العنوان في مجرى الأحداث-نموذج للعمليات السياسية «المفخخة»
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 02-يونيو-2001
مشاهدات 40
نشر في العدد 1453
نشر في الصفحة 19
السبت 02-يونيو-2001
شعبان عبد الرحمن.
shaban@almujtamaa.com
جاءت زيارة «داه ولد عدي»، وزير الخارجية الموريتاني الأخيرة لتل أبيب أشبه بعملية سياسية مفخخة وخاطفة لاختراق الموقف العربي الملتئم حول الانتفاضة، وفي الوقت نفسه لصب مياه باردة على الروح العربية التي بلغت عنان السماء بعد عملية نتانيا الاستشهادية. ولم تكن الزيارة في توقيتها هي المفاجأة الأولى التي يصدم بها المواطن العربي والمسلم وهو يتابع تطورات الحرب الوحشية ضد أهلنا في فلسطين، فمنذ انطلاق الانتفاضة في سبتمبر ۲۰۰۱م، وعلى امتداد الأشهر التسعة الماضية كنا نفاجأ بين الحين والآخر باتصالات عربية فلسطينية مع الصهاينة، كان مردودها علي النفسية العربية هو الإحباط، فبينما كنا نشاهد عمليات القتل بلا رحمة للأطفال والنساء كنا نشاهد على التوازي لقطات أخرى لاجتماعات التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية والصهاينة جل همها البحث في وضع مجاهدي حماس والجهاد في سجون السلطة تحت بند مكافحة الإرهاب، ثم نفاجأ مرة أخرى باجتماعات في شرم الشيخ تارة، وواشنطن تارة أخرى، وكل ذلك يلقي برسالة واحدة مفادها تسريب التثبيط والإحباط إلى وجدان كل فلسطيني يقف في خط المواجهة وكل عربي ومسلم يرقب ما يجري وهو يتميز غيظًا، حتي جاءتنا المفاجأة من هناك عند شاطئ المحيط الأطلسي الشرقي، حيث موريتانيا ذلك البلد المسلم (٢ مليون نسمة) لتحدث طعنة خاطفة للحالة الفلسطينية العربية وهي في أفضل أوضاعها، فقد أحدثت عملية نتانيا الاستشهادية (الجمعة ١٨ مايو) -وما جاء بعدها من عمليات- بعثرة في الموقف الصهيوني الرسمي، ورعبًا لم يتوقف بعد في المجتمع، ولم يخفف من تفاعلاته غارات طائرات إف١٦ والأباتشي.
في المقابل وعلى الجانب العربي رفعت هذه العمليات من الروح المعنوية على الصعيد العربي، وصنعت وحدة شعورية ندر أن تحدث، وشفت غليل القلوب المتفجرة غيظًا لما تراه كل ساعة من وحشية الصهاينة، فجاءت المفاجأة من زيارة وزير الخارجية الموريتاني في محاولة لصب الماء البارد على مشاعر الشارع العربي الساخنة، وكرسالة واضحة مفادها أن الموقف العربي ليس موحدًا، وأن القرار الصادر عن لجنة المتابعة العربية يوم ١٩ مايو الجاري بوقف الاتصالات مع الصهاينة ليس جديًا، ولعل السيد محمد جميل منصور الأمين العام لجبهة مقاومة التطبيع الموريتانية كان دقيقًا عندما قال: إن هذه الزيارة أضفت شرعية على الأعمال الهمجية وأعمال الإبادة التي يتعرض لها الفلسطينيون، هذه الزيارة -المفاجئة في توقيتها- تعيدنا إلى يوم الثامن والعشرين من شهر أكتوبر من العام ۱۹۹۹م عندما فاجأنا وزير الخارجية الموريتاني السابق وهو يطل علينا من واشنطن بصحبة وزير الخارجية الصهيوني الأسبق، معلنًا إقامة علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني، وهي المفاجأة التي سبقتها اتصالات سرية ومقايضات اقتصادية كثمن للإقدام على هذه الخطوة، لكن وكشأن كل الشعوب العربية التي طبعت أنظمتها مع العدو انتفض الشعب الموريتاني ضد هذه المواقف من حكومته ومازال، والملاحظ أن تأثير هذه الزيارة لم يتعد السويعات التي استغرقتها، فقد وضعتها العمليات الاستشهادية المتتابعة سريعًا في عالم النسيان، ولم يجن الوزير الموريتاني ونظامه إلا بقعة سوداء جديدة علقت بجبينه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل