العنوان في زمن الإلحاد.. المرحلة الأولى من المسألة الشرقية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-1989
مشاهدات 71
نشر في العدد 932
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 12-سبتمبر-1989
د. أنيس مصطفى
الأبيض
أستاذ مادة
التاريخ الإسلامي في معهد طرابلس الجامعي للدراسات الإسلامية
لم تكن أوروبا تخشى أحدًا خشيتها من
الدولة العثمانية الإسلامية التي وضعت أوروبا بين فكي الكماشة!
من البديهي
القول: إن قضايا البلاد العربية اعتبرت -بين الدول الأوروبية- طول القرن الماضي
وخلال العقدين الأولين من القرن الحاضر، فرعًا من فروع المسألة الشرقية التي كانت
تعني في حقيقة الأمر مسألة اقتسام الأراضي التابعة للدولة العثمانية، ذلك لأن أهم
وأعظم أقسام البلاد العربية كانت قد دخلت بصورة رسمية في حدود الخلافة العثمانية
منذ قرون عديدة، فقد تمكنت الدولة العثمانية من بسط نفوذها وسيطرتها الفعلية أو
الاسمية على جميع الأقطار العربية، فكان من الطبيعي أن تعتبر قضايا البلاد العربية
من فروع المسألة الشرقية في العلاقات الدولية.
ومن المعلوم أن
الدولة العثمانية قد دخلت منذ القرن الثامن عشر، ولا سيما خلال القرن التاسع عشر
في دور التفكك والهزال، ولم نعش بعد ذلك إلا بفضل تنازع الدول على اقتسام أقطارها
المختلفة، وهذا التنازع كان شديدًا ومعقدًا؛ فقد كانت معظم أقطار الدولة العثمانية
مطمع أنظار دول عديدة في وقت واحد، فكل دولة من الدول الكبرى كانت تطمع ببعض
الأقطار، وتسعى إلى تقوية نفوذها فيها استعدادًا لاستكمال الوسائل اللازمة
لامتلاكها، كما أنها كانت تنزع من جهة أخرى إلى الحيلولة دون توسع نفوذ منافسيها،
ليس في سائر الأماكن والأقطار أيضًا، لأنها كانت ترجح مبدئيًّا بقاء تلك الأماكن
والأقطار تحت إدارة الدولة العثمانية الضعيفة على انتقالها إلى أيدي دولة أوروبية
قوية، وهكذا كانت كل دولة من الدول الطامحة تترقب الفرص لنفسها، وتقف بالمرصاد
لغيرها، ولا حاجة للقول: إن النتيجة الطبيعية التي تؤدي إليها هذه المنافسات
الدولية كانت إبقاء «وما كان على ما كان» فترة طويلة من الزمان.
مصطلح
«المسألة الشرقية»
يعتقد أن أول
مرة ورد فيها مصطلح «المسألة الشرقية» كان في أثناء انعقاد مؤتمر «فيرونا» (VERONAL) عام 1822م
ليشمل المشكلات الدولية التي كان ينطوي عليها انحلال الخلافة العثمانية الوشيك،
لقد اتخذت هذه المسألة شديدة التعقيد أحجامًا واسعة النطاق، ومرت في أطوار متعددة
الجوانب، حتى إنه ليستحيل على المرء حصرها في إطار واحد من التعريف، إلا أن ذلك لا
يمنعنا من القول: إن المسألة الشرقية مسألة تتناول المصالح المتضاربة والتنافس
الحاد الذي وقع بين الدول الأوروبية والشرق الأدنى في مجالات السياسة والاقتصاد
والدين، ولكنها على وجه التحديد، كما كانت تعنيه في القرن التاسع عشر، مسألة
تتناول في الدرجة الأولى الخلافة الإسلامية العثمانية منذ أن ظهر الأتراك
العثمانيون في آسيا الصغرى، وفي جنوبي أوروبا، وفي منطقة الشرق الأدنى.
فقد كتب ألبرت
سورل (Sorrel) يقول: «منذ أن ظهر الأتراك في أوروبا نشأت
مسألة شرقية»، ففي الوقت الذي كانت فيه الخلافة العثمانية قوية تعمل على الفتح
ونشر لواء الإسلام في الغرب الأوروبي، أمكن لها ما بين القرن الرابع عشر وأواخر
القرن السابع عشر أن تبلغ مشارف فيينا مرتين، في سنة 1529 و1682م عندما كانت دولة
«تشيع الرعب في أوروبا» وكانت بلغة إدوارد غبول (Gibbon) «الصاعقة
العثمانية»، في أثناء تلك القرون عندما كانت الخلافة العثمانية «الرجل الأوروبي
المعافى السليم الجسم» كانت دوافع المسألة الشرقية كراهية الأتراك وبغضهم عسكريًّا
وعرقيًّا ودينيًّا، ولكن عندما أخذت الخلافة العثمانية تضعف وتتقهقر رويدًا رويدًا
أصبحت المسألة الشرقية مسألة تعني بـ«المشكلات الدولية المترتبة على انحلال
الإمبراطورية التركية وتجزؤها الوشيك».
في المرحلة
الأولى من مراحل المسألة الشرقية كان الأتراك يشكلون تهديدًا حقيقيًّا للنظام
السياسي والاجتماعي في أوروبا، أما في المرحلة الثانية من مراحل هذه المسألة فلم
يكن الأتراك يشكلون خطرًا على أوروبا، بل كانت الدول المسيحية في أوروبا تشكل
خطرًا على الأتراك ينذر بزوالهم من الوجود.
وينبغي لنا الآن
بهذه المناسبة، وفي هذا العصر العلماني الملحد، ألا ننسى وألا نقلل من شأن هذه
الحقيقة، وهي أن العامل الديني كان من أهم عوامل المسألة الشرقية، فإن الأتراك لم
يكونوا فقط غرباء عن أوروبا عرقيًّا ولغويًّا واجتماعيًّا، وبلغة م -أ- ماريوت (Marriatt) «مادة
غريبة كليًّا مغروسة في جسم أوروبا الحي» بل كانوا أولًا وآخرًا مسلمين، فقد أنشأ
الأتراك منذ ظهور الإسلام أكبر وأقوى دولة إسلامية تعرف بالإمبراطورية العثمانية،
ولذا فإن المسألة الشرقية، كما عرفها إدوارد دريو (Driault) هي «مشكلة
القضاء على قوة الإسلام السياسية والدينية».
بعد أن افتتح
الأتراك مدينة القسطنطينية سنة 1453م، وضعت خطط عديدة لتقسيم الدولة العثمانية،
وقد جمع ت. ج. جوارا (Djuwara) الدبلوماسي الروماني، لا أقل من 92 خطة من
هذه الخطط، ومن بينها خطط وضعها باباوات مشهورون مثل البابا ليون العاشر، وكليمنث
الثامن، وأخرى وضعها بلوك وأباطرة أمثال مكشيميليان الأول، ونابليون الأول،
ودبلوماسيون ورجال سياسة أمثال البروني (Alberoni) وتاليران (Talleyranal) وراهب سان بير (L abbe desa pierre) اشتركوا أيضًا في وضع مثل هذه الخطط لاقتسام تركيا.
فشل
الخطط الأوروبية زمن القوة
وما دامت الدولة
العثمانية دولة قوية وأعداؤها دولًا ضعيفة، فإن جميع الخطط الأوروبية لتقسيمها
كانت تبوء بالفشل، ولكن عندما تبدلت الحال في القرن الثامن عشر، ولم تعد الدولة
تشكل خطرًا على أوروبا، فإن الدول الأوروبية لم تعد هي أيضًا تكترث بقضية إزالتها
من الوجود، لأن الدولة العثمانية أصبحت إذ ذاك إحدى حجارة الزاوية في سياسة توازن
القوى بين الدول، وأصبح الحفاظ على كيان الدولة العثمانية ضمانًا لتوازن القوى.
يقول دي غيشن (de Guichen): لقد كان من جملة نتائج استيلاء الأتراك على جزء من أوروبا تحوير
سياسة الدول الغربية، وتعديلها تعديلًا تامًّا بحيث أصبحت السياسة منذ ذلك الحين،
لا تقوم إلا على نظام واحد: نظام توازن القوى، وهو الوظيفة التي تقوم بها المسألة
الشرقية.
حادثان
خطيران
في النصف الأول
من القرن التاسع عشر، وقع حادثان خطيران دفعًا بالدول الأوروبية العظمى لتركيز
اهتمامها على الشرق الأدنى، وحملاها على التدخل الفعال في شؤون المسألة الشرقية،
وكان أولهما حملة نابليون لكل من مصر وسورية (1789 – 1801م)، وثانيهما تعاظم قوة
محمد علي باشا العسكرية والانتصارات التي أحرزها في حروبه ضد السلطان محمود الثاني
(1830 – 1840م)، وكان من نتائج الحادث الأول تدخل بريطانيا العسكري في مصر، ومن
نتائج الحادث الثاني، أولًا: تدخل روسيا، وتدخل فرنسا، وأخيرًا تدخل بريطانيا في
شؤون الشرق الأدنى، وقد هزم كلاهما؛ نابليون، ومحمد علي، واحتفظ السلطان العثماني
بعرشه، ومن ثم غادر نابليون مصر في 22 أغسطس 1799م، رجلًا مغلوبًا على أمره وخلف وراءه جيشًا فقد الأمل بالعودة إلى فرنسا،
جيشًا يتناقص عدده يومًا بعد يوم بسبب الأمراض التي فتكت بجنوده، ثم لم تلبث أن
سقطت الإسكندرية في قبضة حملة عسكرية إنجليزية في أغسطس 1801م
وأعقب ذلك استسلام القوات الفرنسية في مصر في مطلع شهر أكتوبر، وذلك بسبب خمول
القائد الفرنسي، الجنرال منو (Menou) وتقاعسه، ومن جراء عزوف الجيش عن القتال،
فكان أن أصيبت سمعة فرنسا والمكانة التي كانت تحتلها بصدمة عنيفة، وبرزت بريطانيا
كدولة تحمي استقلال تركيا السياسي، وتصون سلامة أراضيها.
