; المجتمع التربوي (اللعدد 1488) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (اللعدد 1488)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 09-فبراير-2002

مشاهدات 84

نشر في العدد 1488

نشر في الصفحة 52

السبت 09-فبراير-2002

وقفة تربوية

إعداد: عبد الحميد البلالي

تمكن إبليس بثلاث!

يتخيل الثقة الثبت ضرار بن مرة أن الشيطان يقول: إذا استمكنت من ابن آدم ثلاث أصبت منه حاجتي: إذا نسي ذنوبه واستكثر عمله، وأعجب برأيه (صفة الصفوة ٣/١١٦).

إن الإنسان إذا ما تذكر ذنوبه الماضية والحاضرة، فإن ذلك يغرس الخوف في قلبه من الانتقام الرباني في الدنيا والآخرة، مما يجعله أقرب إلى التقوى، ويقظة القلب، بينما إذا نسي ذنوبه تلك فإنه ينسى عقوبة الله له، ويزول الخوف من قلبه، مما يجعل للشيطان دورًا أكبر في غوايته وتزيين المعصية له والتحكم به..

لكن إذا لم يتمكن الشيطان من هذا الأمر، وكان المسلم من الذين لا ينسون ذنوبهم، لكنه يقع في حفرة أخرى، وهي استكثاره لعمله، فإن ذلك يدفعه لترك العمل وإسناد الفضل لنفسه، ناسيًا بذلك فضل الله عليه مما يفسد عليه عمله، ويجعله ألعوبة بيد الشيطان.

أما إذا تجاوز ذلك كله لكنه أعجب برأيه، وأهمل رأي الآخرين، احتقارًا لمنازلهم، أو مستوياتهم الاجتماعية، أو ما يراه من فضل عليهم بعبادته أو علمه، فإن ذلك يفسد الكثير من عبادته، كما سيؤدي إلى خسارته الكثير من الأجر، بل تمكن إبليس منه.

أما إذا ما وقع في هذه الحفر الثلاث فإن الشيطان -كما تخيل الثقة ضرار بن مرة- يستولي عليه تمامًا، ويجعله عبدًا له يتصرف به كيفما يشاء، ويصيب منه ما يشتهي حاجته!.

أبو خلاد

ميلاد جديد

الحج: جهاد لا شوكة فيه وفرصة لإصلاح النفس والعلاقة مع الآخرين

حسن عبد الفتاح

الحج عبادة بدنية ومالية، وهو موسم تسمو فيه الأرواح، وتشرق النفوس، وذلك لقرب الحجاج من ربهم، وإقامتهم في رحاب بيته الحرام فهم وفد الله وزواره إن سألوه أعطاهم وإن استغفروه غفر لهم، وإن دعوه استجيب لهم، كما جاء في بعض الأحاديث.

بل يتجلى عليهم ربهم بمغفرة ذنوبهم، فيرجعون كما ولدتهم أمهاتهم... فالحج ولادة جديدة لقول النبي : «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه».

والولادة الجديدة تعني بداية سعيدة طيبة وتشبيه الحاج بالمولود يعني أنه:

  1. صاحب قلب سليم.

  2. صاحب بدن سليم.

  3. صاحب فطرة سليمة.

  4. مستعد للتوجه الصحيح نحو الآخرة.

صفات مطلوبة

العائد من الحج بهذه الصفات، عليه أن يستقيم تمامًا في جميع

  1. أقواله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (الاحزاب: ٧٠).

  2. أعماله ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: ٩٧).

  3. أحواله ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (هود: ١١٢).

ولا يتم ذلك إلا بالمداومة على الطاعات والحرص الشديد على ترك المنكرات، وإذا كان الحج «جهادًا لا شوكة فيه»، فيعد الراجع منه الحج العدة للجهاد المطلوب منه شرعًا، فقد تدرب على هذا ليتهيأ لما هو أعظم وأشق:

  • جهاد النفس ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: ٦٩).

  • جهاد الشيطان: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (فاطر: ٦).

  • جهاد الأعداء: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (التوبة: ٤١)، وليستمر على ذلك مجددًا النية في كل قول أو فعل أو حال لأن اصطحاب النية وتجديدها لازم لكل ذلك.

  • ولا بد أن يتخلق الحاج بالأخلاق الفاضلة الكريمة التي عاش بها في موسم الحج، وينتفع بالصفات الحميدة والمكارم العالية، وذلك في جميع معاملاته ومعاشراته وسلوكياته.

  • على الحاج أن يبذل ما في وسعه لإصلاح علاقته بربه وعلاقته بإخوانه وجيرانه وأحبابه وأهل مسجده وأسرته وعشيرته ورؤسانه ومرؤوسيه، امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿۞ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾  (النساء:٣٦)، واتباعًا لوصية النبي ﷺ «وخالق الناس بخلق حسن».

  •  ليكن الحاج بعد ذلك قدوة حسنة يرى فيه الناس كل ما يحبون من صفات الخير وكمالات الأخلاق.

  • وإذا كان الحاج قد أدى الفريضة وهي مرة في العمر، كما ثبت في الحديث الصحيح، فلينظر بعين الحق إلى ضرورات المسلمين وحاجياتهم ويقدم ذلك على النافلة من حج أو عمرة، «ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم»، «ومن سعى في حاجة أخيه كان الله في حاجته».

  • من المهام العظيمة لكل من أدى الفريضة ملازمة المساجد وتقديم العون والخدمات للمسلمين من حكام ومحكومين وفقراء وأغنياء وكبار وصغار «فخير الناس أنفعهم للناس». كما جاء في الحديث النبوي. 

هكذا تحسن -بإذن الله تعالى- الخاتمة وهي المرجوة، عند الله عز وجل.

يا عابد الحرمين لو أبصرتنا!

كيف يطيب لنا الإكثار من حج النافلة وهناك من المسلمين الجائع والمحاصر والعاري؟

وليد شلبي

خلل في فقه الأولويات وآفة قديمة شكا منها أطباء القلوب تقتضي استئصالها 

في ظل الهجمة العاتية التي يتعرض لها المسلمون، نجد بعض العاملين للإسلام لا يدرك حقيقة ما يدور حوله ولا يقدره بقدره، ولا يبذل الجهد المنوط به لحماية العمل الإسلامي، بل الإسلام ذاته في حقيقة الأمر!.

أعني بهؤلاء من يتسابقون في أداء النوافل وينفقون في سبيلها المال دون مراعاة لفقه الأولويات أو فقه الواجب والوقت، فإذا كنا لا نعي خطورة ما يدور حولنا، وما يدبر لنا فهذه مصيبة، وإن كنا لا نعد أنفسنا لها فالمصيبة أعظم. فكيف يطيب لنا الإكثار من التنفل، وإخواننا في كثير من بقاع العالم وخصوصًا في فلسطين، لا يجد المأوى ولا الطعام والشراب، ولا من يخلفهم في أهلهم بخير أو ليس هذا أولى من كثرة التنفل؟ فإذا كنا نعتبر دعمنا للمسلمين المحتاجين في العالم نفلًا لا يستحق التضحية من أجله فنحن في حاجة لإعادة تقويم شاملة لفكرنا، بل وتربيتنا. 

لقد أفتى معظم فقهائنا منذ القدم بأن من يتبرع بمال الحج والعمرة النفل في سبيل الله فله أجره إن شاء الله، فإذا كان الأجر يتحقق بل ويتضاعف.. فما السبب في التمسك بذلك مع وجود ما هو أولى منه؟ أليس هذا خللًا في فقه الأولويات؟!.

قالها بشر بن الحارث

«رُوي أن رجلًا جاء يودع بشر بن الحارث قائلًا: قد عزمت على الحج فتأمرني بشيء؟! فقال له كم أعددت للنفقة، فقال ألفي درهم قال بشر فأي شيء تبتغي بحجك؟ تزهدًا أو اشتياقًا إلى البيت أو ابتغاء مرضاة الله؟ قال: ابتغاء مرضاة الله قال فإن أصبت مرضاة الله تعالى وأنت في منزلك وتنفق ألفي درهم وتكون على يقين من مرضاة الله أتفعل ذلك؟ قال: نعم. قال اذهب فأعطها عشرة أنفس: مدينًا يقضي دينه، وفقيرًا يرم شعثه، ومعيلًا يغني عياله، ومربيًا يتيم يفرحه، وإن قوي قلبك تعطيها واحدًا فافعل لأن إدخالك السرور على قلب المسلم وإغاثة اللهفان وكشف الضر وإعانة الضعيف أفضل من مائة حجة بعد حجة الإسلام، قم فأخرجها كما أمرناك وإلا فقل لنا سلمي قلبك، فقال يا أبا نصر: سفري أقوى في قلبي تبسم بشر -رحمه الله- وأقبل عليه وقال له: المال إذا جمع من وسخ التجارات والشبهات اقتضت النفس أن تقضي به وطرًا فأظهرت الأعمال الصالحات، وقد ألى الله على نفسه ألا يقبل إلا عمل المتقين» (إحياء علوم الدين ج٢ ص ٤٠٩).

آفة قديمة

ويقول الداعية الدكتور يوسف القرضاوي -حفظه الله-: «أرى الملايين يعتمرون تطوعًا كل عام في رمضان وغيره، ومنهم من يحج للمرة العاشرة أو العشرين، ولو جمع ما ينفقه هؤلاء في هذه النوافل لبلغ آلاف الملايين... ولو قلت لهؤلاء المتطوعين بالعمرة أو الحج ادفعوا ما تنفقونه في رحلتكم التطوعية لمقاومة التنصير أو الشيوعية في آسيا وإفريقيا، أو لمحاربة المجاعات هنا وهناك، ما استجابوا لك وهذه آفة قديمة شكا منها أطباء القلوب». (أولويات الحركة الإسلامية، ص ٤١).

 فهذه بعض آراء العلماء قديمًا وحديثًا فأين نحن منها؟ إننا إذا لم نأخذ الأمور بالعزائم وإذا ترخصنا في هذا الأمر، أخشى ألا نستطيع أن نواجه ما ينتظرنا في المستقبل، وألا نجد من يحمل الأعباء الجسيمة للعمل في مراحله المقبلة والتضحية من أجله بالنفس والنفيس، ولظلت المبادئ والقيم مجرد شعارات تلوكها الألسنة، أو تزدان بها الجدران، فإذا كنا عاجزين عن كبح جماح نفوسنا في الرخاء.. فهل ستلزمها وقت الشدة؟!.

لعل أروع توصيف للوضع الراهن ما قاله عبد الله بن المبارك للفضيل بن عياض:

يا عابد الحرمين لو أبصَرتَنا *** لعلمت أنك بالعبادة تلعبُ

من كان يخضبُ خدهُ بدموعه *** فنحورُناَ بدمائنا تتخضبُ

أو كان يتعب خيله في باطل *** فخيولنا يوم الكريهة تتعب 

والمقرر شرعًا أن النافلة لا يجوز تقديمها على الفريضة، وأن الواجب المحدد الوقت والذي جاء وقته بالفعل مقدم على الواجب الذي لم يحن وقته.

إذن: أليست نصرة الإسلام أولى وأوجب من التنفل؟

هكذا في الوقت المعاصر يجب علينا استشعار مسؤوليتنا تجاه الحفاظ على الإسلام والعمل له والذود عنه بكل ما نستطيع ومساندة المسلمين وأسرهم، وإدراك أن هذه أمانة، وأننا محاسبون عليها أمام الله -عز وجل- وأننا إنما نقدم على الله بجهد المُقل.

ننشد مع الحج وحدتنا

أكبر تجمع عبادي تعرفه البشرية وأروع مظاهر وحدة المسلمين

السيد على إسماعيل

العقيدة الصحيحة والقرآن الكريم والصلاة والقبلة.. إلخ، تمثل مظاهر الوحدة في دين الله تعالى... إنها مصدر قوتنا ورمز وحدتنا... تعلو هامتنا متوجة بالعبادات الجماعية التي حرص الإسلام على أن يظهر المسلمون وهم متمسكون بها، فالصلاة تمثل وحدة الصفوف وتدعو الفرد للجماعة وتزيده أضعاف أجره منفردًا، والزكاة تمثل التأمين الاجتماعي لحاجة الفقير والمحتاج وتغنيه عن الفساد، هكذا هناك وحدة واعتصام وتماسك جماعي في كل العبادات ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (الحج: ٧٨).

دائمًا يجيء الخطاب الإلهي، مخاطبًا الجماعة ولم يتجه للفرد فقط بالأوامر والنواهي ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩﴾ (الحج: ٧٧). وفي كل وقت نقر جميعًا لله بالوحدانية والعبادة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: ٥).

ثم يأتي الحج... ليكون في مقدمة هذه العبادات. إذ يظهر وحدة المسلمين في أجمل وأروع صورها.. ليحشد الآلاف المؤلفة والملايين من المسلمين في هذا المؤتمر السنوي الجامع والشامل المنفرد الذي لا مثيل له على مستوى البشرية... إنه أكبر تجمع عبادي يعرفه الإنسان على تشعب مثله وأجناسه ونحله... وعلى اختلاف مذاهبه وتطور مواهبه وآلاته... تقف الإنسانية مندهشة لهذا الحشد وتلك الأرواح الموحدة على لبيك اللهم لبيك... لبيك لا شريك لك لبيك... إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. في صعيد واحد، وفي زمان واحد. 

إنها صفوف وقلوب موحدة في خروجها من الأوطان وفي إحرامها من الميقات.. وفي دخولها الحرم ملبية، تبتهل إلى الله بالدعاء عند رؤية البيت.... تبادر باستلام الحجر، حيث يجدون عند الكعبة محورهم الذي يشدهم جميعًا ويلتقون عليها جميعًا ويجدون رايتهم التي يفيتون إليها، راية العقيدة الواحدة التي تتوارى في ظلها الأجناس والألوان ويجدون قوتهم التي قد ينسونها حينًا، قوة التجمع والتوحد والترابط الذي يضم الملايين. «في ظلال القرآن - سيد قطب».

وتطوف الأرواح قبل الأجساد حول الكعبة دموعها منهمرة، ملتجئة إلى الله متضرعة سائلة الله عز وجل القبول، ثم تسعى بين الصفا والمروة يتمثلون أمهم هاجر، وهي تندفع مجيئًا وذهابًا متوسلة إلى الله عز وجل أن ينقذ صغيرها إسماعيل -عليه السلام- من العطش سبعة أشواط، وفي كل شوط تصعد على الجبلين، إما الصفا وإما المروة علها تجد الماء.. ويستجيب الله دعاها ويفرج كربها لتكون رائدة في الجد والاجتهاد والبحث عن الرزق لهذه الأمة العظيمة التي امتلكت زمام الدنيا، وعندما تخلت هذه الأمة عن دينها وعزها وشرفها ولم تبحث عن وحدتها ولم تقم بهذه العبادات الجماعية مصدر قوتها، تخاذلت وتراجعت وصارت في مؤخرة الأمم، وإذا عادت إلى وحدتها.. إذا نصرت الله عز وجل في نفسها ومالها ... انتصرت، قال تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: ٧)، وعدهم الله بهذا إذا عبدوه حق العبادة ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥).

يوم الجماعة في عرفة

ثم تأتي قمة مظاهر الوحدة في ركن الحج العظيم والحصن المنيع في عرفة، وكما يقول النبي ﷺ «الحج عرفة» حيث الابتهال والتضرع والتلبية. الجميع يقف يتمنى من الله أن يتوب عليه أن ينقذه من النار، تنتشر الملابس البيضاء لتزين الجبل وكأنها واحة بيضاء... يناجون الله عله ينجيهم في الآخرة.

إنها الوحدة.. إنها الجماعة التي حرص رسول الله له على التمسك بها والعمل والجد والاجتهاد من أجلها، ورد في الحديث: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور»، إنه يوم عرفة يوم العتق من النار: «ما من يوم يعتق الله عبدًا من النار أكثر من يوم عرفة».

وكيف... لا؟! وربنا سبحانه وتعالى يطلع في هذا اليوم العظيم على عباده ليباهي بهم الملائكة «فيباهي بأهل عرفات أهل السماء فيقول هؤلاء عبادي جاؤوني شعثًا غبرًا»، ويرضى سبحانه وتعالى عن هذا الجمع الغفير... ويعطي كل صاحب حاجة حاجته... كل الناس «هم القوم لا يشقى بهم جليسهم».

يقول الشاعر:

تجلى علينا بالمتاب وبالرضا *** وباهى بنا الأملاك حين وقفناه

ألا فاشهدوا أني غفرت ذنوبهم *** ألا فانسخوا ما كان عنهم نسخناه

من المبيت حتى النحر

هكذا تجد هذه الجموع مبتغاها، وتنال رضاها بعد أن تتجرد لله -عز وجل- وتتحلى بالإخلاص، وفي نهاية هذا اليوم المهيب... تنفر الجموع -موحدة أيضًا- إلى مزدلفة، حيث تبيت هذه الليلة متوسدة الأرض، وملتحفة السماء... تاركة الأسر والبيوت والقصور.. تاركة كل شيء لله، وعندما يؤذن المؤذن لصلاة الفجر تنطلق متدفقة للمشعر الحرام متذكرة قول رسول الله في هذا الموقف: «إن الله تطاول عليكم في جمعكم هذا فوهب مسيئكم لمحسنكم وأعطى محسنكم ما سأل... ادفعوا باسم الله».

ويندفعون على بركة الله في جموع مذهلة ليس هناك موضع قدم، الكل يسير في وحدة وفي ألفة....إلى أن يصلوا إلى «منى» فيكون أول عملهم رمي جمرة العقبة، يرجمون عدوهم إبليس عليه لعنة الله. ليبتعد عنهم فلا يفرقهم ولا يشر نمهم، فهم أمة محمد الواحدة: ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون: ٥٢) يرجمونه كما فعل ذلك أبوهم إبراهيم -عليه السلام- حين أراد إبليس اللعين أن يثنيه عن تنفيذ رؤياه في ذبح ابنه إسماعيل... وحاول في ذلك مرارًا، وفي كل مرة يرجمه إبراهيم ويلعنه ويصر على طاعة ربه مهما كان الأمر... ويكشف الله عنه كربته، ويفدي إسماعيل بذبح عظيم:﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (إبراهيم: ١٠٣-١٠٧).

وهكذا يأتي النحر، وتستن هذه الأمة العظيمة بسنة نبيها، إذ نحر مائة بدنة، نحر بيديه الشريفتين ثلاثًا وستين، وأكمل علي -رضي الله عنه- الباقي منها، ينحرون ويدعون الله عز وجل بالقبول.. ثم يكون الحلق والتقصير للجميع ليتحللوا من إحرامهم، وفي ذلك يقول المصطفى ﷺ «فلك بكل شعرة حلقتها حسنة وتمحى عنك بها خطيئة»، ثم يقومون بطواف الإفاضة، وينتظرون أيام التشريق، ويطوفون طواف الوداع ... وهكذا يخرجون من هذا المؤتمر الحاشد -بإذن الله تعالى- كيوم ولدتهم أمهاتهم. أي نعمة.... وأي فضل وأي وحدة هذه؟! إنها والله لنعمة عظيمة جليلة.. يمن الله -عز وجل- بها علينا، إذ يجعلنا إخوة متحابين متحدين.

 «وهذه الأخوة هي روح الإيمان الحي... ولباب المشاعر الرقيقة التي يكنها المسلم لإخوانه، حتى إنه ليحيا بهم ويحيا لهم، فكأنهم أغصان انبثقت من دوحة واحدة، أو روح واحد حل في أجسام متعددة.... والحق أن أواصر الأخوة في الله هي التي جمعت أبناء الإسلام أول مرة وأقامت دولته ورفعت رايته وعليها اعتمد رسول الله في تأسيس أمة صابرت هجمات الوثنية الحاقدة وسائر الخصوم المتربصين ثم خرجت بعد صراع طويل وهي رفيعة العماد وطيدة الأركان، على حين ذاب أعداؤها وهلكوا». (المسلم - الغزالي).

لقد أضاءت الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة هذا الطريق للمسلمين، بحثهم على الوحدة والألفة والأخوة، قال تعالى﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٣) ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات:۱۰)، ويقول الرسول : «مثل المسلمين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى»، وقال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا».

نسأل الله -عز وجل- أن يكون حج هذا العام سببًا في وحدة المسلمين، وترابطهم، وجمع كلمتهم على كل خير... ليعودوا سادة الأمم، عونًا على عدوهم .

في عشر ذي الحجة

كيف تدرك أجر حج التطوع وأنت في بيتك؟

ماجد بن جعفر الغامدي

قدر الله وما شاء فعل، لقد رأيت الدنيا كأنها قد غلقت أبوابها.. والأرض قد ضاقت بما رحبت، فكلما تحدثت مع صديق لي أخبرني بأنه ذاهب لأداء فريضة عظيمة، ليعود كيوم ولدته أمه، ويلبس حلة من المغفرة، ثم يشرح لي جمال الحج وروعة الأجر، ويسترسل في تفاصيل ذلك الأمر، ليزيدني حسرةً وألمًا، فلا أعلم ماذا أقدم وأنا لا أستطيع أداء فريضة الحج هذا العام، وما يترتب على ذلك من ضياع أجر عظيم، وثواب جزيل، ويكفي في ذلك حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- الذي يقول فيه النبي : «تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة» (رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني) ، فأي أجر عظيم هذا.. فالفقر يبتر.. والذنب يغفر.. والجنة تهدى لمن تابع الحج؟.

