العنوان بريد المجتمع (العدد 1039)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1993
مشاهدات 64
نشر في العدد 1039
نشر في الصفحة 60
الثلاثاء 23-فبراير-1993
الحضارة والمثل الأعلى (أسباب تخلف
المسلمين)
إن كل حضارة تقوم- في شرق الأرض أو غربها- تقوم على مبادئ وأسس، فلو
نظرنا إلى الحضارات خلال الأزمنة، نجدها قامت على الجانب المادي فقط دون أن يكون
هناك مثل أعلى ترجع إليه، وأقول: رغم أن هذه الحضارات قد اندثرت، فلم يكن السبب
الحقيقي في سقوطها إهمالًا أو انحرافًا عن خطها من قبل أبناء هذه الحضارات، ولكن
السبب الحقيقي أن هذه الحضارات تحمل في ذاتها عوامل الفشل، تحمل في ذاتها الأمراض
والعلل، هذا بعكس الحضارة الإسلامية التي تحمل في ذاتها الازدهار والتقدم، إلا أن
أبناءها وللأسف قد تخاذلوا؛ فأصبحت الأمة الإسلامية في ذيل الأمم، وتحقق فينا قول
رسول الله صلى الله عليه وسلم: «توشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى
قصعتها..»، وصدق قول الشاعر:
وأصبح لا يرى في الركب قومي *** وقد عاشوا أئمته سنينا
ترى هل يرجع الماضي فإني ***
أذوب لذلك الماضي حنينا
وتكالب علينا الأعداء من كل حدب وصوب؛ حتى إنك لا تجد أي بقعة يسكنها
مسلمون إلا وتجد جرحًا داميًا، وإني لأعتقد أن الجزء الأكبر من الإثم الذي يرتكب
في حق هذه الأمة يتحمله المسلمون الذين يدعون الإسلام وهم موالون للغرب في كل شيء،
في استيراد المناهج والتبعية الاقتصادية، وتقليد المجتمع الغربي، وأنى لهذه الأمة
أن تتقدم بهذه المناهج التي تختلف فحواها مع أيديولوجية هذه الأمة، وقد يسجل
التاريخ نقطة هامة في حياة هذه الأمة، وهي رغم الصراع الدامي لتحويل المسلمين عن
عقيدتهم، فإن المسلمين مصرون على الانتماء راغبون عن التحول.
إلا أن هناك خطرًا كبيرًا يأتي من تقبل فكرة التقليد للحضارة الغربية
الذي يساق لها المسلمون بأساليب الغزو الفكري، فإن مجرد تقبل التقليد يعني أن
الرصيد الذاتي قد اهتز، وما أعظم ما قاله محمد أسد إذ يقول: «ما دام المسلمون
مصرين على النظر إلى المدنية الغربية على أنها القوة الوحيدة لإحياء الحضارة
الإسلامية الراكدة؛ فإنهم يدخلون الضعف على ثقتهم بأنفسهم، ويدعمون بطريقة غير
مباشرة الزعم الغربي القائل بأن الإسلام جهد ضائع»
لذا فإني أنادي المسلمين جميعًا- حكامًا وشعوبًا- أن يرجعوا إلى ربهم؛
حتى تعود للأمة الإسلامية حضارتها ومجدها؛ لتحكم العالم من جديد، فقد خسر العالم
الكثير بتخلف المسلمين، واقرؤوا- إن شئتم- كتاب ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟
للأستاذ أبي الحسن الندوي.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته محمد عبد الستار السعودية
عظة سبط ابن الجوزي (جهاد
الصليبيين)
وقف سبط ابن الجوزي يخطب في الناس يوم الجمعة، يستحثهم لجهاد
الصليبيين الذين عدوا على العالم الإسلامي؛ فخطب خطبة حروفها من نار، تلذع أكباد
من يسمعها، وتدمي قلوب من يعيها، فكان مما قال:
«يا من حكم أجدادهم بالحق أقطار الأرض، وحكموا هم بالباطل في ديارهم
وأوطانهم، يا أيها الناس، مالكم نسيتم دينكم، وتركتم عزتكم، وقعدتم عن نصر الله
فلم ينصركم، وحسبتم أن العزة للمشرك، وقد جعل الله العزة لله ولرسوله وللمؤمنين!!
أما يهز قلوبكم، وينمي حماستكم أن إخوانًا لكم قد أحاط بهم العدو، وسامهم ألوان
الخسف؟ أفتأكلون وتشربون وتنعمون، وإخوانكم هناك يتسربلون باللهب، ويخوضون النار،
وينامون على الجمر؟
ثم صرخ في الناس: «تصدعي يا قبة النسر، وميدي يا عمد المسجد، وانقضي
يا رجوم، لقد أضاع الرجال رجولتهم».
