقيتهم كجنس كطائفة في الحكم والثروة والهيمنة... وبمرور الزمن أخذ فتيل الانفجار ينسحب خارج القنبلة شيئًا فشيئًا حتى تم إعلان استقلال منطقة «رواند أورندي»، عن الاستعمار البلجيكي عام ١٩٦١م، ثم ما لبثت أن انشطرت إلى دولتين: رواندا وبورندي عام ١٩٦٢م، وبينما المستعمر البلجيكي على وشك الرحيل كان قد سحب الجزء الأخير من فتيل وأقوى، فتظل المنطقة في شبه خراب دائم وحالة الانفجار بأن سلم مقاليد الحكم في رواندا، للأغلبية الهوتو وفي الوقت نفسه قدم مزيدًا من التمكين والهيمنة للأقلية التوتسي في بورندي... حتى إذا ما حدث الانفجار بين الطائفتين لا يكون القتال بين طائفتين فقط، وإنما يكون بين دولتين فتكون حالات الدمار والهلاك والفناء أكثر وأبشع أقوى، فتظل المنطقة في شبة خراب دائم وحالة حرب مستمرة تستدعي المساعدات واستجلاب القوات الأجنبية، وهذا عين ما يريده الاستعمار القديم والحديث.
وقد جرت بعض المحاولات من قبل الملوك الذين كانوا يحكمون بورندي بعد الاستقلال لإحداث نوع من التوازن بين القبيلتين.... الهوتو «الأغلبية المقهورة» والتوتسي الأقلية المسيطرة، لكن تلك المحاولات باءت بالفشل، فقد كان المرض العرقي قد استفحل وضرب بجذوره في أعماق المجتمع، حتى صارت مهمة كل القبيلة هي إفناء الأخرى نهائيًا.
ومن هنا فقد صارت قنابل القبلية المدفونة في المنطقة تتفجر واحدة تلو الأخرى مخلفة وراها مذابح وحشية تعيد المتأمل في أحداثها إلى ما قبل التاريخ، بل وإلى ما قبل الإنسانية من حيث طريقة القتل الخالية من أبسط قواعد الإنسانية إلى الأعداد المهولة من الضحايا... حتى الأدوات المستخدمة فهي من الأدوات البدائية مثل السواطير والبلط والسنج وغيرها، وهكذا أصبحت الأرض بلا شعب اللهم إلا تلك الكتل البشرية التي يهلك بعضها بعضًا، وبلا حياة اللهم إلا حركة الكر والفر والهروب والهجرة، بل إن الأرض تحولت إلى مقبرة مفتوحة تتناثر فوقها تلال الجثث... وهذا هو عين المطلوب لكي تعود فرنسا وإنجلترا وألمانيا وبلجيكا إلى مناطق نفوذها الاستعماري القديم في صورة قوافل إنسانية أو في صورة قوات المنظمات الدولية تحت حجة نزع السلاح ووقف القتال.
المذابح الوحشية:
ولقد خطط الاستعمار البلجيكي وهو يخطو الخطوات الأخيرة خارجًا من هذه البلاد عام ١٩٦١ بأن تكون آخر خطوة لرحيله هي الخطوة الأولى نحو حروب أهلية متواصلة كانت أولها عام ۱۹۷۲م، فبعد إعلان استقلال بورندي عام ١٩٦٢م حافظت قبائل التوتسي على النظام الملكي للبلاد تحت قيادة «نتار الخامس» الذي عين ميشيل موتشمبير- من التوتسي- قائدًا للجيش فقام بعملية تطهير واسعة ضد الهوتو العاملين في الجيش وعندما عارضه الملك «نتار»- وهو أيضًا من التوتسي- قام بانقلاب ضده وأنهى الملكية نهائيًا معلنًا الجمهورية الأولى في عام ١٩٦٦م، وهو ما أنذر الهوتو بمستقبل أكثر إظلامًا في ظل الرئيس الجديد الحانق عليهم، فدبر الهوتو محاولة انقلابية عام ١٩٦٩م، لكنها فشلت، وتعرض الهوتو على أثرها المذبحة بشعة راح ضحيتها حوالي ۲۰۰ ألف شخص عام ۱۹۷۲م، وتمت تصفية كل عناصر الهوتو في الشرطة والجيش، وقد بلغت بشاعة تلك المذبحة إلى درجة اعتراض فريق كبير من التوتسي، مما أدى إلى انقسامهم إلى فريقين.... فريق معترض على المذابح وفريق متشدد يؤيد «موتشمبير» فيما يفعله، وتجدد القتال مرة أخرى عام ۱۹۸٨م فتدخل الجيش المصلحة التونسي وقتل ما لا يقل عن ٢٠ ألفًا من الهوتو وأجبر ما يزيد على ٦٣ ألفًا إلى النزوح إلى رواندا.
وفي عام ۱۹۹۳م أجريت أول انتخابات رئاسية تعددية فاز فيها حزب مليشور ندادي الذي ينتمي إلى الهوتو بأغلبية مقاعد البرلمان، وهكذا تم انتقال السلطة إلى قبيلة الهوتو لأول مرة، وتم تنصيب رئيس منهم هو سفريان تمناميرا في يناير ١٩٩٤م لكنه لقي مصرعه مع رئيس رواندا «من الهوتو أيضًا»، إثر إسقاط الطائرة التي كانت تقلهما، فتم إسناد السلطة مرة أخرى إلى رئيس جديد من الهوتو، إلا أن انقلابًا عسكريًا أنهى هذا الوضع لصالح التوتسي لتدور رحى مذبحة قبلية جديدة فر على إثرها كدفعة أولى ما يقرب من نصف مليون من الهوتو إلى الدول المجاورة، رواندا وزائير وتنزانيا هربًا من القوات التونسية التي لم تتورع عن إحراق قرى بأكملها.
وفي كل مرة كانت تتفجر فيه المذابح ضد الهوتو في بورندي كانت تجد صداها مذابح أبشع ضد التوتسي في رواندا، وقد كان أبشع تلك المذابح على الإطلاق تلك المذبحة التي حدثت في رواندا ضد التوتسي ردًا على المذابح ضد الهوتو في بورندي عام 1994م، وقد شارك في مذابح رواندا جميع الفئات من السكان حتى الكهنة إلى جانب العسكر واستخدمت فيها جميع أنواع الأسلحة.... الرشاشات والبنادق والفؤوس والبلطات والسكاكين والقضبان الحديدية، وقد اجتاحت هذه المذبحة البيوت والأحياء والقرى، بل وامتدت إلى المدارس والمستشفيات والبلديات حتى الكنائس والأديرة التي لاذ بها الفارون من القتل وبلغ عدد الضحايا ما يقرب من مليون غالبيتهم العظمى من التوتسي، ولم تخل هذه المذبحة من التمثيل بالقتلى وإلقاء أشلائهم للكلاب، كما لم تخل من مشاهد مروعة من الاغتصاب الجماعي لمئات الآلاف من النساء وقد ذبح أكثرهن بعد ارتكاب الجريمة.
وقد قذفت المذابح المتبادلة بين التوتسي والهوتو في رواندا وبورندي بملايين المهاجرين من الجانبين إلى دول الجوار منذ القدم، وكان نصيب زائير من هؤلاء اللاجئين هو النصيب الأكبر، حيث تركزوا جميعًا «هوتو- وتوتسي» في شرق زائير وبالتحديد في إقليم «كيفو»، وكانت الطلائع الأولى من أفواج المهاجرين ۱۲۰ الفًا من المهاجرين التوتسي الذين فروا من رواندا بين عامي ١٩٥٩م- ١٩٦١م بعد تولي الهوتو الحكم هناك، وقد ذهب نصف هؤلاء المهاجرين إلى كيفو حيث انضموا إلى آلاف الروانديين من التوتسي المقيمين في المنطقة منذ العشرينيات والثلاثينيات.
تزايد أعداد اللاجئين:
وفي عام ۱۹۷۳م فر ۱۷۰ ألفًا من الهوتو من بطش التوتسي في بورندي ومع تواكب المذابح تزايدت أعداد اللاجئين من الجانبين وزاد عليهم لاجئون من دول أخرى مثل: أوغندا وأنجولا فرارًا من الحروب السياسية في تلك البلاد، وهكذا تجمعت في شرق زائير كافة عناصر مشكلة التوتسي والهوتو، ومن الممكن القول إن شرق زائير صار صورة مصغرة لبورندي ورواندا، إذ بدأ هناك صراع جديد بين مهاجري القبيلتين... أقلية توتسية مهاجرة وأغلبية هوتية تزيد على المليونين، ولكن هؤلاء اللاجئين لم ينكفئون على حالهم يكتفوا بتلقي المساعدات التي تقيم أود حياتهم وإنما انصرفوا إلى تداول مشكلتهم العرقية فشكلوا ميليشيات مسلحة قامت بأعمال عنف ضد الدول الثلاث بورندي ورواندا وزائير جرت المنطقة كلها إلى فصل جديد من مسلسل الصراع... الذي مازال مستمرًا.
