; آخر الإحصاءات وأول الحلول الاكتئاب والانتحار.. مشكلة عالمية كبرى | مجلة المجتمع

العنوان آخر الإحصاءات وأول الحلول الاكتئاب والانتحار.. مشكلة عالمية كبرى

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر السبت 17-نوفمبر-2012

مشاهدات 54

نشر في العدد 2027

نشر في الصفحة 22

السبت 17-نوفمبر-2012

  • 80 من المرضى النفسيين يعيشون في الدول النامية.
  • نصف سكان المعمورة يعيشون في بلدان يكون فيها طبيب نفسي واحد لخدمة ٢٠٠ ألف مريض أو أكثر.
  • أول مستشفى للمرضى النفسيين في التاريخ كان بدمشق في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان عام ٧٠٧م.
  • حالات الاكتئاب مرشحة للزيادة في المجتمعات العربية بسبب البطالة وعدم القدرة على تحقيق الذات.
  • صحف عالمية كـ «الجاردين» و «واشنطن بوست» أكدت انتشار الإسلام في هاييتي بعد كارثة الزلزال عام ٢٠١٠م.

  بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية، كشفت منظمة الصحة العالمية أن عدد المرضى النفسيين في العالم في تزايد، وأن أكثر من ٣٥٠ مليون شخص عبر العالم يعانون من مرض الاكتئاب، وأن هذا المرض يصيب نسبة 5% من سكان المعمورة سنويًا، وترتفع نسبة الإصابة بشكل ملحوظ بين النساء، وأشارت الدراسة إلى أنه من شأن الحالات الأسوأ من الإصابة بهذا المرض أن تؤدي إلى الانتحار، ففي العام الماضي سُجلت عبر العالم حوالي مليون حالة انتحار كان معظمها نتيجة المعاناة من مرض الاكتئاب.

 في هذا المقال، نستعرض آخر الإحصاءات، ونناقش الحلول، وندرك أن الإسلام كنظام شامل للحياة يحل مشكلات العالم المعقدة، وكدين يخلق الرضا والطمأنينة وسكينة الروح، هو أول الحلول وأنجعها.. والماضي «في دمشق وبغداد والقاهرة»، والحاضر في «هاييتي وفي كل مكان وجد الداخلون في الإسلام الراحة النفسية» يشهدان على ذلك.

 ضياع الإيمان

ماذا يحدث في العالم؟ لماذا يفقد الناس الأمل؟ لماذا لا تتحمل الروح منغصات الحياة ولا تقوى بالصبر والإيمان؟ أم هي أصلًا تفقد هذا الإيمان؟ إن الإنسان المسكين الذي أقدم على الانتحار لم يهتد بالهداية الربانية المتمثلة في قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (النحل:127)، أو قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ  أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة:155-157).

ومما يُؤسف له أن مليون شخص سنويًا ينتحرون «أي ما يقارب 3 آلاف حالة يوميًا بمعدل حالة كل نصف دقيقة»، وفي مقابل كل حالة تنتحر يوجد ٢٠ حاولوا قتل أنفسهم «أي ٦٠ ألف محاولة يوميًا»، ونرى في الجدول المرفق آخر إحصاءات أعلى الدول في معدلات الانتحار للعام الماضي طبقاً لمنظمة الصحة العالمية (۱)، ولم تصبح الدول الغنية هي التي ينتشر فيها الانتحار، بل أصبح الرابط في الجدول هو ضياع الإيمان الحقيقي الذي يحقق الأمان النفسي سواء كان ذلك في دول روسيا الفقيرة لتوانيا وبيلاروسيا ولاتفيا، أو كوريا واليابان وسويسرا الغنية.

الاكتئاب عبارة عن اضطراب نفسي يمنع الفرد من أداء وظيفته كما ينبغي، يقول د. شيخار ساكسينا، مدير إدارة الصحة النفسية ومعاقرة مواد الإدمان في المنظمة: إنه بالرغم من أن الاكتئاب كظاهرة مرضية عمرها من عمر البشرية، فإن ما يقارب نصف المصابين لا يتلقون الرعاية الصحية اللازمة بسبب تسترهم على معاناتهم خوفًا من الإحراج الذي قد يتعرضون له.

ويختلف الاكتئاب عن تقلبات المزاج العادية، فهو يؤدي إلى الشعور بحزن دائم لمدة أسبوعين أو يزيد، ويعطل قدرة أداء الفرد في محل العمل أو المدرسة أو المنزل.. ومن العلاجات العلاج النفسي والاجتماعي وتعاطي الأدوية، ولا غنى عن المشاركة النشطة للمصابين بالاكتئاب والقريبين منهم في العلاج، فالخطوة الأولى على طريق علاجه هي الاعتراف بالإصابة به والحصول على الدعم اللازم لعلاجه، وكلما كان العلاج مبكرًا زادت فرص نجاحه، والاكتئاب حصيلة تفاعل معقد بين عوامل اجتماعية ونفسية وأخرى بيولوجية، وثمة علاقة تربطه بالصحة البدنية، فأمراض القلب والأوعية الدموية يمكن أن تؤدي مثلًا إلى الإصابة به والعكس بالعكس، وهناك امرأة واحدة من بين خمس نساء تصاب بالاكتئاب عقب الولادة.

وإضافة إلى ذلك، فإن ظروفًا من قبيل الضغوط الاقتصادية، والبطالة، والكوارث، والصراع والحروب يمكن أيضًا أن تزيد من خطورة الإصابة بهذا الاضطراب.. والاكتئاب هو من أكبر العوامل التي تسهم إسهامًا كبيرًا في العبء العالمي للمرض.

 المنسيون

إن 80% من المرضى النفسيين يعيشون في الدول النامية، حيث لا يتلقون أي نوع من أنواع العلاج، وحوالي نصف سكان المعمورة يعيشون في بلدان يكون فيها طبيب نفسي واحد لخدمة ما معدله ۲۰۰ ألف مريض أو أكثر، وحسب منظمة الصحة العالمية، فإن هناك متخصصًا واحدًا في مجال الصحة العقلية لخدمة أكثر من مليون شخص في العديد من الدول ذات الدخل المنخفض وأشارت الدراسة إلى أنه في أفغانستان- مثلًا - فقدت معظم الأسر أحد أفرادها أو أكثر خلال الحروب التي شهدتها البلاد خلال الأعوام الثلاثين الماضية، وفي نيجيريا تجد أن ربع المرضى الذين يتم فحصهم في المراكز الصحية المحلية يظهر عليهم قدر كبير من أعراض الاكتئاب، ومع ذلك يتم تشخيص عدد قليل من الحالات، وواحد فقط من أصل كل ستة أشخاص يتم تشخيص حالاتهم يحصل على العلاج من أي نوع كان، وفي بعض المناطق الأخرى في إفريقيا مثل العاصمة الغانية أكرا، يترك المرضى في بعض مؤسسات الصحة العقلية عرضة للجوع والعري، وفي إثيوبيا يعد العنف المنزلي المسبب الرئيس لحالات الإجهاد العقلي والشدة النفسية التي يعاني منها حوالي ثلثي العائلات في المناطق الريفية (٢).

ولا يتوقف الاكتئاب على الدول النامية، فقد ارتفع عدد الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب في إنجلترا بنحو نصف مليون شخص في ثلاث سنوات ليقترب من خمسة ملايين مكتئب.. وقالت «إيمير أونيل» المديرة التنفيذية لمؤسسة «ديبرشن ألاينس»: «نحن لا نزال عند قمة جبل الجليد لما يمكن أن يتكشف وراء هذا الرقم»، وأضافت أن المزيد من الأشخاص يتأثرون بفقد وظائفهم، وانتهاء علاقاتهم بالأشخاص المقربين منهم، في ظل الوضع الاقتصادي الراهن (۳).

 انتهاكات

يتعرض المصابون باضطرابات نفسية، في جميع أنحاء العالم، لطائفة واسعة من انتهاكات حقوق الإنسان، ويعني ما يواجهونه من وصم أنهم كثيرا ما يتعرضون للنبذ من المجتمع، ولا يتلقون ما يحتاجون إليه من رعاية، وفي بعض المجتمعات المحلية يبعد المصابون باضطرابات نفسية إلى حواف المدن حيث يتركون شبه عرايًا أو في ملابس بالية ويشد وثاقهم ويضربون ويتركون جوعى، وتكون حال المرضى في كثير من المصحات النفسية أفضل قليلًا، ويكبلون بأصفاد معدنية، ويحبسون في أسرة مثل الأقفاص، ويحرمون من الملبس أو الفراش اللائق أو المياه النقية أو المراحيض النظيفة، ويتعرضون لإساءة المعاملة والإهمال، ويواجه المصابون بالاضطرابات النفسية أيضًا التمييز بصورة يومية، بما في ذلك التمييز في مجالات التعليم والتوظيف والإسكان وتحظر عليهم بعض البلدان التصويت والزواج وإنجاب الأطفال.

