; أحمد ياسين: بين المحكمة والبيان المدسوس | مجلة المجتمع

العنوان أحمد ياسين: بين المحكمة والبيان المدسوس

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-1990

مشاهدات 99

نشر في العدد 954

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 13-فبراير-1990

 

أحمد ياسين.. شيخ الانتفاضة المباركة... وزعيم حركة المقاومة الإسلامية "حماس" ما زال يضرب لإخوانه من أبناء الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية الأمثلة الرائعة على الثبات والشموخ والاستعلاء على الاحتلال وحكمه وجبروته.

الشيخ المجاهد أحمد ياسين أصبح رمزًا ومثالًا في قلوب وعقول أبناء فلسطين، الذين تتبعوا أنباء محاكمته لحظة بلحظة، وهم فخورون بشيخهم القعيد الذي لم يهن ولم يستجب للضغوط والتهديد والإرهاب، ولم يعطِ جلاديه ما أرادوا من اعتراف بشرعية وجودهم على أرض فلسطين المغتصبة. وظل الشيخ المجاهد ثابتًا في زمن التنازلات والتراجعات وانقلاب الموازين.

 

الاحتلال اليهودي

المحكمة طبعًا، عقدت جلستها الأولى، ولم تحدد موعدًا للجلسة التالية. وهنا أخي القارئ، أود أن أضع بين يديك هاتين الصورتين:

الأولى حول محاكمة الشيخ المجاهد... والثانية حول أحد البيانات المدسوسة وطريقة تفاعل البعض معها.

 

إجراءات خاصة:

سلطات الاحتلال اليهودي قامت صباح يوم الأربعاء (3 يناير 1990) بإغلاق المنطقة الصناعية في مداخل قطاع غزة والتي تسمى "إيريز"، ومنعت العمال الذين يعملون في مصانع تلك المنطقة من التوجه إليها، كما اتخذت إجراءات أمنية لم يسبق لها مثيل في جميع قطاع غزة.

وتحولت إحدى قاعات دائرة الصحة في المنطقة؛ لتصبح قاعة محكمة خاصة لمحاكمة الشيخ أحمد ياسين. وهذا التدبير ملفت للنظر والاهتمام؛ حيث اعتادت سلطات الاحتلال على محاكمة المعتقلين في المحاكم العسكرية الموجودة داخل المدن الفلسطينية... إلا الشيخ ياسين، فقد أقامت له محكمة خاصة. ثم سارت مجموعة من السيارات العسكرية المتشابهة تحمل إحداها الشيخ المجاهد من زنزانته في سجن الرملة إلى قاعة المحكمة المذكورة. وتم ذلك تحت حراسة مشددة. وقد عُقدت المحاكمة بحضور حشد كبير من الصحفيين ومندوبي وكالات الأنباء والتلفزيون، ولم يُسمح إلا لبعض أفراد عائلة الشيخ بحضور المحاكمة.

كما كان من بين الحضور عائلتا الجنديين اليهوديين المختطفين آفي ساسبورتاس وإيلان سعدون؛ حيث تتهم سلطات الاحتلال حركة حماس بقتل الجنديين وإخفاء جثتيهما، وتزعم أن الشيخ أحمد ياسين قد أعطى الأوامر لتنفيذ ذلك.

كما حضرها محامو الشيخ ياسين: فايز أبو رحمة نقيب المحامين في قطاع غزة، وعادل خليفة أمين سر نقابة المحامين، وعبد المالك دهامشة، وناظم عويضة وإبراهيم أبو دقة، وعمر البرش، وعبد الكريم شبير.

 

15 تهمة!!

