العنوان على صهوة الكلمة.. اغتراب المسلم المعاصر(2)
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1987
مشاهدات 97
نشر في العدد 847
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 15-ديسمبر-1987
يشعر المسلم المعاصر بأن ثمة هوة فسيحة تفصل بين العالم الواقعي الذي تمثله المجتمعات العربية الإسلامية والعالم المثالي الذي يصبو إليه في ظل حياة كاملة تحت راية الشريعة الإسلامية ومقرراتها الفكرية والعقائدية. وكلما ازداد الإحساس باتساع الهوة ازدادت المشاعر السلبية من عدم رضى ورفض ما يرافقها من غضب ونفور ويأس وقلق.
واغتراب المسلم المعاصر يمر بمراحل ثلاث: تبدأ المرحلة الأولى من خلال علاقته بالبنيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ومحاولة هذه البنيات صهره فيها أو لفظه خارجها.
وتبدأ المرحلة الثانية عندما يتمكن عدم الرضى عن الأوضاع القائمة في المجتمع لديه، ورفض الاتجاهات والقيم والأسس السائدة.. أما المرحلة الثالثة فهي النتائج السلوكية الفعلية للحالة هذه.
ويؤكد د. حليم بركات (أحد البارزين الذين كتبوا في موضوع الاغتراب) أن هناك مصدرين رئيسيين للاغتراب، أولهما: السيطرة المفرطة OVER – CONTROL، وثانيهما: فقدان السيطرة UNDER CONTROL أما حالة السيطرة المفرطة فهي ميل المجتمع والمؤسسات إلى الضغط على الفرد ومحاولة صهره في أجهزتها، فيفقد الفرد بالتالي الشعور بالقدرة على تقرير مصيره، ويفقد الحق في أن يكون مستقلًا ومتميزًا (والاستقلال والتميز لدى المسلم المعاصر خاصة في ملابسات المجتمع الحديث ومجرياته له أكثر من مبرر شرعي وعقلي).
أما حالة فقدان السيطرة فهي حالة انحلال القيم والمعايير وتفككها، وغياب الأهداف الرئيسية للمجتمع أو عدم وضوحها..
والمسلم المعاصر الذي يُعايش تلك الأحوال يشعر بأنه غير مشترك في تقرير مصيره ولا مسؤول عنه، وأنه شبيه بالقشة التي تتقاذفها الأمواج في بحر من انحلال القيم والمعايير وتفكك المقاييس (الحق والباطل- المعروف والمنكر- كل شيء صار صفرًا على حد تعبير كارل منهايم).
وضعية الاغتراب هذه التي يعاني منها المسلم المعاصر حفزت لديه كل أحاسيس العزلة والرهاب الثقافي والخوف من الجديد، ولأن المجتمع الأوسع المتغرب يدينه عشوائيًا وبدون تمييز بـ«التطرف والغلو والتشدد»- وهو موقف لاشك سلبي من المجتمع تجاه المسلم المعاصر- أخذ الأخير يرد على ذلك أيضًا بمواقف سليبة تجاه المجريات الاجتماعية.
ولقد انعكس هذا الأمر على منهج تفكير المسلم المعاصر الذي توصل إلى ضرورة التمترس الفكري وإلغاء أية نزعة فيه تجيز المراجعة أو النقد الذاتي، لا للفكرة التي يحمل بالطبع، ولكن لأسلوب التعبير عنها ماديًا ومعنويًا وكُتلويًا.
وكما أن المجتمع الأوسع المتغرب لا يبصر إلى عورات المسلم المعاصر وأخطائه، صار الأخير- وكرد فعل طبيعي ومتوقع- لا يبصر إلا عورات المجتمع الأوسع وأخطاءه.. نتيجة كل هذا الرفض المتبادل كان ضررًا كبيرًا على كل الأطراف، فمن جهة خسر المجتمع الطاقات الهائلة الخيِّرة الكامنة في المسلم المعاصر، ومن جهة أخرى خسر المسلم المعاصر فرصًا عظيمة وكثيرة للتواصل الفكري والإنساني المعوَّمة والسائلة في المجتمع الأوسع.
ولكي نصل إلى حل لهذه المشكلة لابد من تفكيك الجمود الذي توصلت له المعادلة السالفة وحلحلة «المزلاج» الذي ران عليه الغبار والصدأ لفترة طويلة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل