; حقيقة الخسائر الأمريكية التي دفعتها للانسحاب من العراق | مجلة المجتمع

العنوان حقيقة الخسائر الأمريكية التي دفعتها للانسحاب من العراق

الكاتب إسراء البدر

تاريخ النشر الجمعة 16-مارس-2012

مشاهدات 63

نشر في العدد 1993

نشر في الصفحة 32

الجمعة 16-مارس-2012

بغداد:

في ظل تعتيم الإعلام الأمريكي على حقيقة الخسائر الأمريكية المنظورة وغير المنظورة، والتي دفعت حكومة«أوباما»، تحت الضغط الأمريكي إلى سحب القوات الأمريكية من العراق بعد تسع سنوات، تكبد فيها الأمريكيون الكثير من الخسائر، فما أعلن عنه كان لا يوازي حقيقة ما خسره الأمريكيون بهذا الاحتلال.

د. مهند العلام رئيس المؤسسة الوطنية للدراسات والبحوث(نصر)، يرى أن الخسائر المادية هذه أيا كانت أعدادها كانت الوقود لمحرك عجلة الاقتصاد العالمي وبالتأكيد يضاف إليها الدعم اللوجستي الذي توفر لعدد القوات، والذي كان سببًا أساسيًا لازدهار الشركات العاملة في هذا المجال والدول الداعمة للحرب.

ورغم غباء التخطيط لهذه الحرب والأهداف الضيقة التي كانت تهدف إليها، فإن هذه الخسائر البشرية والمادية بشكل عام لا ينظر إليها إلا لكونها ضمن التقديرات المقبولة لكل مخطط إستراتيجي شارك في صناعة هذه الحرب، خاصة إذا علمنا أن أربع أخماس القوة النارية المخطط استخدامها لم تستعمل في الأيام الأولى للحرب، ولكنها استعملت خلال سنوات الاحتلال، وبقيت تلك التكاليف ضمن المخطط لها، ولكي يكون تقييمنا واقعيًا لهذه الحرب، فإن الخسائر المادية للجيش الأمريكي على شدتها تمثل جزءًا صغيرًا من حجم قصة غزو العراق التي امتلأت بمآسي العراقيين.

تناقض الأرقام

مصادر مستقلة قدرت الخسائر الأمريكية في احتلال العراق بـ 300 ألف مُعَدة معطوبة وكلفة مالية مباشرة تقدَّر بتريليون وثمانمائة مليار دولار وغير المباشرة 3 تريليونات دولار

د. خالد المعيني، مدير مركز الاستقلال للدراسات السياسية، قال: إنه وعلى الرغم من أن صناع القرار قد حسموا خيارهم السياسي بناء على حجم الخسائر، وقرروا الانسحاب من العراق، فإن ثمة تناقضًا حادًا بين الأرقام المتواضعة التي تتمسك بإعلانها وزارة الدفاع الأمريكية، وبين الأرقام الحقيقة التي تشير لها المصادر الأمريكية المحايدة والمستقلة (تقرير«بيكر-هاملتون»، كتاب«حرب الثلاثة تريليونات دولار» لـ«جوزيف ستيجليتز» الحائز على جائزة«نوبل»، تقرير هيئة المحاسبة الأمريكية (GAO)في تموز۲۰۰۸م)، والتي أدركت جميعًا بوقت مبكر حجم هذه الخسائر الهائلة التي يمكن إجمالها كما يلي:

حيث يقدر عدد القتلى الأمريكيين في هذه الحرب بـ ٣٥ ألف جندي، ويبلغ عدد الجرحى والمعوقين ٢٢٤ ألف جندي، كما بلغ عدد المعدات المعطوبة ٣٠٠ ألف معدة في حين بلغت الكلفة المالية المباشرة تريليونًا وثمانمائة مليار دولار، والكلفة المالية غير المباشرة 3 تريليونات دولار، وقد تكون الخسائر الأمريكية المباشرة والمحسوسة هي الجزء الظاهر من جبل الجليد، أما الجزء الغاطس من الخسائر غير المنظورة فهو لا يزال غير معروف ويشكل الجزء الأخطر.

الكل خاسر

وعن حقيقة الخسائر المادية التي تكبدها الأمريكيون على الرغم من السيطرة على الثروة النفطية في العراق، يرى د. خالد المعيني أن الانتصارات في الحروب والصراعات تقاس بمدى قدرة الطرف(أ) من فرض إرادته على الطرف(ب)، وتحقيق الأهداف السياسية التي من أجلها شنت الحرب، وبعد 9 سنوات وجدنا-على ضوء الأرقام والنتائج التي ذكرناها-أن الطرف الذي كسرت إرادة القتال لديه لم يكن الشعب العراقي، وإنما الولايات المتحدة التي قررت جدولة انسحابها، فقد أدركت الإدارة الأمريكية أن كلفة الحرب التي تكبدتها لا يناسب النتائج السياسية النهائية التي توختها .