وحين بدأت هيئة المحكمة تلاوة لائحة الاتهام طعن المحامي عبد المالك دهامشة بقانونية ذلك، باعتبار أنه وباقي محاميي الشيخ لم يستلموا حتى تلك اللحظة ملف القضية. كما طعن الشيخ أحمد ياسين بالمحكمة، باعتبار أن الاحتلال غير قانوني، وبالتالي كانت المحكمة غير قانونية. لكن قضاة المحكمة رفضوا هذه الاعتراضات، وبدأوا بتلاوة لائحة الاتهام، والتي تتضمن 15 تهمة، منها: تأسيس وقيادة حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، وتكوين منظمة "مجد" الجناح الأمني لحماس، من أجل الاهتمام بجمع المعلومات عن الأشخاص الذين يشتبه بتعاونهم مع الاحتلال وملاحقتهم، وتكوين منظمة "المجاهدين الفلسطينيين" الجناح العسكري لحماس، والتي تهدف إلى إقامة خلايا عسكرية، والقيام بعمليات عسكرية ضد الجيش "الإسرائيلي"، وحيازة أسلحة ومواد حربية، وتزويد الحركة بالأموال لتمويل نشاطاتها، وتعيين مسؤولين لحماس ولمنظماتها. وبعد تلاوة البنود "الخمسة الأولى" من لائحة الاتهام قرر القضاة تأجيل النظر في القضية إلى جلسة ثانية لم يحدد موعدها أو مكانها، وطالبوا المحامين بتقديم اعتراضاتهم إلى المحكمة على لائحة الاتهام.

 

مقابلة:

وبينما كان جنود الاحتلال يدفعون الشيخ المجاهد على كرسيه المتحرك خارج قاعة المحكمة لإعادته إلى زنزانته، أجرى معه مراسل التلفزيون "الإسرائيلي" هذا اللقاء:

"نص المقابلة حرفيًّا كما عرضها تلفزيون العدو"

المراسل: شيخ أحمد ياسين كيف الصحة، كيف المعاملة في السجن؟

الشيخ ياسين: كويسة.

المراسل: بالنسبة لخطة بيكر كيف شايفها؟

الشيخ ياسين: لا تجدي ولا توصل إلى طريق، مقطوعة.

المراسل: لكن المنظمة وافقت عليها.

الشيخ ياسين: هي متحفظة.

المراسل: شيخ أحمد ياسين هل تعتبر نفسك مسؤولًا عن نشر ميثاق حركة المقاومة الإسلامية "حماس"؟

الشيخ ياسين: طبيعي.

المراسل: التي ذكر فيها إن فلسطين إسلامية من النهر إلى البحر؟

الشيخ ياسين: هذه عقيدة، والعقيدة لا تتجزأ، وهذا نص القرآن، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (الإسراء:1).

المراسل: والطريق إلى ذلك الجهاد؟

الشيخ ياسين: لأننا فقدنا الوسائل، ولا نستطيع الوصول إلى حقنا لا بسلام ولا بغيره، فماذا نفعل؟

المراسل: الجهاد؟

الشيخ ياسين: أمر طبيعي.

المراسل: وحقك تراه في كل فلسطين؟

الشيخ ياسين: فلسطين تعتبر أرضًا إسلامية؛ لأنها وقف إسلامي أوقفها سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فهي ليست ملكًا لي أنا ولا ملك الشعب وحده؛ بل هي ملك لأجيال المسلمين.

المراسل: طيب ماذا تفعل بيهودها؟

الشيخ ياسين: نعيش معهم.

المراسل: في ظل الإسلام؟

الشيخ ياسين: كما عشنا سابقًا.

المراسل: يعني في ظل الإسلام.

الشيخ ياسين: عاش اليهود معنا سنين كثيرة فما عهدوا منا قتالًا.

المراسل: في رحاب الدولة الإسلامية.

الشيخ ياسين: نعم.

كانت هذه هي الصورة الأولى.. وهي صورة مشرقة في تاريخ الشعب الفلسطيني... أما الصورة الثانية... فهي صورة ليست كذلك.. وإليك إياها:

 

بيان مدسوس:

بيان يوزع في قطاع غزة ويحمل توقيع "حركة المقاومة الإسلامية - حماس" النصف الأول من البيان عبارة عن "مانشيتات كبيرة" كالتالي:

•       الانتفاضة في خطر

•       ورأس حماس هو المطلوب

•       في محاكمة الشيخ أحمد ياسين... الداعية المجاهد

•       "ثم بعض العبارات حول منظمة التحرير وأبو عمار"

أما عن مضمون البيان فهو يتناول أطروحات التسوية وأصحابها بالهجوم العنيف. ويحاول البيان من خلال عباراته إثارة البلبلة في الساحة الفلسطينية، وإثارة معركة مع منظمة التحرير.