 بين الخلافة وهاييتي

بعد الدمار الذي أصاب هاييتي بسبب زلزال ۲۰۱۰م، الذي قتل أكثر من ٣٠٠ ألف شخص، وخلف أكثر من ٣٠٠ ألف مصاب و ١,٦ مليون مشرد تهدمت منازلهم، فقد تأثر تقريبًا كل شخص كان يعيش في البلاد، وقضى ٦ آلاف شخص آخرين بعد تفشي وباء الكوليرا في الجزيرة في وقت لاحق من العام ذاته، ولكن بات الإسلام ينتشر في هايتي وتحديدًا في العاصمة بورت أو برنس التي ضربها الزلزال المدمر، فقد وجد عدد من الهايتيين في الدين الإسلامي ملجأ لهم وعزاء بعد فقدانهم أعزائهم، رغم أن حكومة هاييتي لا تعترف رسميًا بالإسلام، ولا تعترف بالزواج الإسلامي، وتنتشر في الجزيرة الديانة المسيحية وعقيدة «الفودو»؛ وهي مزيج من ديانات غرب أفريقيا.

 ونشرت (BBC) والجرائد العالمية مثل «الجاردين» و«واشنطن بوست» هذه الأخبار، قال «روبرت دوبوي»، وهو إمام وزعيم روحي إسلامي في العاصمة: إنه «بعد وقوع الزلزال كان لدينا الكثير من الناس المكروبين، ولقد كنا منظمين، ولدينا مساحـة فـي المسـاجـد لاستقبال الناس ولإطعامهم»، وتقول المعلمة «دارلين» التي تربي ابنتيها بعد موت زوجها في الزلزال: إنها انجذبت للإسلام من تعاليمه التي تهدف للانضباط الذاتي والتركيز على التعليم والاهتمام بالنظافة، وإن الوضوء المستمر ساعدها والمسلمين الآخرين على تجنب الكوليرا وقالت: «إنه لفوز أن حصلت على السلام والأمان، ووجدت الهداية»، وقال «بيلي» الذي تحول من المسيحية قبل ٢٠ عامًا: إن «الإسلام يعود إلى هاييتي للبقاء، فأجيال المستقبل أبنائي وبناتي، سوف يتحدثون عن الإسلام».

وتقول «روزداني بازيل» «۳۹ عامًا»، وهي مدرسة: اعتنقت الإسلام بعد عدة أشهر من وقوع الزلزال إنها كانت تشعر أنها بلا هدف قبل اعتناق الدين، وكانت تبحث عن وسيلة للمضي قدمًا، مؤكدة أنه «يمكن للإسلام أن يضع الناس على الطريق الصحيح، ويبين لهم من هو الله سبحانه».

 تاريخنا

لقد أنشئت للمرة الأولى في التاريخ مستشفيات للمرضى النفسيين، كان الأول بدمشق في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان عام ٧٠٧م، ثم في بغداد عام ٨٠٠م «الموريستان»، ثم في القاهرة «مستشفى الناصر قلاوون»، وتستمر المسيرة العلمية الأخلاقية الرحيمة بالضعيف والمريض لتنتشر المستشفيات لتغطي أرض أعظم إمبراطورية عرفها التاريخ في الأندلس، لتنتقل إلى أوروبا بعد ذلك (٤).

أما نظام الدخول إلى المستشفيات، فقد كان مجانًا للجميع لا فرق بين غني وفقير، وبعيد وقريب ونابه وخامل، يُفحص المرضى أولًا بالقاعة الخارجية، فمن كان به مرض خفيف يكتب له العلاج، ويصرف من صيدلية المستشفى، ومن كانت حالته المرضية تستوجب دخوله المستشفى كان يقيد اسمه، ويدخل إلى الحمام، وتخلع عنه ثيابه فتوضع في مخزن خاص، ثم يعطى له سرير مفروش بأثاث جيد، ثم يعطى الدواء الذي يعينه الطبيب، والغذاء الموافق لصحته، بالمقدار المفروض له، فإذا أصبح في دور النقاهة أُدخل القاعة المخصصة للناقهين، حتى إذا تم شفاؤه أعطي بدلة من الثياب الجديدة، ومبلغًا من المال يكفيه إلى أن يصبح قادرًا على العمل، وكانت غرف المستشفى نظيفة تجري فيها المياه وقاعاته مفروشة بأحسن الأثاث، ولكل مستشفى مفتشون على النظافة، ومراقبون للقيود المالية، وكثيرًا ما كان الخليفة أو الأمير يتفقد بنفسه المرضى، ويُشرف على حسن معاملتهم. 

وكتب المؤرخون أن المريض الواحد في البيمارستان المنصوري «قلاوون» في عصور ازدهاره كان يتكلف دينارًا في اليوم، وله في خدمته شخصان كما أن المرضى المصابين بالأرق كانوا ينقلون إلى قاعات منفصلة؛ حيث يتولى رواة متمرنون تسليتهم بالحكايات، وفور أن يسترد المريض صحته يتم عزله عن بقية المرضى، ويمنح عند مغادرته للبيمارستان خمس قطع ذهبية وكانت بالمستشفى قاعة للأمراض العقلية ملحق بها حجرات لعزل الحالات الخطرة.

 المجتمعات العربية

ولعل حالات الاكتئاب مرشحة للزيادة في المجتمعات العربية بسبب البطالة وعدم القدرة على تحقيق الذات، بسبب قصر ذات اليد، إضافة إلى ارتفاع نسبة الطلاق والانفصال والمشكلات والخلافات الأسرية، ويقول اختصاصيو الطب النفسي: إن هذه المجتمعات أكثر عرضة للاكتئاب بسبب إصابتها بنوع من الرهاب الاجتماعي؛ بسبب التربية والتنشئة غير السليمة، وعدم المشاركة في قرار أو حوار، إضافة إلى أن الحالة الاقتصادية والاجتماعية تشكل مصدر توتر وقلق من المستقبل.

وأقول: لعل ثورات الربيع العربية الإسلامية ستقلب ذلك رأسًا على عقب، وتعيد للإنسان کرامته وتأهل له أسباب الحياة الكريمة والعودة إلى الله، فالإسلام - كما في كتاب «لا تحزن» للشيخ القرني - يناديك من مكان قريب من أقطار نفسك، ومن أطراف روحك أن تطمئن لحسن مصيرك، وتثق بمعطياتك، وتستثمر مواهبك، وتنسى منغصات العيش وغصص العمر وأتعاب المسيرة.. ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ (الأنعام: ٦٤).

الترتيب

الدولة

نسبة المنتحرين لكل مائة ألف من السكان

1

ليتوانيا

71.7

2

الاتحاد الروسي

63.4

3

كوريا الجنوبية

62.0

4

سريلانكا

61.4

5

بيلاروسيا

57.5

6

غيانا «أمريكة الجنوبية»

52.4

7

كازاخستان

52.4

8

المجر

50.6

9

اليابان

49.4

10

لاتفيا

48.2

11

أوكرانيا

44.8

12

سلوفينيا

44.0

13

بلجيكا

39.1

14

فنلندا

39.0

15

صربيا

38.1

16

إستونيا

37.9

17

كرواتيا

36.4

18

سويسرا

36.2

19

مولدوفا

35.7

20

فرنسا

33.2

 

 

الهوامش

(1) by 100.000 Suicide rates per «country. year and sex «Table Most recent year available as of 2011 

http://www.who.int/ mental_health/prevention/ suicide_rates/en/index.html

(2)  DEPRESSION- A Global Public Health Concern- October 2012

http://www.who.int/ mental_health/management/ depression/who_paper_ pdf. 2012_depression_wfmh

٥.٣ ملايين مكتئب في بريطانيا

http://www.bbc.co.uk/arabic/_121017/10/2012/ scienceandtech uk_depression_increase.shtml

(۳) انتشار الدين الإسلامي في هاييتي بعد زلزال عام ٢٠١٠م

http://www.bbc.co.uk/arabic/_121011/10/2012/ multimedia haiti_ islam.shtml

(٤) كتاب حقوق المريض النفسي، د. حمدي مصيلحي، شركة الأمل للطباعة والنشر، القاهرة ٢٠٠٥م.

الرابط المختصر :