; النار التي يجب أن تنطفئ في الخليج | مجلة المجتمع

العنوان النار التي يجب أن تنطفئ في الخليج

الكاتب محمد عبد الهادي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-مايو-1984

مشاهدات 65

نشر في العدد 670

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 08-مايو-1984

  • هل تؤثر الانتخابات الإيرانية الأخيرة في صنع القرار الإيراني بوقف حرب الخليج؟
  • فوز مؤيدي خلافة منتظري أزعج مراكز القوى الإيرانية الراغبة في إحراق الخليج.
  • ثلث السكان في إيران ينتمون إلى أقليات عرقية ومعظمهم مع قرار وقف الحرب.
  • أيها المصرون على استمرار هذه الحرب... من سوف يستثمر الحرب غير الاستعمار والصهاينة؟
  • الشعوب والتنظيمات الإسلامية في الساحة العربية سجلت موقفًا مشرفًا في إدانة أنصار التأزيم العسكري والتعنت اللاسلمي في الخليج.

هذه النار الشابة في الخليج الملتهب... هل تقدر الشعوب على إطفائها بعد فشل كل الدبلوماسيات السياسية في الضغط على إيران للموافقة على مبادرة العراق في وقفها؟

ربما يعتقد بعض المحللين الإسلاميين أن الموقف الشعبي الإسلامي الدولي من هذه الحرب يحمل تأثيرًا خفيًّا على سياسة طهران لا يقل عن تأثير المكوك الدبلوماسي الدولي الذي يعلن أنه يعمل من أجل إطفاء هذا الحريق.

أولًا: كيف سيؤتي الأثر الشعبي ثماره؟

لعل شعب إیران نفسه هو أول من تأثر بأوزار هذه الحرب... فعلى الأقل تأتي الإصابات الشهرية في صفوف الشعب المجند على الجبهة أقل من الإصابات العراقية بأربع مرات... وإذا كان للزخم الذي ينفخه الساسة ورجال الدين بعض الأثر سابقًا يؤثر في تجنيد القوات الشعبية لتقف إلى جانب الجيش النظامي الإيراني. واقع الحال في الصفوف الشعبية الإيرانية لم يعد بالروحة والثقة السابقتين أمام تحريك الساسة ورجال الدين هناك، ولعل ثمة دلائل كثيرة تؤكد هذه الحقيقة؛ ومن ذلك:

أولًا: الانتخابات:

الانتخابات الإيرانية البرلمانية وما أفرزته من نسب متغايرة إلى حد بعيد مع الانتخابات السابقة قبل أربع سنوات، فقد ثبت:

١- أن كثيرًا من الناخبين الإيرانيين لم يدلوا بأصواتهم في هذه الانتخابات، وذلك بمجمل دلالة الإضراب ضد الإجراءات الرسمية الداخلية، وقد نقل بعض المراقبين أن نسبة تتجاوز ثلث الناخبين لم تدل بأصواتها في تلك الانتخابات.

٢- لوحظ على إثر الانتخابات أن أصوات دعاة الحرب من المرشحين كانت أقل بكثير من أصوات مؤيدي «خلافة منتظري» الذي اتخذ قراره سابقًا وطالب مراكز القوى الحاكمة بالعمل على وقف الحرب والنظر في المبادرة العراقية. وقد يعتقد كثير من المراقبين أن فوز رافسنجاني في الانتخابات الأخيرة هو فوز كاسح لأحد الصقور الذين ينادون باستمرار الحرب. لكن هناك مراقبون آخرون يعتقدون أن البيعة السرية بين «رافسنجاني ومنتظري» على خلافة الخميني هي التي ستحدد توجه رافسنجاني لدى مشاركته في اتخاذ القرارات السياسية الحالية في إيران، ولا سيما ذلك القرار الذي يتعلق بوقف الحرب أو استمرارها.

على أننا لا ندعي أن حسين منتظري سيكون صمامة السلام التي ستوقف الحرب فورًا في الخليج، وإنما تميل إلى أن نجاح كثير من أنصاره في الانتخابات سيؤثر في قدرته على طرح تصوره أمام كل مراكز القوى الإيرانية. وهي تصورات ما زالت تميل إلى نسبة من الرغبة في إطفاء بعض لهب الخليج الحالي.

ثانيًا: أثر الأقليات الشعبية العرقية:

هناك -على الأقل- حوالي عشرة ملايين نسمة تعيش في إيران من أصل «41» مليون هو تعداد السكان الإجمالي، وهذا يعني أن ربع السكان هم أكراد وعرب وتركمان وغير ذلك.

١- ففي إحدى الإحصائيات ورد أن تعداد الأكراد في إيران يكافئ خمسة ملايين نسمة. ومن العرب يزيد على 3.5 مليون نسمة. ولا تقل نسبة التركمان في إيران مع الأقليات الطفيفة عن نسبة العرب إلا قليلًا.

2- وباستنباط موقف هذه الأقليات من الحرب نقف على أن معظم أبنائها ومعظم زعمائها السياسيين يعرقلون كثيرًا من قرارات نظام طهران؛ لأن هنالك ثأرًا بين تلك الأقليات وبين أتباع الخميني لا تستوعب هذه العجالة لشرحه فضلًا عن كونه قضية معروفة.

ولقد كان لشريعتمداري -تركماني الأصل- وهو ممن ساهموا مساهمة فعالة في إسقاط الشاه، مواقف معارضة لا تحصى من سياسة طهران بعد سقوط الشاه.

أما عبد الرحمن قاسملو، وهو زعيم كردي، فإنه يتحرك مع كثير من أتباعه في الشمال لعرقلة السياسة العسكرية لإيران. وهذا سر كون جبهة الشمال هي الجبهة الباردة بين إيران والعراق.

وأما السكان العرب في شرق إيران فلعل موقفهم المضغوط أمام تواجد القوات الإيرانية في أراضيهم المحاذية لجبهة الحرب لم يتمكنوا حتى الآن من اتخاذ دور ما في ساحة القتال. ولكن فئة من العرب تكرر دائمًا شجبها للحرب ومعارضتها لسياسة حكام طهران، وذلك عبر بعض الإذاعات المحلية وبعض وكالات الأنباء الخارجية.

ثالثًا: وفئات من الجنس الإيراني أيضًا:

١- وهي فئات وأحزاب سياسية وعسكرية معروفة، ولعل الفئة المسماة بـ«مجاهدي خلق» كانت أكثر الجبهات الإيرانية الداخلية عرقلة لسياسة طهران المتعلقة بكثير من القضايا الأساسية، ومنها قضية الحرب في الخليج.

٢- الشيخ طهراني الذي يمكن أن يكون له أتباع لا يستهان بقدرتهم داخل إيران، ولهؤلاء تحرك سياسي مكثف في قارات العالم المختلفة ضد سياسة طهران الحالية ومشكلة الحرب في الخليج.

٣- جماعة الحجتية وصراعها مع الجناح الحاكم في طهران. وكانت هذه الجماعة ساهمت مع الحكومة القائمة في تصفية حزب تودة الشيوعي، لكنها اتخذت بعد ذلك مواقف عدائية كثيرة لقرارات الحكومة في طهران. ويرأس هذه الجماعة الشيخ محمود الحلبي عن «قم». وقد تخلى عن المشاركة في الحكم قبل شهور قليلة. وتحالف بعد أن نفى نفسه إلى «قم» مع مراكز القوى الدينية المعروفة بعدائها ونقدها الشديد للسياسة القائمة، ومن ذلك موضوع الحرب في الخليج.

ولا يستهان بقدرة هذا الجناح على التأثير في القرارات السياسية لطهران في المستقبل المتطور، فللحجتية ارتباط وثيق بـ:

1- مراكز القوى في البازار الإيراني الذين يتململون حاليًا من استمرار الحرب.

2- بعض الملالي الذين يقفون إلى جانب البازار بشكل معلن ومنهم «مرعشي- ونجفي- وقمي- وكلبا ذكياني» هؤلاء الذين أعلنوا مؤخرًا أن الحكومة تريد أن تجعل من البازار محرقة تضحي بها الحكومة لتغطية فشلها. ويمكن للقارئ أن يراجع توسعًا في هذه النقطة في عدد المجتمع رقم «٦٦٧» مقال «إيران في الطريق إلى انقلاب عكسي».