والذي يقرأ البيان قراءة سريعة يتوقف عند مجموعة من الملاحظات والتناقضات الجديرة بالاهتمام:

1.     البيان ليس له تاريخ.

2.     المانشيتات العريضة في بداية البيان تتحدث عن الشيخ أحمد ياسين؛ لكن مضمون البيان لم يورد كلمة واحدة عن الشيخ ياسين.

3.     كلمات وعبارات البيان لا تخلو من التجريح والاستفزاز المفتعل.

وباختصار فإن لغة ولهجة البيان لا تتوافق مع لغة ولهجة وسياسة "حماس" التي حرصت دائمًا على الوحدة الوطنية وعلى عدم إثارة الخلافات والمعارك الجانبية في الساحة الفلسطينية.

إلى هنا... أخي القارئ.. والأمر ليس فيه غرابة... فمن المألوف أن يصدر بيان باسم حماس أو باسم القيادة الموحدة... ويتضمن هجومًا على الطرف الآخر ومحاولة إثارة البلبلة والخلافات... فقد صدرت الكثير من البيانات بهذه الصورة لكن شعبنا لم يُعرها اهتمامًا؛ لأنه يعرف من يصدر هذه البيانات المشبوهة والمدسوسة. فقد دأبت مخابرات العدو وعملائه على هذا الأسلوب للنيل من تماسك شعبنا ووحدته.

وفي كل البيانات السابقة... وكذا في هذا البيان موضع الحديث.. كان يكفي لأصغر طفل في فلسطين - ناهيك عن الكبار والمثقفين - كان يكفيه أن يلقي على البيان نظرة سريعة؛ ليعرف أنه حقيقي أو مدسوس.. من لهجته وأسلوبه ونواياه.

كما قلت... إلى هنا فالأمر ليس غريبًا... لكن ما لم أستطع تفسيره هو: كيف غابت محاولات اليهود للدس والوقيعة عن الإخوة في المنظمة؛ حيث اعتبروا أن البيان المشار إليه يفتعل معركة مع المنظمة، وعلق السيد أبو عمار على رأس البيان بما يلي:

"هل أحمد ياسين هو الزعيم الفلسطيني الوحيد الملقى القبض عليه، وهل هو الوحيد الذي يحاكم، ولمصلحة من هذه المعركة مع المنظمة، لو أن كادرًا صغيرًا في أصغر تنظيم فلسطيني، قدم عن حركته 10/1 "عشر" مما قدمها أحمد ياسين عن إخوانه في حماس لصدر فيه فورًا قرار بالفصل - فلماذا هذه الضجة - ولمصلحة من هذه المعركة المفتعلة مع المنظمة وفي هذا الوقت بالذات؟".

 

التريث أفضل!

أعتقد أنه كان من الأولى والأفضل التريث في إطلاق الأحكام... والتأكد من صحة البيان المذكور قبل اعتماده والتصرف على أساسه، خاصة أنه ليس من الصعب معرفة الحقيقة من مظانها وأهلها... واتصال المنظمة بحماس، كان كفيلًا بتوضيح الحقائق.

ومن جانب آخر أرى أنه لم يكن هناك داعٍ أو مصلحة لتلك العبارات التي تتعرض للشيخ ياسين وجهاده وصبره وثباته.

ومن المفترض الحذر الشديد في الحديث عن الشيخ المجاهد أحمد ياسين لمكانته في نفوس أبناء الشعب الفلسطيني، ولمواقفه في مواجهة الاحتلال... ولموقعه كشيخ للانتفاضة وكقائد لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" التي يعرف الجميع دورها وموقعها في الانتفاضة.

 

الرابط المختصر :