ويجب هنا أن نلفت النظر إلى أن هذه الحرب المعقدة لم تكن على طول الخط بين الهوتو والتوتسي فقط، وإنما كانت أحيانًا بين أبناء الطائفة الواحدة، ففي رواندا عانت حكومة الهوتو من معارضة فريق من الهوتو وصلت إلى حد النزاع المسلح، وفي بورندي عانت حكومات التوتسي العسكرية المتعاقبة من المعارضة المسلحة من قبل التونسي أيضًا... وهكذا يمكن أن نتصور المنطقة خلية من النحل يأكل بعضها بعضًا، وإن كان ذلك لا ينطبق على النحل فإنه يحدث بين البشر هناك.
ويبدو من الحديث عن زائير أنها لم تكن طرفًا مباشرًا في هذه الحرب، وإنما فرضت الحرب عليها بحكم جوارها المباشر لبورندي ورواندا واستقبالها أفواج اللاجئين الفارين من الحرب، ويمكن القول إن العلاقة المباشرة التي ربطت زائير بهاتين الدولتين هو رزوحها تحت الاستعمار الألماني ثم البلجيكي عام ١٩٤٦م حتى عام ١٩٦٠م وكان اسم زائير في هذه الآونة «الكونغو البلجيكي» التي تبلغ مساحتها مليوني ٣٤٥ ألف كيلو متر، أي ما يعادل ٧٥ ضعف مساحة بلجيكا، وكان يعيش فيها ومازال ما يقرب من ۲۰۰ قبيلة تعد قبيلة «البالونا» هي أكبرها وأشهرها، لكن مع وجود هذا العدد من القبائل لم تظهر بينها حرب حتى الآن، ولكنها صراعات من الطراز الخفيف، وإنما تظل مذابح الهوتو والتوتسي تهدد زائير نفسها قبل بورندي ورواندا، وقد تسببت هذه الحرب في توتر العلاقات بين زائير وكل من بورندي ورواندا وأوغندا والتي اتهمتها زائير بعد الثوار التوتسي في شرق زائير بالسلاح.
دول الاستعمار لم تغب عن الساحة:
وفي خضم هذه الحرب المجنونة التي لا يعلم أحد متى تنتهي لم تغب بلجيكا وألمانيا وإنجلترا وفرنسا ومن قبلهم أمريكا عن الأحداث وعن المنطقة في صور شتى أبرزها الهيئات الإغاثية ومحاولات إحضار قوات لفض النزاع أو لحفظ الأمن تحت ستار الأمم المتحدة والهدف واضح كل يريد أن يستعيد مناطق نفوذه القديمة في هذه البلاد ذات الثروات المعدنية والزراعية الكبيرة، وربما يحدث سباق وصراع بين دول الاستعمار من أجل الفوز بأكبر قطعة من الوليمة.
أما الكيان الصهيوني فلم يغب عن هذه المنطقة لحظة واحدة من خلال شحنات السلاح التي يصدرها للأطراف المتحاربة منذ سنوات، فقد أكدت المصادر الصحفية البريطانية من خلال تقارير وثائقية كشف عنها بعض القادة السابقين في الجيش الرواندي أكدت أن شركات صناعة السلاح الإسرائيلية قامت بتزويد رواندا «الهوتو» بالسلاح الذي استخدم عام ١٩٩٤م في قتل ما يقرب من مليون من التوتسي، وإذا كان جنرالات إسرائيل ظلوا يرفضون هذه الأخبار إلا أن حادث الطائرة الإثيوبية التي تحطمت على شواطئ جزيرة «الومورد» وهي الجزيرة الرئيسية في دولة جزر القمر واكتشف بين الجثث أربعة من كبار المسؤولين في الصناعات العسكرية الإسرائيلية، وهو ما أحدث صدمة لدى بعض المسؤولين في الصناعات العسكرية الذين فلتت منهم تصريحات تؤكد أن القتلى كانوا قد اختتموا زيارة ناجحة لإثيوبيا وقعوا خلالها صفقة لصيانة ٣٠ طائرة حربية من طراز ميج ۲۱ مقابل عدة ملايين من الدولارات، ولعل ذلك يؤكد التقارير والأخبار المتواترة عن اختراق إسرائيل لبؤر الصراع في إفريقيا حتى أصبحت من كبار مصدري السلاح للفرق المتناحرة هناك.
ومرة أخرى يتأكد تورط الصهاينة في الحرب بين الهوتو والتوتسي، وقد ثبت ذلك عندما تمكنت السلطات المصرية من إجبار طائرة متوجهة من كينشاسا إلى مطار بن جوريون الإسرائيلي على الهبوط في أراضيها بعد أن حاول قائد الطائرة التسلل عبر الأجواء المصرية.
ويؤكد المراقبون أن إسرائيل أقامت علاقات وطيدة مع طرفي الصراع الهوتو والتوتسي، ومدت كل منهما بالسلاح اللازم حتى صارت على علاقات قوية مع الطرفين، كما أن إسرائيل قدمت مساعدات كبيرة لنظام الرئيس موبوتوسيسي سيكو في زائير وأشرفت على تدريب قوات الحرس الجمهوري التي تشكل العمود الفقري لقواته المسلحة.
ويتردد أن النظام الرواندي قد تسلم من إسرائيل صفقة كبيرة من الأسلحة الروسية والصينية الصنع التي استولى عليها الجيش الصهيوني خلال اجتياحه للبنان عام ۱۹۸۲م... وهكذا تكشف الأحداث عن أن إسرائيل تتسابق مع الدول الغربية وإن لم تكن قد سبقتها في فتح ثغرات في هذه المنطقة الإستراتيجية الغنية بالموارد الطبيعية والمعادن النفيسة.
تهديد أمن مصر المائي:
وفي أكثر من مناسبة أكدت مصادر دبلوماسية غربية اتفاقها مع المراقبين للأحداث في هذه المنطقة بأن تغلغل الصهاينة في هذه المنطقة- منطقة البحيرات العظمى، حيث منابع نهر النيل- يرمي إلى السيطرة على هذه المنابع لتهديد الأمن المائي المصري والضغط على مصر ببيعها حصة من مياه النيل، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن الكيان الصهيوني يسعى بالاشتراك مع الولايات المتحدة إلى السيطرة على شاطئ القرن الإفريقي والمدخل الجنوبي للبحر الأحمر «مضيق باب المندب»، وهو المنفذ الوحيد المؤدي إلى ميناء إيلات الإسرائيلي وذلك يمكن الولايات المتحدة وإسرائيل من التحكم في الخط الذي يربط بين أراضي الشرق الأوسط وإفريقيا، ولعل ذلك يلقى بالظلال على التعاون الاستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي في الصراع مع الغرب وخاصة فرنسا على السيطرة على أكبر قدر من مناطق النفوذ في هذه المنطقة، وتسعى إسرائيل في هذا الصدد إلى التأكيد للولايات المتحدة أنها يمكن أن تكون حليفًا ناجحًا لها في إفريقيا كما كانت دائمًا في الشرق الأوسط، والأطماع الأمريكية في إفريقيا لم تعد خافية فقد عبر عنها وزير الخارجية الأمريكي وارين كريستوفر بصراحة خلال جولته الإفريقية الأخيرة والتي جرت خلالها اتهامات متبادلة بين باريس وواشنطن.
لكن.. إلى جانب هذه المطامع الصهيونية الأمريكية المشتركة تبرز مطامع صهيونية خاصة بالكيان الصهيوني- نفسه- إضافة إلى المطامع في منابع النيل، وهي سعي إسرائيل لأن يكون لها قدم نفوذ على مناجم الذهب والماس التي تشتهر بها المنطقة وخاصة زائير فاهتمام الصهاينة بهذه المناجم لا يقل عن اهتمامها بالسيطرة على مناجم اليورانيوم في المناطق الإفريقية الأخرى أملًا في دعم وتطوير قدراتها النووية لردع العرب والمسلمين.
إن فصول الصراع الغربي على مناطق النفوذ والثروات في إفريقيا مازالت متعددة، كما أن محاولات التغلغل الصهيوني المتواصلة تحتاج إلى مزيد من التفاصيل بنفس المستوى الذي تحتاجه إفريقيا نفسها كمنجم كبير للثروات وهو ما سوف نتناوله في أعداد قادمة إن شاء الله.
* رواند:
- السكان: 7.232 ملايين نسمة.
- المساحة: 26.338 ألف كم².
* بوروندي:
- السكان: 5.3 ملايين نسمة.
- المساحة: 28 ألف كم².
* زائير:
- السكان: 49 ملايين نسمة
- المساحة: 345 ألف كم².