وإذا كنا في هذه العجالة قد استعرضنا بعض مواقف الفئات الشعبية في إيران، فلا يعني أننا حصرنا معارضي السياسة القائمة في اتحاد إیران، فهناك جناح مهدي بازركان، ثم هناك داخل صفوف الفئة الحاكمة بعض مراكز للقوى معارضة لبعض جوانب السياسة القائمة وأهمها الحرب. وقد ضربنا منتظري وأتباعه والمتحالفين معه مثالًا كبيرًا على ذلك.

ولعل لكثير من المراقبين من الذين يميلون إلى مصداقية تشابك هذه المعادلات أن يتوقعوا تمحور الحرب باتجاه البرود التدريجي في الخليج، ولعل هنالك إشارات دبلوماسية لم تعلن حتى الآن تدعم هذا الرأي.

لكن، هل يمكن الزعم بأن الأثر الشعبي سيكون ذا دور قطعي في وقوف حرب الخليج؟

لعل من يجيب على هذا السؤال يحبذ استعراض الأوضاع العسكرية القائمة على الجبهة، حيث يقتل في الشهر أربعة أضعاف ما يخسره العراق من قواه البشرية... ويحبذ أيضًا استعراض الواقع الاقتصادي داخل مدن إیران ومقاطعاتها الكبيرة.

ولعل ما يفيد صاحب الإجابة في هذا الموطن أن يتذكر حالة التقلص في عدد القوات المسلحة الإيرانية النظامية قبل الحرب، وبسبب المشاكل الثورية الداخلية إلى مائة ألف جندي فقط، بعد أن كان المتوقع أن تجند إیران ما يزيد على عشرات أضعاف هذا الرقم.

وإذا كان وضع إيران تحسن قليلًا قبل سنتين، فإن الموقف الداخلي تجاه بعض الفئات والأحزاب والطوائف والأطراف ضعف نسبة الذين يدعمون الجانب الإيراني بالسلاح، كالاتحاد السوفيتي الذي رأى نفسه فجأة في موقف حرج مع طهران بسبب تصفية حزب تودة. وكان «تودة» منذ بداية الثورة على الشاه واحدًا من القوى الحزبية المتحالفة مع «الخميني» من أجل إسقاط الشاه... ومن ناحية أخرى يجمع كل المراقبين أن الاتحاد السوفيتي كان يخطط داخل إیران وخارجها ليحصل تودة الشيوعي على نسبة عالية من إرث الخميني في حكم إيران... ويعتقد المراقبون أنه لم يبق للإيرانيين من حليف سوى نظامي سوريا وليبيا!

ولعل لهذين النظامين ظروفًا «جغرافية- أو اقتصادية- أو سياسية داخلية» تحول دون تورطهما في جبهة القتال إلى ضد العراق إلى جانب إیران.

وإذا كانت القدرة العسكرية اليوم للإيرانيين تتدرج سلبًا، فإن الخسائر المادية والبشرية تشارك التدرج السلبي للقدرة العسكرية في موقف شعوب إيران من هذه الحرب مع الرغبة بالخلاص منها.

فلقد خسرت إیران وبشكل تقديري حتى الآن ما يقرب من «ربع مليون» مقاتل، أغلبهم من الشباب، ويقترب عدد الأسرى الإيرانيين من مائة ألف، إضافة إلى ما لا يقل عن «١٥٠٠» دبابة و«٣٠٠» طائرة. أما مصروفات الحرب فتبلغ «1.5» مليار دولار شهريًّا، وذلك بحسب أكثر الإحصائيات المحايدة اعتدالًا.

ترى ما أثر هذا الواقع المادي الشامل على الجماهيرية الإيرانية لوقف الحرب في هذا الخليج المشتعل؟!

وختامًا:

ولا بد لنا هنا من رفع صوت شعوب العالم الإسلامي وسائر الشعوب الأخرى... أن أوقفوا هذه الحرب الشرسة التي برزت نتائجها الوخيمة في المنطقة منذ بدايتها، والسؤال الموجه لأنصار الحرب في نظام طهران:

من يكسب هذه الحرب؟ ومن سوف سيستثمرها حتى زمن طويل؟

لا شك أنه الاستعمار... ولا شك أنها الصهيونية.. ولذلك لا بد من أن نصرخ في وجوه أولئك: «النار التي تحرق هذا الخليج يجب أن تنطفئ».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4363

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين