العنوان فكر .. النساء العالمات
الكاتب د. رعد محمود البرهاوي
تاريخ النشر السبت 28-يونيو-2008
مشاهدات 63
نشر في العدد 1808
نشر في الصفحة 42
السبت 28-يونيو-2008
بين القرنين الخامس والعاشر الهجريين «٣ من ٤»
- ابن حجر كان حريصًا على مرافقة بناته إلى الدرس وزامل إحداهن في طلب العلم
- ابن تيمية كان يستعد لتلميذته فاطمة البغدادية لشجاعتها وذكائها واستيعابها للفقه ودقة أسئلتها
ما زلنا مع النساء العالمات بين القرنين الخامس والعاشر الهجريين فقد كانت الطالبة تأتي إلى مجلس الشيخ والشيخة بصحبة ولي أمرها. فهناك أمثلة كثيرة على أنها تأتي بصحبة الأب، كما حدث مع فاطمة بنت سعد الخير الأندلسية «ت ٦٠٦هـ / ١٢٠٩م» العالمة المشهورة التي كان أبوها حريصًا على إسماعها الخبر من الشيخ ثلاث مرات وعندما علا سنها أعاد لها سماعه هو مرتين.
كما يشير السخاوي إلى أن ابنة محفوظ بن مبارك المغربي التي لا يصرح باسمها قرأت عليه بحضرة أبيها موطأ الإمام مالك، وهناك رواية طريفة تشير إلى أن إحدى المحدثات الشهيرات من نيسابور، وهي فاطمة بنت علي بن عجلان البغدادي كانت تسكن مع والدها في خان «فندق» الفرس، وكان هذا الخان يملكه المحدث المشهور عبد الغافر الفارسي فسمعت منه في الخان الكتب التي يرويها ويبدو أن إحدى غرف الخان استخدمت كحجرة لإلقاء الدروس. كما كان ابن حجر حريصًا على مرافقة بناته إلى الدرس بل زامل رابعة في طلب العلم على بعض الشيوخ.
وقد يصحب الزوج زوجته في طلب العلم، حيث صحبت جوهرة بنت الحسن الدوامي «ت ٦٠٣ هـ / ١٢٠٦م» زوجها أبا النجيب السهروردي في سماع العلم. كما سمعت أنس بن عبد الكريم بصحبة زوجها ابن حجر على شيخه زين الدين العراقي وكذلك من الشرف بن الكويك.
كما كانت بركة بنت أبي بكر الصالحية تسمع بصحبة زوجها الصدر اليوسفي من العالمة عائشة بنت أبي بكر، وقد تسمع بصحبة ابنها، كما حدث لعائشة بنت علي الحرانية مع ابنها العلاء عمر بن عثمان وغيره.
حق الرواية
وإذا كانت الأمثلة السابقة تشير إلى حضور ثنائي فقط على الشيخة أو الشيخ أو ضمن حضور جماعي حيث تجلس في مكان محجوب بستارة، وتسمع الصوت وتناقش، كما كان يحدث بين شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذته فاطمة البغدادية التي بلغ من شجاعتها وذكائها واستيعابها للفقه أن الشيخ كان يستعد لها من كثرة أسئلتها ودقتها.
ويشير السخاوي في مثال آخر على السماع الجماعي رجالاً ونساء في مجلس العلم أن ابن حجر سمع مع آخرين، ومعهم عائشة بنت الصارم السنجارية على بعض المشايخ، وقد أصبحت عائشة فيما بعد إحدى شيخات ابن حجر اللاتي أخذ عنهن، ويلاحظ أن الطالبة المستمعة كان يثبت اسمها في قائمة الشيخ لكي يعرف حضورها ومثابرتها، ومن ثم هل تستحق منحها حق الرواية عنه والإجازة أم لا؟ وقد تكون القراءة ثنائية بين الشيخة والطالب، إذ يشير ابن الجوزي إلى أن الخطيب البغدادي قرأ صحيح البخاري بأجمعه على كريمة المروزية في خمسة أيام، وهو جهد كبير يدل على صبر الشيخة التي عرفت بالدقة الشديدة في متابعة القراءة وعلى مثابرة الطالب المجد. كما قرأ علي بن يعقوب البكري مسند الشافعي على شيخته ست الوزراء.
القراءة على الغير
وقد يقوم والد الطالب بالقراءة لمصلحته أمام الشيخة، كما حدث للإمام الذهبي عندما قرأ لابنه أبي هريرة مسند الدارمي على الشيخة هدية بنت عسكر. ويعود هذا على الأغلب إلى صغر سن المتلقي وعدم استطاعته القراءة بوضوح إلا أنه يعي ما يقرأ له، وهناك رواية مهمة للذهبي عن تلميذ الكريمة المروزية وهو أبو الغنائم الترسي: أن كريمة أخرجت له نسختها من صحيح البخاري، وقعد هو بحذائها وكتب سبع صفحات من النسخة، وأراد أن يقارن ما كتبه وحده، إلا أنها أصرت على أن يقرأ هو وتقارن هي للتأكد من دقة النقل والتحريك، حيث إن أي خطأ في اللفظ أو التحريك قد يذهب بالمعنى الحقيقي، وينقله إلى معنى آخر. وهذا سر من أسرار العربية، ثم بعد أن تأكدت من دقة النقل بدأ بالقراءة عليها. وقد تقرأ الشيخة على تلميذها، كما حدث بين الشيخة ست الجليل بنت أبي محمد الأصبهانية وتلميذها السمعاني عندما قرأت عليه جزء لوين الذي تخصصت به في الحديث.
