العنوان صبرًا ثم صبرًا أيها المظلومون
الكاتب محمد المجذوب
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أبريل-1986
مشاهدات 62
نشر في العدد 761
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 01-أبريل-1986
بقلم فضيلة
الشيخ: محمد المجذوب- المدينة المنورة.
بالأمس دوفاليه،
واليوم ماركوس، وغدًا سر في عالم الغيب، ولكنه على وشك الظهور في نطاق الشهادة،
وكل غد لناظره -إن شاء الله- قريب:
وإذا رأيت من
الهلال نموه أيقنت
أن سيصير بدرًا كاملًا
لا أدري أي سبب يربطني بأحداث الفلبين،
وقبلها بأحداث هاييتي، فيجعلني أشارك شعبيهما فرحتهما الكبرى بسقوط الطاغيتين،
اللذين لم يرضيا أن يتخليا عن مركزهما الاستبدادي إلا بعد أن أغرقا بلديهما
بالدماء والمآسي والإذلال والخراب الاقتصادي الشامل.
أغلب الظن أن اهتمامي بأمر هذين القطرين
يعود إلى سببين، أحدهما نِسَب الألم من هول الواقع الاجتماعي، الذي تعانيه الشعوب
المقهورة تحت كوابيس الفساد العام، والثاني وهو الأصل والأهم إنما ينبثق من تصوري
الإسلامي الذي يشحن وجود المؤمن بالنقمة من كل متسلط يتخذ من عباد الله حولًا، ومن
خيراته التي بسطها عامة خلقه، حكرًا ودولًا، يتحكمون من خلالها بمصائر المستضعفين،
فلا يسمحون لهم بالتنفس إلا وفق منافعهم، وبميزان أهوائهم.
ولا عجب في ذلك فقد رأينا خيار الأمة في عهد
النبوة، وفي ظلال الوحي المتنزل من السماء يفرحون لانتصار الروم على الفرس، ولا
صلة لهم بهؤلاء وأولئك إلا عن طريق العقيدة التي تميز الأولين، وهم على بقية من
الكتاب الذي يربطهم بالقيم السماوية، على الفرس الذين لا عاصم لهم من البغي ولا
حاكم لتصرفاتهم سوى محض الأهواء.
ولقد تشابهت عاقبة الطاغيتين في معظم
الوقائع، فالسنون التي مارسوا فيها عملية القهر والإذلال لشعوبهم امتدت حتى بلغت
عمر جيل، وعصائب النفاق التي اعتمدها كل منهما كأنما صبت في قالب واحد من القسوة
والشراسة وكراهية الحق والعدالة، فكانت الركائز التي أمدت الطاغيتين بكل وسائل
البقاء مقابل حصصها المقررة من متاع الغرور، والكنوز التي استنزفاها من دماء
المحرومين، والتي أسرف في جمعها كل ذي قربى من الطاغيتين، كانت هي الرفيق الوحيد
الذي صحب كلًا منهما يوم انقلبت به الأيام، حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت، ثم ولى
مدبرًا في حماية الشياطين، الذين أنقذوه من غضبة مظلوميه، فغادر الأرض التي صبرت
على استعلائه حتى شهدت هبوطه في ذلة المهزومين الذين طالما:
ذهبوا في مواكب
العار يحدو هم هتاف
الهوان والازدراء
وعلى الأرض من
طيوف مآسي هم بقايا
الآلام بعد الوباء
وطبيعي أن تتداعى ذكريات الطواغيت في صدور
المؤمنين، كلما واجهوا أحدهم يهوي من أعالي البروج التي شادوها على جماجم
المستضعفين، فإذا القدر يفاجئهم بما لم يحتسبوا، فتتهاوى قلاعهم، ويأتي الله
بنيانهم من القواعد فيخر عليهم السقف من فوقهم، ويأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون.
