; المجاهدون الغرباء.. هل يباعون للصهاينة؟ | مجلة المجتمع

العنوان المجاهدون الغرباء.. هل يباعون للصهاينة؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-أبريل-1998

مشاهدات 89

نشر في العدد 1296

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 21-أبريل-1998

أعرف أن المناضلين في الأمم التي لا تدين بالإسلام تصنع لهم التماثيل لتخليدهم، وتوضع لهم النصب لرفعة شأنهم، وتسطر لهم الصحائف وتؤلف فيهم الكتب لينيروا التاريخ ويضيئوا الزمن وتنسج حولهم القصص، وتؤلف فيهم الأسفار ليكونوا حداة للأجيال، ومثلاً للفتية، ورمزًا للكفاح والبطولة والتضحية، وعنوانًا على الأصالة والقوةوالعزيمة والاستعداد للمجد التليد.

وأعرف كذلك أن المجاهدين في الأمة الإسلامية، يوضعون في منزلة لا تدانيها منزلة في الدنيا والآخرة، ولم يلحق بهم في مثوبتهم إلا من عمل بمثل عملهم واقتدى بهم في جهادهم، وقد منحهم الإسلام من الامتيازات الروحية والعملية في الدنيا والآخرة ما لم يمنح سواهم وجعل دماءهم الطاهرة الزكية عربون النصر في الدنيا، وعنوان الفوز والفلاح في العقبى، وتوعد المخلفين القاعدين بافظع العقوبات ورماهم بابشع النعوت والصفات ووبخهم على الجبن والقعود ونعى عليهم الضعف والتخلف، واعد لهم في الدنيا خزيًا لا يرفعه إلا إن جاهدوا وصدقوا، وفي الآخرة عذابًا لا يفلتون منه ولو كان لهم مثل أحد ذهبًا واعتبر القعود والفرار جريمة من أعظم الجرائم، وكبيرة من أكبر الكبائر وإحدى السبع الموبقات المهلكات.

ولست أرى نظامًا قديمًا، أو حديثًا دينيًا، أو مدنيًا عني بشأن الجهاد واستنفار الأمة للدفاع عن الحق، وحشدها كلها صفًا واحدًا للكفاح بكل قواها عن الأمة، كما تجد ذلك في دين الإسلام وتعاليمه، قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: «لا أعلم شيئاً من العمل بعد الفرائض، أفضل من الجهاد» وقال ابن حزم في المحلى والجهاد فرض على المسلمين، فإذا قام به من يدفع العدو ويغزوهم في عقر دارهم ويحمي ثغور المسلمين سقط فرضه عن الباقين، وإلا فلاء، قال تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (التوبة:٤١) والأمة المسلمة في أي عصر من عصورهم قبل هذا العصر المظلم الذي ماتت فيه نخوتهم، لم يتركوا الجهاد، ولم يفرطوا فيه حتى علماؤهم والمتصوفة منهم والعمال وغيرهم، فقد كان عبد الله بن المباركالفقيه الزاهد، متطوعًا في أكثر أوقاته في الجهاد وكان عبد الواحد بن زيد الصوفي الزاهد كذلك.

وكان شفيق البلخي شيخ الصوفية في وقته يحمل تلامذته على الجهاد، وكان البدر العيني شارح البخاري الفقيه المحدث يغزو سنة ويدرس العلم سنة، ويحج سنة، وكان القاضي أسد بن الفرات المالكي أميراً للبحر في وقته، وكان الإمام الشافعي يرمي عشرة سهام ولا يخطئ، كذلك كان سلف الأمة رضوان الله عليهم، يبغون رضاء الله والجنة ولا يبتغون عرضًا من الحياة الدنيا، عازفين عن المطامع والأهواء منصرفين إلى غاياتهم العليا وأهدافهم النبيلة.

ولهذا كان المجاهد المسلم في امته هو القمة والعزيمة والمجد، كان الصدق والتضحية والفداء وقمة العطاء، في أمة تعرف فضل الرجال وقيمة العزائم، وقدر التضحيات، أما وقد اختلف الحال وتبدلت الأجواء في أيام نحسات وليال حوالك، فإن الجهاد أصبح سبة، والكفاح أصبح رئيلة، والخنوع والعمالة اضحت سمة للمنحوسين في الشعوب الهابطة ولكن الغريب واللافت للنظر أن يسري هذا البلاء ويعم هذا الداء في الأمة المسلمة التي فرض عليها جهاد العدو وكفاح المستعمر، وقد يكون كارثة بكل المقاييس ان يبتلى به شعب مسلم اخذت أرضه وانتهك عرضه وسفك دمه.

ولقد كانت فاجعة حقًا للأمة المسلمة أن يقتل مجاهد فذ، وعلم فرد وهو «محيي الدين الشريف» ويتهم فيه قيادات من داخل سلطة الحكم الذاتي إن وجود امثال محيي الدين الشريف في الشعب الفلسطيني يمثل ثروة جهادية وقيمة قومية لا تدانى، تحتاجها الأمة في فلسطين والعدو جائم على صدرها، ومتغطرس على أرضها، وسالب لحقوقها ومقدراتها، وقتله في هذا الوقت بالذات خسارة لا تعوض، ومصيبة لا ينجبر كسرها، أو ينقطع عويلها، ولا يستفيد من ذلك إلا إسرائيل التي رصدت كل أجهزتها وجندت كل مخابراتها للعثور على الشريف بأي ثمن أو بأي جهد، حتى أهدت السلطة رأسه إلى إسرائيل، وبدون ثمن إلا العار والخسة والخيانة التي تتبدى كل يوم للعيان في أعمال وأفعال الكثيرين، الذين ينسبون إلىالسلطة والذين انخرطوا فيها وأصبحوا في الصدارة، وقد كانت أيديهم وأرجلهم ونفوسهم ملوثة بالعمالات، وإلا فقل لي بربك أين ذهب حوالي 9 آلاف جاسوس إسرائيلي كانوا في قطاع غزة وحده قبل أن تأتي سلطة الحكم الذاتي واشترطت إسرائيل دمجهم في السلطة الفلسطينيةوقد كان، وأظنهم اليوم أصبحوا متنفذين في السلطة وأعينًا مسلطة على الناس ووراها أخطر عصابة عالمية وهم اليهود يتجسسون لحسابهم ويعملون بإمرتهم.

ولقد اتهمت حماس صراحة السلطة الفلسطينية بقتل الشريف، وأشارت في بيان لها باتهام رئيس جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني جبريل الرجوب بتعذيب وقتل محيي الدين الشريف بالتعاون مع المخابرات الإسرائيلية، وقالت إن السلطة حصلت على توكيل صريح من إسرائيل المواصلة سياسة القمع والتصفية، وهناك شيء خطير اخر يقع على الساحة، وهو انقسام الشعب الفلسطيني وظهور بوادر تحارب وفتنة إذا استمرت توشك أن تعصف بكل شيء، ويظهر أن السلطة تسعى إلى ذلك، وهذه من الكوارث الكبرى وقد لا تحتاج إسرائيل إلى شيء بعد هذا لتدمير كفاح هذا الشعب وأماله، ولكن كيف يفعل المجاهدون في مثل هذا الجو الموبوء.

نقول: كما قال الشيخ البنا فيمن سبقوهم في الكفاح على أرض فلسطين لهم الله هؤلاء الأبرار لهم الله في إيمانهم وجهادهم، لهم الله فيما هم فيه، وفيما ينتظرهم، إن معركتهم الكبرى لا تزال أمامهم، مع الفجرة من حكامهم الذين يخشونهم أشد من خشيتهم لليهود، ومع تلامذة المستعمرين جميعًا، إن هذا الدم العزيز المسفوح لن نجني له ثمرة مادامت هذه الأوضاع الفاسدة على الساحة ومادام الإسلام غريبًا في ديار المسلمين، إنهم يبذلون دمهم في سبيل الله في معركة زمامها بأيدي قوم لا يبالون بالإسلام ولا بدياره، ولا يبالون أن يتخذوا إلى الله سبيلًا، إنهم غرباء... غريبًا...... وأحسب أن غربتهم ستطول ..... إننا نحتسب هذا الدم العزيز المسفوح إعذارًا إلى الله وتذكيرًا لهذه الأمة إن كانت تنفع الذكرى.

الرابط المختصر :