التحدث بصحبة الأقارب
وقد يصاحب الشيخة أحد أقاربها أثناء إلقائها الدرس والسماع على تلاميذها، كما حدث مع أنس بنت عبد الكريم زوجة ابن حجر، فقد كانت تحدث طلابها بحضور زوجها، وبعد وفاته أخذت تدرس بمفردها، وعرف عنها حبها للتدريس واحتفائها بطلابها، ويفسر حضور ابن حجر مع زوجته على أنه دعم وتشجيع لها أكثر مما يتعلق الأمر بأي شيء آخر.
كما أن عالمة أخرى، وهي آي ملك بنت إبراهيم البعلي كانت تحدث بحضور أخيها أحيانًا، وبمفردها أحيانًا أخرى. ويبدو أن العالمات عندما يتقدمن في السن لا يحتجبن من تلاميذهن، وهذا ما دفع بعض الطلبة إلى التحرج من الأخذ عنهن، كما حدث مع هاجر المقدسية التي وصفت بأنها أسند أهل عصرها، حيث يقول عنها السخاوي: إنه أكثر من الأخذ عليها بعد أن «حسن حالها» من خلال احتجابها عن طلابها وربما يعود هذا الأمر إلى تشدد السخاوي أكثر مما هو موقف عام من زملائه الطلبة تجاه شيختهم إذ لا يعقل أن تروي حديث رسول الله وهي ليست بالحجاب الشرعي، وإنما يعود الأمر إلى عدم احتجابها وراء ستارة بحيث يسمع صوتها ولا ترى.
ومن المشكلات التي كانت تصاحب عملية تدريس الشيخة لتلاميذها ثقل السماع لدى بعضهن، وهذا يعود إلى تقدم العمر على الأرجح، وهو ما يدفع الطالب إلى رفع صوته كما حدث للسخاوي مع شيخته أسماء بنت محمد القلقشندي، ولا تتم إجازة الشيخة لتلميذها إلا بعد التأكد من كونه أهلًا لها بكافة معايير الشرع.
الرحلة في طلب العلم
إذا كان الرجال قد تميزوا منذ القرن الأول في الرحلة في طلب العلم، حيث تحدوا صعوبة المواصلات والتضاريس والمناخ وضيق ذات اليد والمشكلات السياسية والمتغيرات المستجدة على الأصعدة كافة، حتى قضى بعضهم سنوات عدة في الرحلة، مثل ما حدث مع أبي الوليد الباجي «ت ٤٧٤ هـ / ١٠٨١م» الذي استمرت رحلته في طلب العلم ثلاثة عشر عامًا وصل فيها إلى مدينة الموصل، فإن المرأة المسلمة قد حددت حركتها نتيجة تكوينها الجسدي وطبيعة إمكانياتها التي خلقها الله عليها، والضوابط الشرعية التي تحد سفرها إلا بمحرم، فضلًا عن موضوع الخلوة المحرمة.
ومع كل ذلك فقد استطاعت المرأة المسلمة، أن ترحل في طلب العلم إذا وجدت من أهلها صحبة ومساعدة، حيث يشير السمعاني، إلى أن العالمة راضية بنت سعد الله الميهني سافر بها والدها إلى العراق وأسمعها الحديث كما سمعت بمدينة إسفرايين، وساوة، وغيرها، كما يشير أيضًا إلى أن شيخته أم البهاء جمعة بنت يشار كانت ممن رحلن في طلب الحديث إلى العراق وخراسان، كما يشير المنذري إلى أن العالمة أم عبد الكريم فاطمة بنت سعد الخير المتوفاة في القاهرة. ٦٠٦هـ / ١٢٠٩ م درست بـ«أصفهان» على فاطمة الجوزدائية وغيرها، وبـ«بغداد» على هبة الله بن محمد وزاهر الشحامي وأحمد بن الحسن البناء وأجاز لها آخرون ثم رحلت تحدث في القاهرة ودمشق، ولا تشير المصادر إلى من صحبها من أهلها أهو الأب أم الأخ أم الزوج.
رحلات مكوكية
كما يشير المنذري إلى أن العالمة ست الكتبة نعمة بنت الشيخ علي الطراح البغدادي حدثت بـ«بغداد» ودمشق، والحجاز، وغير ذلك من البلاد، وحدثت فاطمة بنت شكر المقدسية «ت ۷۲۲ هـ / ١٣٢٢م. في دمشق»، و«القاهرة والمدينة»، و«القدس»، ويشير السلامي إلى أن خديجة بنت علي الحلبي حدثت في «القاهرة»، و«دمشق».
كما أن العالمة المشهورة ست الوزراء بنت عمر التنوخية حدثت بـ«دمشق» والقاهرة، وحجت مرتين وحدثت هناك أي في المدينة، ومكة المكرمة، وكذلك الحال مع كمالية بنت النجم محمد بن فهد المكية التي حدثت في المدن الفلسطينية- حررها الله من الاحتلال الصهيوني- بدءًا من القدس إلى الخليل، وغزة، والرملة، ثم حدثت في دمشق، والقاهرة.
إن السفر والتنقل بين مدن بعيدة بظروف تلك الفترة وبالنسبة لامرأة لم يكن أمرًا سهلاً، ومع ذلك تحملت مشاقه العالمة المسلمة في سبيل عقيدتها، وفي طاعة الله.