وليس سقوط الواحد من أولئك البغاة سوى نذير
مبين بمصير الآخرين من أشباهه الذين يظنون أن حصونهم مانعتهم من الله، فمن حق
المظلومين والمعذبين في كل مكان ان يستقبلوا مصرعه بالفرح والاستبشار بأن نصر الله
أصبح قريبًا، وأن فجر الإنقاذ على وشك الانبثاق من خلال الظلمات، إنهم يتساقطون
متلاحقين، وإن خيل الألم للمضطهدين أنهم باقون صامدون في معاقلهم المحمية بكل
مظاهر القوة والسلطان، ولو هم نظروا إلى أوضاعهم بنور الإيمان لأدركوا أنهم على
شفا جرف هار، وأن النهاية مرهونة بموعدها المقدور الذي يراه المغرورون بعيدًا،
ويراه المؤمنون قريبًا.
بلى، إنهم يتساقطون، وإلا فأين أبو جهل
ومسيلمة والفراعنة الأولون؟ وأين الجبابرة الآخرون أتاتورك، وسوكارنو، وماوتسي
تونغ؟ ثم أين ملك الملوك وذو الفقار، وناصر، والسادات، والنميري؟ أليس في نهاية
هؤلاء وأولئك ما يكفي لتثبيت قلوب المعذبين بأن العاقبة للصابرين إذا كانوا من
المستقيمين المتقين؟
أجل، إنهم يتساقطون، حتى وهم على عروشهم
يتغطرسون، ولو كشف الله مخبآت صدورهم لهال الناظرين إليها ما يغتلي في أعماقها من
أشباح الخوف ورواجف الرعب مما يتوقعون وما يتصورون.
نعم، إنهم يتساقطون، إنهم يتفقدون أعضاءهم،
ويتلمسون مقاعدهم، ويجهزون مراكبهم، ويهربون مدخراتهم، من التحف والكنوز ومستندات
البنوك التي أودعوها كل ما انتهبوه من أقوات المحرومين، واستلفوه من رشاوي
المتآمرين على شعوبهم، وفي يقينهم أن سوف يفقدون كل شيء فلا يبقى لهم من أنيس ولا
عزاء سوى تلك المسلوبات التي عاشوا من أجلها، ويحبون أن يموتوا في حراستها.
ولكن هيهات.. حتى هذه المدخرات ستتخلى عنهم،
عندما يحين للمظلومين أن يقفوا على أقدامهم، ليرفعوا أصواتهم بطلب استردادها
لأصحابها الشرعيين الذين جردوا منها بقوة الحديد والنار.
وها هي ذي أمثلة ذلك في مليارات الشاه التي
استلبها لتكون عونه على مواجهة المفاجآت التي ستعقب الهزيمة، فلم تلبث أن احتجزت
لمصلحة المسلوبين، ثم ها هي ذي مليارات ماركوس العشرة التي اقتطعها من أقوات شعبه
لتكون ذخره بعد سقوطه، قد أصبحت بلاء عليه؛ لأن أصحاب الحق قد شرعوا في ملاحقته
لانتزاعها من حوزته، ولو وقفت المحنة بالظالمين عند حدود مطاردتهم في نطاق الدنيا
وحدها لهونها عليهم لقاء الموت الذي هم صائرون إليه، ولكن المحنة الكبرى هي التي
ستفاجئهم بمجرد انفصالهم عن هذه الحياة الزائلة، إذ يجدون أنفسهم وجهًا لوجه أمام
ضحاياهم، الذين توهموا أنهم تخلصوا منهم بالقضاء عليهم، فإذا هم قائمون لمقاضاتهم
بين يدي الحكم العدل، الذي لا يغرب عن عمله مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض،
وقد كبست أوزارهم على ظهورهم، وشهدت عليهم أيديهم وأرجلهم وجلودهم بما أسلفوا في
حق عباده من الجرائم، يوم يود الذين ظلموا لو تسوى بهم الأرض ﴿وَيَقُولُ
الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ (سورة النبأ: 40).
فصبرًا ثم صبرًا أيها المظلومون، وليكن لكم
من هذه الأحداث السابقة واللاحقة حافز يضاعف من إيمانكم بالفرج القريب، فإن للباطل
مهما اشتط وبغى ساعة، وللحق وأهله زمان آخر لا ينتهي حتى قيام الساعة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل