; بعد توقيع اتفاق توسعة الحلف شرقًا: الناتو منظمة تبحث عن دور | مجلة المجتمع

العنوان بعد توقيع اتفاق توسعة الحلف شرقًا: الناتو منظمة تبحث عن دور

الكاتب يوسف سليماني

تاريخ النشر الثلاثاء 10-يونيو-1997

مشاهدات 77

نشر في العدد 1253

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 10-يونيو-1997

    فاجأ الرئيس الروسي «بوريس يلتسن» العالم بإعلانه تفكيك الصواريخ الموجهة نحو الدول الأعضاء في منظمة حلف «الناتو» وفي الوقت ذاته فإنه قد فتح الباب واسعًا للتساؤل عن مستقبل هذه المنظمة ودورها في الساحة الدولية بعد انتهاء فترة الحرب الباردة، وإعلان روسيا عدم رغبتها في استخدام قدراتها العسكرية الهائلة ضد دول حلف «الناتو». 

     كانت ظاهرة الأحلاف التي عرفها العالم منذ عقد الأربعينيات إحدى أبرز المعالم المميزة لمرحلة الحرب الباردة والقطبية الثنائية، والأحلاف العسكرية هي منظمات أمنية بحتة، ذات توجه عسكري وسياسي، يهدف إلى تحقيق أمن الدول الأعضاء فيها ضد أي خطر خارجي.

     وإذا كانت السياسة الدولية لا تعرف صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، وإنما هناك فقط مصالح دائمة، فإن الأحلاف ذاتها تعد مؤقتة وغير دائمة أيضًا باعتبارها قائمة على مبدأ الصداقة والعداوة، هذا المبدأ صحيح إلى حد كبير، ولكن حين يكون الحلف في مستوى «الناتو» الذي أبرم رسميًا بين الدول الغربية ومن خلال معاهدة تاريخية، فإنه يصير من الصعب على الدول الأعضاء فيه التخلي عنه وعن الالتزامات الموقعة بشأنه، وهو ما يميز الفرق الخفي بين «الحلف» وبين «المنظمة الحلف».

     إن الدول لا تختار الانضمام إلى -حلف معين -من أجل رغبة عادية، وإنما تفعل ذلك حين لا تتمكن من حماية أمنها باستخدام وسائلها ومواردها الخاصة، وبمجرد أن تشعر هذه الدولة أو تلك أن بإمكانها حماية حدودها دون اللجوء إلى الغير، فإن خيار انسحابها هو الوارد في الغالب؛ لأن وجودها ضمن هذا الحلف هو تعبير ضمني عن تهديدها لأمن حلف أو أحلاف أخرى، إن الدول تتجمع في هذا الحلف أو ذاك حينما تواجه خطرًا مشتركًا أو متفرقًا، حتى وإن تفاوتت في درجة مواجهة هذا الخطر.

     ترى ما هي العوامل التي تدفع دولًا إلى تأسيس الأحلاف وأخرى للانضمام إليها؟ قد يبدو العامل الجغرافي أوليًا ومبسطًا لفهم الظاهرة - فمنظمةORGANIZATION OF AMERI CAN STATES – OAS)  التي تأسست في الأربعينيات هدفت إلى حماية أمن دول القارة الأمريكية، ومنظمة حلف وارسوWARSAW)) كانت TREATY ORGANISATION - WTO) تهدف إلى حماية أمن الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية المتآخمة له، والأمر كذلك بالنسبة لمنظمة «حلف الناتو» الذي يهدف هو الآخر إلى حماية منطقة شمال الأطلنطي، ولم نسمع قط عن انضمام دولة في حلف لا تتناسق معه جغرافيًا، فضلًا عن العوامل الأخرى.

     قد يكون العامل الثقافي هو الآخر مهمًا في تأسيس الأحلاف وتماسكها، فالدول الإسلامية مثلًا مؤهلة لتأسيس حلف أمني يحمي مصالحها المشتركة من تهديدات أخرى، وقد لا يبدو غريبًا أن السبب الوحيد الذي حال -ولا يزال- دون تحقيق ذلك هو الضعف السياسي والاقتصادي وكذا العسكري للدول الإسلامية، وقريبًا جدًا من عامل الثقافة يأتي عامل الأيديولوجيا، فالأمم تؤسس الأحلاف أو تنضم إليها تحت هذا العامل كثيرًا، وكما هو معروف فإن حلفي «الناتو» و«وارسو» تأسسا في مرحلة الحرب الباردة بناء على الصدام الأيديولوجي بينهما.

     ولكن العامل الأهم هو عامل الدفاع المشترك بغض النظر عن أي اعتبار آخر، وعامل الدفاع المشترك لا يمكنه -إلا نادرًا- الانفصال عن عامل الجغرافيا أو الثقافة أو الأيديولوجيا.

     فحلف الناتو مثلًا في مادته الخامسة يذكر الدفاع المشترك كالتالي: «الأطراف تتفق على أن أي هجوم عسكري ضد عضو واحد أو أكثر، في أوروبا أو أمريكا الشمالية، يجب أن يعتبر تهديدًا ضد الأطراف كلها»، وتضيف المادة نفسها أن دول الحلف يجب أن تساعد الطرف أو الأطراف المعتدى عليها باستخدام القوة العسكرية من أجل تحقيق الأمن في منطقة شمال الأطلنطي، ولكن ماذا عن مستقبل هذه الأحلاف بعد تلاشي أسباب ظهورها وانتهاء العوامل التي أدت إلى نشأتها، هل تنتهي هذه المنظمة الحلف أم أنها تصير إلى مرحلة مؤقتة تبحث لها عن خصم يبرر بقاءها وتماسكها، أم أنها قد تضطر إلى تغيير أهدافها ومجال اهتمامها وربما تسميتها أيضًا؟ إن حالة منظمة حلف «الناتو» بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار المعسكر الشرقي هي أقرب مثال لفهم الظاهرة.

     تأسس حلف «الناتو» بهدف ردع التهديد السوفييتي أثناء مرحلة الحرب الباردة، والتخوف من الخطر المحتمل على منطقة وسط وغرب أوروبا، الفكرة تقدمت بها الولايات المتحدة ضمن سياسة الاحتواء الموجهة ضد «الدول الشيوعية» عمومًا و«الاتحاد السوفييتي خصوصًا».

     وعلى الرغم من أن حلف «الناتو» يبدو اليوم هو المنظمة الوحيدة من نوعها، والأكثر تنظيمًا واستقرارًا وتماسكًا، واتساعًا في العالم، فالعضوية فيه تمتد من أمريكا وكندا غربًا إلى اليونان وتركيا شرقًا، وهو لا يزال قابلًا للتوسع أكثر، إلا أنه يواجه مشكلة جوهرية ودقيقة على مستوى الأهداف والأدوار، تتمثل في كونه يفقد تدريجيًا مبرر وجوده الأولي الخاص بالدفاع ضد التهديد السوفييتي ومن كان يدور في فلكه.

     وإضافة إلى ذلك فإن الحلف من خلال المعاهدة الموقع عليها قد حدد مهامه في مجال الدفاع عن الدول الأعضاء، ولم يسمح بالتدخل في أي صراع خارج دائرة الأمن والدفاع، وهو أحد الأسباب التي يراها بعض المراقبين في عدم قدرته على لعب دور بارز في أمة كالخليج مثلًا، أو في البوسنة ومنطقة البلقان عمومًا.

     وإذا كان حلف وارسو قد انتهى بسبب الانهيار السوفييتي وتفكك الكتلة الشرقية، فهل يكون حلف الناتو، مهددًا هو الآخر بالانهيار والتفكك للسبب نفسه، وهو انهيار العدو إضافة إلى عدم قدرته على تحديد عدو بديل وكافٍ؟، الإشارات تلوح كثيرًا نحو ما يسمى «الأصولية الإسلامية»، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر تصريح الأمين السابق للحلف «فيليب كلاوس» في فبراير (۱۹۹٥م) بأن الأصولية هي أحد التهديدات التي تواجه دول الغرب بعد نهاية مرحلة الحرب الباردة، وأن تهديدها لا يقل خطرًا عن تهديد الشيوعية سابقًا، وكذا تصريح المستشار الألماني «هلموت كول» أيام اشتعال الأزمة الشيشانية بأنه يجب على الغرب عدم إهمال خطر الأصولية الإسلامية في عدم استقرار الشيشان وخطر انتقالها إلى دول مجاورة مثل تركيا، وهو ما يهدد أوروبا الغربية نفسها.

     وعلى الرغم من كثرة وتنوع التصريحات بشأن «الأصولية الإسلامية»، فإننا نلحظ خصوصية معينة لدى دول جنوب أوروبا، وقد تكون فرنسا تحديدًا هي الأكثر إحساسًا بهذا الأمر؛ بسبب اقترابها الجغرافي والتاريخي بالحالة الجزائرية.

     وقد كانت للحلف في بداية عام (١٩٩٥م) مبادرة فتح حوار مع الدول الواقعة جنوب حوض المتوسط بشأن التصدي للظاهرة الإسلامية المتصاعدة أو احتوائها، والدول التي شملتها المبادرة كانت المغرب، تونس، موريتانيا، مصر، الأردن، إضافة إلى الكيان الصهيوني، واستثنيت كل من ليبيا، والجزائر، وقد أشار أمين عام الحلف مؤخرًا إلى أن الحوار المفتوح سيستمر مع عدد من دول المتوسط، واستثنى مجددًا سورية، والجزائر، وليبيا.

     بعض زعماء الغرب يودون إظهار الأصولية الإسلامية خطرًا على مصالح دولهم، إلا أن هناك عددًا لا بأس به من الباحثين والمفكرين الغربيين أنفسهم الذين لا يرون في ذلك دليلًا كافيًا لاستمرار تماسك حلف «الناتو» ووجود أي مستقبل إيجابي له، ويرون في الاتجاه نفسه أن «الناتو» قد يضطر لتغيير اهتمامه الدفاعي والعسكري نحو المجال الاقتصادي، ومواجهة تكتلات اقتصادية صاعدة في آسيا كاليابان، والصين، وكذا النمور الأسيوية الأخرى NEWLY INDUSTRIL - ISED COUNTRIES - NICS).)

     ويبدو منظرو المسلمين أنفسهم غير مجمعين على رأي واضح في هذا المجال، إلا أن الرؤية الأكثر طرحًا لدى أدبياتهم تدور حول عدم تهديد الإسلام للدول الغربية ككيانات سياسية، وإنما للحضارة الغربية كقيم وأخلاق.

     إلا أن هناك من يري أن الخطر الشيوعي لا يزال قائمًا، ومتجسدًا في القوة العسكرية التي تتمتع بها كل من الصين الشعبية، وكذا كوريا الشمالية (۱).

     وإذا كانت الأخيرة تفتقد القوة الاقتصادية فإن الصين مؤهلة لأن تكون إحدى القوى الدولية الاقتصادية والعسكرية معًا، مع مطلع الألفية الجديدة.

(1)   يعكس إصرار حلف «الناتو» على التوسع شرقًا اتجاهًا للاقتراب من مصدر الخطر الباقي للشيوعية في جنوب شرق آسيا ممثلًا في الصين الشيوعية، وكوريا الشمالية.

الرابط المختصر :