العقود النفطية التي حصلت عليها الولايات المتحدة جعلت العراقيين يتطلعون إلى المطالبة بالتحرر الاقتصادي

فعملية الاحتلال السياسية القائمة في العراق قيد التصدع والانهيار، والشعب العراقي لم ينظر للاحتلال الأمريكي على أنه تحرير، كما خسرت الولايات المتحدة الأمريكية سمعتها وهيبتها ومصداقيتها جراء انتهاكاتها لحقوق الإنسان في العراق.. أما بخصوص فوزها ببعض العقود النفطية، فمن المتوقع أن يستكمل الشعب العراقي استقلاله الاقتصادي والسياسي أسوة بالاستقلال العسكري.

في الحصيلة، فإن النصر أو الهزيمة تقاس بقيمة النتائج السياسية التي تفيد كافة المؤشرات أنها لم تأت كما خطط الأمريكيون.

ويرى د. مهند العلام أن نتائج جميع الحروب التي حدثت في العصر الحديث والحرب الأمريكية في العراق من بينها-لا يوجد فيها منتصر ومنهزم بمعنى الكلمة، ففي العراق كل طرف يزعم بالانتصار، رغم الخسائر التي لحقت به، مع العلم أن أهداف الحروب على الدوام تتغير بتغير ظروف الحرب، ولكن الأمريكيين كانوا لمرة واحدة شجعانًا ولم يعلنوا انتصارهم في هذه الحرب عند انسحابهم، وتركوا هذا الأمر للمؤرخين.

رؤية ضيقة

يتابع د. مهند قائلًا: للمقارنة بين الخسائر والمصالح الأمريكية، يذكر لنا تاريخنا السياسي الحديث أن الولايات المتحدة تناصفت مصالحها النفطية في العراق، ولم تخسر جنديًا واحدًا مع حصة بريطانيا عند احتلالها العراق ۱۹۱۸م حين خسرت بريطانيا حينها أربعين ألف جندي والملايين من الباوندات الذهبية، وهذه السياسة أعيدت مرة أخرى، ولكن هذه المرة بين الإيرانيين والأمريكيين الذين لم يتعلموا الدرس جيدًا؛ وبالتالي ضاع العرب. 

ويؤكد د. العلام أن الانسحاب الأمريكي من العراق لم يكن بسبب الخسائر التي تكبدتها أمريكا بشكل مباشر، وإنما يتعلق بشكل أساسي بجدوى استمرار الحرب، فشلهم في تشكيل دولة العراق الجديدة، وتوافقها مع الأهداف الإستراتيجية البعيدة المتعلقة بمصالح الولايات المتحدة، والتي منها استمرار الصراعات، وعدم الاستقرار في العراق لمدة عشرين عامًا قادمة. 

كذلك أن القوة المسلحة بحد ذاتها تعد آخر الأدوات المستعملة لتنفيذ الإستراتيجيات؛ بسبب كلفتها العالية، وعند توافر الأدوات الأخرى غير المسلحة للتغيير فإنها ستنفذ تلك الإستراتيجيات كما رأينا في«الربيع العربي»؛ وبالتالي فالوجود المسلح في العراق انعدمت الجدوى منه في إحداث التغيير في العراق؛ وبالتالي يمكن تنفيذ الانسحاب.

فيما يرى د. المعيني أن الإدارة الأمريكية دأبت منذ حرب فيتنام في القرن الماضي على اعتماد سياسة إعماء الرأي العام الأمريكي عن حجم الخسائر المادية والبشرية التي تتكبدها القوات الأمريكية في حروبها، لذا تلجأ هذه الإدارة إلى تقليص هذه الخسائر بقصد الاحتفاظ بمعنويات جنودها، وكذلك لعدم التأثير على الرأي العام(دافعي الضرائب) الذين يتحملون في الحقيقة تمويل الحرب وتغطية كلفتها الباهضة، وأعتقد أن الشعب الأمريكي قد أيقن حجم الخسائر الكبيرة التي تكبدها جراء حرب العراق، والدليل على ذلك انتخابه وتصويته للرئيس الديمقراطي«باراك أوباما» الذي جعل من سحب الجنود الأمريكيين من العراق شعارًا لحملته الانتخابية، وكان هذا الشعار سر فوزه.

الرابط المختصر :