بعد
هزيمة نابليون
بعد الهزيمة
التي مني بها نابليون، وبعد عودة آل بوريون (Bourton) إلى العرش،
نشأت بين عامي 1930 – 1840م، خلافات خطيرة بين بريطانيا العظمى وفرنسا حول شؤون
الشرق الأدنى، ففي عام 1832م وكذلك في عام 1839م، جرَّت محمد علي باشا والي مصر القوي حملة عسكرية بقيادة ابنه إبراهيم
باشا، ضد السلطان محمود فهزمت العثمانيين في معركتين؛ الأولى في قونية، والثانية
في كوتاهية في آسيا الصغرى، وحدث أن مساندة فرنسا لمحمد علي باشا، وموقف بريطانيا عام
1832م الذي كان «موقف انتظار وترقب» بعث الأسى واليأس في نفس
السلطات بغية إنقاذه من ورطته.
وفي سنة 1933م وصل جيش روسي وخيم في سهل معشوشب على مقربة من قرية أونيكار- إسكلسي (Unkiar Selessi) على الشاطئ الآسيوي من البوسفور، وفي الثامن من شهر تموز من
العام ذاته أحرزت الدبلوماسية الروسية انتصارًا وذلك بتوقيع معاهدة أونيكار- أسكلسي
الشهيرة التي تنص على إغلاق الدردنيل بوجه جميع الأساطيل ما عدا الأسطول الروسي،
الأمر الذي كان بمثابة صدمة هزت أركان السياسة البريطانية في المنطقة.
وفي آخر الأمر
انتصرت سياسة الحزم على سياسة التردد «والترقب والحذر» التي كان يتبعها بالمرستون
(Palmerston)، ففي عام 1839م، عندما التحم جيش السلطان
محمود الثاني، ومحمد علي باشا مرة ثانية في معركة نزب في شمالي سورية، وانهزم
الجيش العثماني، فغرم بالمرستون على التدخل الفعال، غير أن تدخل بريطانيا كاد أن
يؤدي إلى نشوب حرب مع لويس فيليب ملك فرنسا، الذي كان يساند محمد علي ويناصره.
الشرق
الأوسط وشؤون الساعة
في سنة 1839م، كتب
السير هنري بولور (Bulwer) يقول: «إن شؤون الشرق التي كنت أعني بها
حتى هذا الحين، هي شؤون الساعة الآن، إن كل دولة أوروبية عظمى كانت ترغب في تجنب
الدخول في نزاع في الشرق، إن وراء رغبة فرنسا في الحفاظ على الوضع الراهن دافع
آخر، وهو أنها لا ترغب في أن ينشأ ما يزعج السلطان ويقلقه على البوسفور، غير أنها
في الوقت ذاته لا تود أن ترى قيام حالة من شأنها أن تحرم محمد علي من الممتلكات
التي ضمها إليه في سورية ومصر.
وفي الواقع، فإن
هناك سياسة فرنسية قديمة العهد في تقاليد وزارة الخارجية الفرنسية، وهي اعتبار مصر
جزءًا من الممتلكات الفرنسية، أو اعتبارها بلدًا يقع تحت الرعاية الفرنسية، وجاءت
حملة نابليون ترسخ هذه السياسة في ذهن الفرنسيين، وكان من الطبيعي أن تتبنى فرنسا مثل
هذه السياسة إذا كانت تعتبر نفسها عدوة بريطانيا، ولكنها سياسة يستحيل على فرنسا
أن تتبناها إذا كانت ترغب في عقد تحالف ودي مخلص مع بريطانيا؛ ذلك لأن بريطانيا
سيدة الهند لا يمكن لها أن تسمح لفرنسا أن تصبح سيدة البلدان الواقعة على الطريق
المؤدية إلى الممتلكات الهندية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
_________________
1- ساطع المصري:
كتاب يوم ميسلون.
2- زين نور
الدين زين: كتاب الصراع الدولي في الشرق الأوسط وولادة دولتي سوريا ولبنان.
3- سليمان موسى:
الحركة العربية- المرحلة الأولى من النهضة العربية الحديثة 1908 – 1924م.