فأعظم الله أجر كل من لم يستطع الحج، وما عليه إلا أن يجلس في بيته، ويقدم البكاء والعويل على قوات هذا الأجر، ويملأ يومه بالحزن والأسى!.

هذا ما كنت أراه بنظري القاصر، ولكن ما الذي حدث؟! انقلبت الفكرة رأسًا على عقب عندما علمت أنه بإمكان المؤمن أن يعوض هذا الأجر في حديث ابن عباس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله : «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، يعني -عشر ذي الحجة- قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء» (رواه البخاري).

أعمال عظيمة الأجر

لك أن تسبح بخيالك.. وتطوف بأفكارك.. لتتأمل عظم أجر المجاهد، وما يناله من الثواب وما يكافأ عليه من الحور العين وما.. وما، ولك أن تقف مع الحديث المتفق عليه الذي يقول فيه النبي: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم بآيات الله لا يفتر من صلاة ولا صيام، حتى يرجع إلى أهله» فكل هذا الأجر، أجر الحج، وأجر المجاهد، وأجر الصائم القائم الذي لا يكل ولا يفتر، تستطيع أن تحصل عليه في هذه العشر، وذلك بالعمل الصالح فيها لأنها أيام ذات فضل عظيم، وبعد أن عرفنا عظم هذه الأيام، وجزالة الأجر فيها، فماذا ترانا نعمل بها؟

إليك أخي هذه الأعمال التي نستطيع من خلالها أن تحصل على أجور من وفقهم الله للحج، وهي كثيرة ولكن أكتفي بذكر بعض منها كالتالي:

من أعظم الأعمال الصالحة في عشر ذي الحجة ما ذكره النبي : «ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتحميد والتكبير» انظر وتأمل... كم تستغرق من الوقت عند قولك: «لا إله إلا الله.. الله أكبر الحمد لله» عشر ثوان، عشرين ثانية، ثم تنال الأجر الوفير؟ فخذ العهد الصادق على نفسك ألا تمر عليك أي لحظة في هذه الأيام إلا وأنت من المكثرين للذكر. وهناك ذكر شُرع خصيصًا من أجل هذه الأيام وهو التكبير، فهلا أحيينا هذه السنة التي تكاد تندثر، ونعيد عهد أسلافنا كما كان يفعل ابن عمر وأبو هريرة -رضي الله عنهما- إذ كانا يخرجان إلى السوق فيكبران فيكبر الناس بتكبيرهما!

والتكبير نوعان: مُطلق في كل وقت، ومقيد بعد الصلوات فقط، أما عن صيغته فوردت أكثر من صيغة مروية عن الصحابة والتابعين ومنها «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد». 

ومن الأعمال التي يدرك بها غير الحاج أجر الحاج كذلك ما رواه أنس -رضي الله عنه- عن النبي : «من صلى الصبح في جماعة ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كان له مثل أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة» (أخرجه الترمذي).

ومن أعظم الأجور التي يقف القلم حائرًا عن التعبير عنها صيام يوم عرفة، فقد سئل النبي عن يوم عرفة فقال: «صيام يوم عرفة إني لأحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده» (رواه مسلم).

أظن أنه ما من مسلم قرأ هذه الأسطر، إلا وسيقطع على نفسه ميثاقًا غليظًا، وعهدًا وثيقًا، على ألا يفرط في أي يوم من هذه الأيام الفضيلة، بل حتى في أي لحظة منها، فهذا دين المؤمن الحق بعد معرفته للطريق القويم، والصراط المستقيم.

أين الخطر في وجود الدعاة.. أم في الحرب عليهم؟

لماذا يقف البعض في وجه الدعاة؟

أسماء أبو بكر السيد

كان لزيارة الداعية عمرو خالد للكويت ضمن فاعليات معرض الكتاب الدولي ردود فعل مختلفة تمثل أهمها في عديد من المقالات التي نشرتها الصحافة الكويتية. وتباينت طبيعة المقالات ما بين ترحيب وتحذير ونقد ولوم، وذلك إما بخصوص الداعية الزائر أو الجمهور الحاضر أو عموم الدعاة، وللأسف الشديد فإن بعض هذه المقالات كتبها مسلمون ملتزمون.

 كان أول ما لاحظته تعريف أحدهم لعمرو خالد بألقاب أطلقها عليه العلمانيون، وأبدى الرجل نفسه امتعاضه منها، وما كان ينبغي هذا من باب حق المسلم على المسلم لقوله سبحانه ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ (الحجرات: ١١) ومن ذلك استخدام لفظ الظاهرة لوصف عمرو خالد، ولا أدري هل استخدموها وهم يدركون معنى وصف الداعية بالظاهرة أم لا، فوصف الدعوة إلى الله أو العاملين بها بالظاهرة أمر يجانبه الصواب، فالظاهرة مصطلح ابتدعه العلمانيون الكارهون لنشر نور الله لوصف الكثير من الممارسات الإسلامية المختلفة كالدعوة أو الحجاب لينفوا عنها صفة الأصالة إذ إن معنى الظاهرة يقتضي الظهور لعلة ثم الاختفاء بزوال العلة، وليست هذه طبيعة العاملين في مجال الدعوة إلى الله في المجتمع الإسلامي. فالدعوة ليست ظاهرة بل هي أساس من أسس المجتمع الإسلامي، وميزة من مميزاته انفرد بها عن المجتمعات غير الإسلامية التي تنظر إلى هذه الميزة على أنها ضرب من التدخل في الشؤون الشخصية.

لماذا الخطورة؟

ثم وصف البعض هذه الظاهرة بكونها خطيرة وسردت أسباب عجيبة لهذا الخطر المحدق منها كون عمرو خالد داعية وليس فقيهًا، ولا أدري ما وجه الخطورة في كونه داعية وليس فقيهًا طالما أنه لم يتصد للفتوى؟!

أليس من الطبيعي أن يوجد دعاة ليسوا بالفقهاء أو فقهاء ليسوا بالدعاة أعتقد أن في كل كليات الشريعة في العالم الإسلامي تخصصين مستقلين أحدهما للدعوة وآخر للفقه فلا ضير في كون الرجل داعية دون أن يكون فقيهًا، وعدم تصديه للفتوى لا يعيبه. كما أن الدعوة ليست مقتصرة على جماعة بعينها، بل هي فرض على كل مسلم، -كل على قدر جهده وعلمه- وإلا شاع المنكر وقل المعروف ولا يشترط الفقه والعلم للداعية أو الواعظ، بل ليس من شرط الناهي عن المنكر أن يكون عدلًا عند أهل السنة(۱)، ففي الحديث الشريف أن الرسول ﷺ قال: «يا أيها الناس! إن الله عز وجل يقول لكم أمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أجيبكم، وتستنصروني فلا أنصركم وتسألوني فلا أعطيكم» ووجه الخطاب لكل المسلمين دون تحديد لفئة العلماء والفقهاء دون غيرهم فالباب مفتوح للجميع وبأمر من الله عز وجل وإقبال الناس على الدعاة سيؤدي بدوره إلى اتباعهم للفقهاء عن حب وتحكيمهم شرع الله سبحانه وتعالى في حياتهم بإرادتهم.

 وزادني عجبًا قول أحدهم إن الخطورة تكمن في افتقار الكويت لمثل عمرو خالد؟! وما الكويت إلا بلد مسلم، وما عمرو خالد إلا رجل مسلم فهو منها وهي بلده.

ألم يقل الشاعر:

يا أخي في الهند أو في المغرب *** أنا منك أنت مني أنت بي

لا تسل عن عنصري عن نسبي *** إنه الإسلام أمي وأبي

فما ضركم أن سخر الله رجلًا داعيًا ليحيي القلوب ويشرح الصدور، سواء كان مولده الشام أو الهند أو الحجاز أو سواها من البلاد فبلاد الإسلام سواء، والمسلمون إخوة ولله الحمد أن سخر من وسائل الإعلام ما مكن شعوب الإسلام من أن يستفيد بعضها من دعاة بعض، ويتعرف كل منها إلى دعاة الآخرين ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: ١٣).

وبدلًا من أن تشكر قناة «اقرأ» على دورها الدعوي الهادف الذي يكاد يكون المتفرد بين قنوات الإعلام العربي، أتُلام القناة لأنها صنعت للعرب عمرًا، يظهر على الناس كل ليلة من ليالي رمضان؟!

وأتساءل مرة أخرى: أين مكمن الخطورة في إعلام إسلامي فتح الباب للدعاة في وسائل الإعلام العربي، وقد حرموا منها لزمن؟ وما المانع الشرعي في أن يظهر الداعية المسلم على شاشات التلفاز كل مساء؟ أليس هذا البديل لكثير من الغثاء الذي يبث على كثير من الفضائيات العربية؟ أليس هذا مثالًا للإعلام الإسلامي الهادف البديل؟ ألم يكن الأولى تشجيع مثل هذا التوجه ودعاء المولى عز وجل لهم بالتوفيق؟! 

وعلق أحدهم على المحاضرة التي ألقاها الأستاذ عمرو خالد في معرض الكتاب باحتوائها على أحاديث ضعيفة وبدع وخرافات دون ذكر لأي أمثلة لهذه البدع التي يخشى أن يتبعها الناس ولا أدري ما الفائدة من إشاعة مثل هذه الشبهات من غير استشهاد بأدلة شرعية. أهكذا من السهل وصف أحاديث رسول الله ﷺ بالضعف دون تحقيق ودون ذكر لنوع الضعف؟ مع العلم أن الملاحظ أن الداعية يعتمد بصورة كبيرة في محاضراته على كتب الشيخ ابن القيم -رحمه الله- مثل «الداء والدواء» و «زاد المعاد» و«حادي الأرواح» وغيرها؟ أليست هذه مصادر موثوق بها على مستوى الأمة ولقرون وأجيال؟

سر الإقبال

إحدى أهم النقاط التي استشففتها من مختلف المقالات هي سذاجة الإعلام العربي وسطحية أدوات الصحافة في تحليل أسباب انجذاب الناس وإقبال الجماهير على دروس عمرو خالد، حيث يكون المحور الرئيس هو الشكل والهيئة والملبس. وفي رأيي الخاص أنه قد يكون للمظهر دور في جذب الجمهور ولكنه ليس السبب الرئيس و إلا فيم نفسر وجود عدد كبير من الدعاة والشيوخ من حليقي اللحى ولابسي البدل الذين لم يحظوا بنفس هذا الإقبال؟

قد يقول قائل إنه لم تتح لهم الفرص في وسائل الإعلام وأقول بل كان للعديد منهم برامج في التلفاز واستضافت وزارة الأوقاف في الكويت بعضهم ولم تحظ محاضراتهم بمثل هذا الإقبال، لذلك أعتقد أنه من غير الإنصاف للرجل بل من غمط حقه أن نعزو سبب نجاحه لملبسه أو هيئته، والدليل على ذلك إقبال الكثيرين على سماع شرائط دروسه منذ سنوات قبل رؤيته، ألا يقول النبي -عليه أفضل الصلاة والسلام-: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»؟ إن السبب الجوهري لهذا الإقبال هو ما أتاه الله من فضله من حكمة الدعوة وحسن الموعظة وبساطة التعبير وطيبة التبشير ورفق التحذير وبلاغة التصوير وما أخال ذلك إلا لإخلاص قلبه وصدق نيته وحبه لربه ورسوله وغيرته على دينه، ولا أزكي على الله أحدًا. وتحضرني مقولة الإمام علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- «إن الكلمة إذا خرجت من القلب دخلت القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان».

وهذا يقودنا إلى مناقشة أمر صفق له العلمانيون وهللوا، ولكنهم سرعان ما أصيبوا بخيبة أمل عندما أكد لهم الداعية أن إعفاء اللحية سنة مؤكدة عن الرسول ﷺ وأنه يدعو إلى اتباعها، ويود اتباعها، ولكن يمنعه من ذلك فرض أولى وله في ذلك أسبابه الخاصة. وعلى الرغم من أنها إجابة مقنعة ولا غبار عليها، فقد انبرى بعض الإسلاميين لمهاجمته حتى تقول بعضهم عليه ما لم يقله من أن الدين في القلب». فأولًا كل منا أقدر على تحديد أولوياته بناءً على ظروفه ومتطلباته، والأمر ليس إلغاءً أو تركًا للسنة بقدر ما هو تقديم للفرض، ولا أملك إلا أن أقول لهم فما أدراكم لعل الله اطلع على سببه لعدم إعفاء اللحية فعذره فلم لا تعذرون الرجل ولم تسيئون الظن بنواياه؟ والرسول ﷺ يقول: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث»؟ وهل يا ترى عدم إعفاء اللحية سبب وجيه لأن تثيروا الشبهات فتحرموا الناس من سماع كلمة الحق؟ وما يدريكم لعل الله سبحانه وتعالى يثيبه على جهده الدعوي بما يفوق ثواب إعفاء اللحية وما يدريكم لعلكم لو كنتم مكانه لفعلتم مثله وما دام لم ينكر أن إعفاء اللحية سنة مؤكدة، ودعا الشباب إلى اتباعها، فدعوا الأمر بينه وبين المولى عز وجل. ثم لو كان هؤلاء من المتابعين لدروسه لعلموا أنه كثيرًا ما رد على هذه العبارة الدين في القلب، وفندها بمختلف الأدلة، ويؤكد دومًا على لزوم العمل الصالح للإيمان الصادق، لذا يبدو لي أن هناك أقلامًا لا تتوخى الدقة في نقل الأقوال.

أين الخطورة

وأقول لإخواني من الإسلاميين الذين شحذوا سيوفهم المغمودة على إخوانهم الناجحين إن الخطورة الفعلية التي لم ينتبهوا تكمن في مثل مقالاتهم هذه التي يهاجمون بها أعمالًا إسلامية ناجحة.

أفلا يكفي عمرو خالد وغيره ما يتعرضون له من هجوم شرس من قبل العلمانيين؟ أليس من العار أن يقفوا في خندق واحد مع العلمانيين ضد إخوانهم من الدعاة؟ وأين الولاء بين المؤمنين ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ﴾؟ (التوبة: 71) وما جدوى إشاعة مثل هذه المثبطات عن الدعاة المخلصين ونشاطاتهم الناجحة؟ ألسنا في وقت تحتاج فيه الأمة إلى كل جهد يبذل على مختلف الأصعدة وفي جميع بقاع الأرض ليعود الناس إلى دين الله -سبحانه وتعالى- لعل الله يكشف عن المسلمين ما هم فيه من الذل والهوان؟ وليذكروا قول المولى عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ  تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (إبراهيم ٢٤-٢٥). 

فلو لم تكن هذه الكلمة طيبة و من شخص طيب لما كان لها هذا الأثر الطيب.

إثراء لا إدانة

ومن ناحية أخرى أود أن أعلق على تساؤل أثاره أحدهم فيما إن كان في إقبال الجماهير رجالًا ونساءً، وشبابًا وكهولًا، على محاضرة عمرو خالد إدانة لبقية الدعاة. فأقول: إنني لا أرى في نجاح داعية لإيصال كلمة الله سبحانه وتعالى إلى قلوب الناس إدانة لبقية الدعاة بقدر ما هو إثراء لحقل الدعوة ليستفيدوا من خبراته على حسب مجال نشاطهم بدون إنكار لجهودهم لكل دوره وكل يشكر على جهده فمجال الدعوة واسع ويحتاج إلى كل مجهود على جميع الأصعدة في المساجد ووسائل الإعلام المختلفة وهيئات العمل وغيرها ومن الجميع دعاة تقليديين أو غير تقليديين فقهاء كانوا أم أفرادًا عاديين. ولنتذكر دائمًا أن «في كل خير» و«كل ميسر لما خلق له».

