العنوان الضياع الثاني للسودان
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر الجمعة 11-يونيو-2004
مشاهدات 64
نشر في العدد 1604
نشر في الصفحة 21
الجمعة 11-يونيو-2004
أقيمت الاحتفالات والأفراح في الأسبوع الأخير من مايو، على أرض العاصمة السودانية، الخرطوم، ابتهاجًا بتوقيع اتفاقياته حول المشكلات الأساسية بين حكومة الخرطوم «الجيش الشعبي لتحرير السودان» التي يقودها، «جون جارانج» تمهيدًا لتوقيع الاتفاق النهائي الذي يؤدي إلى بدء مرحلة انتقالية يتم فيها تقرير مصير جنوب السودان عبر الانتخابات بالانفصال أو البقاء في ظل نظام فيدرالي مع الشمال.
الاتفاقات التي تم الاحتفال بها تخص تقاسم السلطة «والثروة البترول» خاصة بين الطرفين في منطقة الجنوب التي تشمل نصف السودان تقريبًا. في الوقت نفسه. تشتعل حرب الانفصال في الجزء الغربي من السودان المسمى بدارفور، وتنشغل أجهزة الدعاية الاستعمارية والأمم المتحدة بما يسمى التطهير العرقي في هذه المنطقة، وتوجه الاتهام إلى الحكومة السودانية والمليشيا العربية المسماة «الجنجويد» التي تتهم بالقتل وتصفية المنطقة من العناصر ذات الأصل الإفريقي.
على الجبهة الشرقية يربض «أسياس أفورقي» رئيس إريتريا، ولديه مليشيات ومنظمات وأحزاب سودانية بدعمها ويسلحها، ويتربص بحكومة الخرطوم، ليشعل جبهته ويقوم بدوره المرسوم، بعد أن سيطر على اريتريا بالحديد والنار والاستبداد، واضطهاد الأغلبية الإسلامية لحين إشعار آخر.
في الشمال السوداني، حيث حكومة الخرطوم المركزية يدور صراع سياسي عنيف بين العسكر والسياسيين، ولا يكاد يمر أسبوع دون أن تخرج أخبار
عن اعتقالات أو محاكمات أو إغلاق صحف الخصوم الحكومة السياسيين. كان السودان جزءًا من مملكة مصر والسودان على عهد الملك السابق فاروق الأول، وجاء العسكر المصريون بعد انقلاب يوليو ١٩٥٣، ليضيعوا السودان للمرة الأولى، ويتركوه للمؤامرات والمغامرات والانقلابات حتى انتهى به المطاف إلى وضعه الحالي الذي يمثل الضياع الثاني.
حين فرط الانقلابيون الثوريون المصريون في السودان،كانت فرصة القوى الاستعمارية كبيرة في جنوب السودان، حيث وجدت فراغًا هائلًا ملأته بالمنصرين من الكنائس البروتستانتية والكاثوليكية، وتكونت «نخبة سوداء، موالية للغرب الاستعماري، متعصبة ضد الإسلام والعرب والحكومة المركزية، وبدأت هذه النخبة صراعًا عسكريًا دعمته بريطانيا وأمريكا ودول استعمارية أخرى، ومنذ عام ١٩٥٥م استطاعت هذه النخبة أن تحقق نجاحات عديدة على الأرض وتكسب أنصارًا.وقامت حركة «أنانيا 1»ثم «أنانيا 2»،بدور مهم في صناعة واقع جديد على أرض الجنوب حتى جاء حكم «جعفر نميري» وتم توقيع اتفاق في أديس أبابا يقضي بحكم ذاتي للجنوب،على وقع أجراس الكنائس ومباركة العواصم الاستعمارية.
وحين جاء حكم العسكر الإنقاذيين، بدأ «جارائج، الدور الثاني في اللعبة الاستعمارية وأقام معهم تحالفًا، حول القضية من مشكلة جنوب إلى مشكلة وطن بأكمله، واستوعب أحزابًا وقوى طفت على الواجهة، وجعلته وطنيًا يبحث عن العدالة في وجه حكومة ظالمة، وكان الشيوعيون السودانيون في الطليعة، فنطقوا باسمه وروجوا لمطالبه، وفي النهاية استطاع «جارانج»
أن يتخلص من معظم الأحزاب إلا الشيوعيين الذين ركزوا على ما يسمى «بتطبيق الشريعة» بوصفه جريمة حكومية في بلد متعدد الأديان والأعراق.
وبعد ظهور البترول في السودان، وخاصة في الجنوب لجأت الحكومة المركزية إلى الشرق لاستخراجه والتنقيب عنه، ولكن أمريكا وبريطانيا انزعجتا وخافتا على الثروة البترولية أن تذهب إلى غيرهما، فكانت ضغوط، وكان حصار للحكومة. وكان دعم وتأييد الجارائج وأتباعه من الشيوعيين ثم طرحت الحلول الاستعمارية لفصل الجنوب في صيغة سلام.
ستبدأ مرحلة أخرى بفصل دارفور، ثم غرب السودان. لا قدر الله. لتبقى ولاية سودانية شمالية، وتحصد مصر خرط القتاد. وتعيش تحت رحمة «جارانج» وحلفائه. ويتحول النيل إلى قطرات دم. لا يعرف أحد أين تصب أو أين تتوقف.
الذين أسهموا في توقيع الاتفاقيات أمريكا وبريطانيا والإيجاد غابت مصر والجامعة العربية، وعلى الجانب الآخر، بدأ اللعب في مياه النيل من جانب أوغندا وتنزانيا وإثيوبيا وقريبًا ينضم إليهم «جارائج» وحلفاؤه وهم يملكون أن يجعلوا مصر تموت عطشًا وقهرًا. ولأنهم لا يتحركون وحدهم. ولكن الذي يحركهم هو العدو الاستعماري الصليبي التاريخي بقيادة أمريكا وبريطانيا.. وفي المقابل فإن مصر والعرب لا يتحركون ولا يعملون ولا يخططون إلا بالكلام والتصريحات، والأعداء التاريخيون يعلمون ذلك جيدًا، ويؤسسون منهجهم على ذلك.
الضياع الثاني للسودان، يؤكد الضياع الأول، ويؤسس لضياع ثالث ورابع، فيما حول السودان، وفي دول عربية أخرى، وطالما كان صاحب الشأن «نائمًا في العسل»، لا يعمل ولا يخطط ولا يتحرك. فكل الاحتمالات مفتوحة وواردة.
والسؤال:لماذا النوم في العسل وترك العمل والتخطيط والحركة؟
الإجابة سهلة للغاية، وتتلخص في أن بعض الأشاوس والنشامى من الحكام مشغولون بقهر شعوبهم وإذلالها وجلدها. وتسليط أجهزة الكذب. أي الدعاية. على أسماعها وأبصارها، لتجعل «البحر طحينة» كما يقول المثل الشعبي المصري وفي ظل طبقة حاكمة مستبدة. فلا مجال للعمل ولا التخطيط ولا الحركة.
الاستبداد يسقط الدول على مدار التاريخ، والحرية والعدل تقيمان الدول القوية الظاهرة ويمكن أن يقيما عالمًا عربيًا قويًا ظاهرًا، بدلًا من الضياع الأول، والضياع الثاني، والضياع الأخير.