كما أحب أن أعلق على أمر آخر كثر الحديث عنه من وصف الملتزمين بالمتجهمين لتنفير الآخرين من الدين ولا أدري على أي أساس صيغت هذه التهمة حتى اعتبرت حقيقة تداولها المتدينون بعد أن أطلقها أعداء الدين مع أني وجدت أن من أهم ما يتميز به عموم المتدينين عن عامة الناس التواضع والأمانة والبشاشة، ولا أقول ذلك من باب رد الفعل بقدر ما أنه مبني على أساس خبرتي المتواضعة في الحياة مع متدينين وغير متدينين أما ما يتهم به المتدينون في أخلاقهم أو طباعهم فهو من عموم البلوى التي أصابت الأمة وهم جزء منها، وينطبق عليهم ما ينطبق عليها، ليس مما اختصوا به دون غيرهم، ومن الغريب أن نكرر التهم التي يشيعها الآخرون حتى نصدقها، ومن الأولى تحسين صورة المتدينين ودرء ما يشاع حولها من شبهات وفي الوقت نفسه تنبيه المتدينين ليمثلوا قدر جهدهم أخلاق الإسلام فيكونوا بذلك دعاة عمليين بأفعالهم قبل أقوالهم فالمؤمن بسيرته العملية يستطيع أن يعمق آثار الإيمان في قلوب الناس أكثر من عشرات المقالات والمحاضرات.

الشيخ حمود بن عقلة الشعيبي

أحمد محمد الفهد

ورد عن المصطفى ﷺ في الأحاديث الصحيحة قوله: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويكثر الجهل ويكثر الزنى ويكثر شرب الخمر ويقل الرجال ويكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد، وقوله صلى الله عليه وسلم: إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس روسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا». وقد تناقلت وسائل الإعلام بالأمس القريب خبر وفاة الشيخ حمود بن عقلة الشعيبي الذي ولد سنة ١٣٤٦ هجرية في منطقة بريدة بالمملكة العربية السعودية حيث نهل من علوم علمائها ما جعله كوكبًا من كواكب العلم.

 هذا الخبر المؤلم والمحزن.. سبقته أخبار محزنة كثيرة عن قبض بعض أفاضل العلماء من أمثال الشيخ محمد صالح العثيمين.. والشيخ محمد ناصر الدين الألباني والشيخ محمد متولي الشعراوي والشيخ جاد الحق.. والشيخ علي الطنطاوي.. والشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز.. وغيرهم من أهل الفقه والبصيرة ممن ملؤوا الدنيا نورًا وهداية بعلمهم وتقواهم.. فأرشدوا الناس إلى سواء السبيل. فكانوا كالشمس لبقية الكواكب.. إذا ظهرت لم يبد منهن كوكب. 

عرفنا الشيخ حمود العقلة مربيًا فاضلًا داعيًا إلى الله على بصيرة.. آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر لا يخاف في الله لومة لائم.. عرفناه مفتيًا ومنظرًا للكثير من القضايا الفقهية بالغة الأهمية.. حتى فهمت بعض فتاواه فهمًا خطأ، خصوصًا أنها تدور في دائرة التكفير المبهمة عند العوام والمغيبة عند غيرهم.... ممن يريدون إرجاء التكفير عن كل شخص.. وممن يريدون تكفير كل شيء لأجل لا شيء. 

إن هذه القضية الخطيرة بحاجة إلى كثير من الشرح والتوضيح وتبيين القواعد وبسط المسائل.. واقتصار صلاحية إطلاق حكم التكفير على العلماء فقط لكون التكفير مكونًا من فعل وفاعل، والفعل الذي يشمل القول أو الفعل أو الترك... لا بد وأن يستبين منه إن كان من المعلوم من الدين بالضرورة أم لا.. وإن كان يعتمد على نية فاعله أم لا... 

وكذلك الفاعل الذي لا بد من سؤاله عن شبهته في الفعل، أو تأويله ان كان من أهل التأويل قبل إطلاق الحكم عليه، وغيرها من الأمور التي لا يفهمها إلا العلماء المشهود لهم بالعلم والفضل.

وبالنسبة لوفاة شيخنا العلامة حمود العقلاء الشعيبي وهو واحد من العلماء الأجلاء: فإننا لا نملك من أمرنا سوى الدعاء، فنرفع أكفنا ونقول: اللهم أجرنا في مصيبتنا هذه واخلف لنا خيرًا منها.. اللهم اغفر له وارحمه.. اللهم واسكنه فسيح جناتك واحفظ اللهم بقية علمائنا اللهم اجعلهم مصابيح تنير في أيامنا المظلمة هذه.. أمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2122

165

الأربعاء 01-أغسطس-2018

حج المَدين.. صحيح أم باطل؟

نشر في العدد 2122

146

الأربعاء 01-أغسطس-2018

الحج.. وهموم الأمة

نشر في العدد 2181

177

السبت 01-يوليو-2023

الحـج.. ووحـدة الأمــــة