هكذا كان إحساس السلف- رحمهم الله- بمعنى الجسدية الواحدة للإخوان في
كل مكان، والتي صنعها الإسلام، وحفظها سلفنا وأضعناها، فمن يوم جعلنا للنصارى
علينا سبيلًا، فأخذ الصرب ومن عاونهم يقتلون بكل بشاعة، وينتهكون بكل وقاحة إخوة
لنا في العقيدة، وكان كل ما فعلناه أن صرخنا: يا هيئة الأمم.
خالد بن إبراهيم العباس
ردود خاصة (حول سوء الفهم وسلامة
النية)
- الأخ/
محمد علي حسن الفرلو– الدوحة- قطر العبارة
التي قرأتها في مقال «هموم الوطن تلاحقنا في الغربة» في العدد 1033 ليس فيها
إساءة للصومال، وربما كان شعورك هذا نتيجة العاطفة الخاصة التي يكنها الإنسان
لوطنه.. فالكاتب ذكر- في معرض تعليقه على الاحتفال الذي أقيم لجمع التبرعات
لصالح الأسرى- العبارة التي أثارت حفيظتك وهي... هل نحن في الصومال، يعني أن
الكويت بلد ميسور، وقد أنعم الله عليه بالخير الكثير، وليس بحاجة إلى جمع
التبرعات كما هو الشأن بالنسبة للصومال. ولم يخطر ببال الكاتب- ولا يُفهم من
كلامه- وصف الصومال بالفساد، نرجو أن نكون بذلك قد أزلنا اللبس، ولا يفوتنا
تذكيرك بقراءة المقال مرة ثانية؛ ليتجلى لك الأمر.
- الأخت/
أم طارق- السعودية تعلمين أن الصورة أريد بها التدليل على
انحراف الأبناء في حال إهمال الأبوين مع وجود رفقة السوء، وليس المقصود تشجيع
الأطفال على التدخين، وإن كان الطفل لا يأخذ من الصورة غير هذا.. شكرًا
لتنبيهك واهتمامك، ونعتذر عما سببناه لطفلك، ونعدك ألا نكرر مثل هذه الصورة،
مع رجاء إخبار طفلك بأن الصورة لولد شرير، ونحن لا نريد له أن يتشبه به،
وإنما أن ينشأ نشأة صالحة في رعاية أبويه الكريمين.
- الإخوة/
عبد الله عبد الرحمن– السعودية / محمد أحمد الظاهري- السعودية / محمد بن عبد
العزيز التركي– السعودية نشكركم جزيل الشكر لحرصكم على نقاء مجلتكم،
أما عبارة «أمدته الطبيعة» التي وردت في إسهام أحد القراء بصفحة الاستراحة،
فأغلب الظن أن القصد منها ذكر السبب المباشر، كما نقول: عالجه الطبيب، وشفي
بعد أخذ الدواء، مع أن المعالج والشافي هو الله عز وجل. وإن كان الاستغناء عن
مثل هذا التعبير أولى، لئلا يشكل على بعض القراء، ولئلا نحاكي بألفاظنا كلام
الملحدين أو الدَّهريين، الذين يعتقدون أن الطبيعة هي السبب الأول لوجود
الأشياء، وهذا كفر صريح؛ لأن الله هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل
شيء عليم.. وقد سبق لمحرر الصفحة المذكورة الاعتذار، وفي الختام نشكر الأخ
محمد بن عبد العزيز التركي على اقتراحاته الطيبة.
في الطريق إلى الجنة (مذكرات
الشهيد أسامة منصوري)
أبو عبد الرحمن «أسامة منصوري»
لقد ترددت كثيرًا في كتابة هذه الكلمات خوفًا من الرياء والسمعة،
ولعله كان تلبيسًا من إبليس الرجيم، فبعد وقوفي على عبارة للشيخ/ عبد الله عزام في
أن تاريخ الشهداء ليس ملكًا لهم، بل ملكًا لأبنائهم؛ حتى يقتدوا بهم، وملكًا للأمة
عامة حتى تضع مثل هذه البطولات والأعمال الجليلة نبراسًا لتقتدي بهم، وتتأسى
بأفعالهم.
انطلاقًا من هذا أكتب بعض المذكرات عن رحلة الجهاد في أرض البوسنة
والهرسك، انطلقت فيها رفعًا لراية التوحيد، ونصرة لإخوة الدين، ولعلي أبدأ برفيقي
في الرحلة أبو عبد الرحمن المدني «أسامة منصوري»، وهو من خريجي جامعة البترول
والمعادن، ومدرس لمادة الرياضيات بثانوية العقيق بالمدينة المنورة، من أبطال
الجهاد في أفغانستان والبوسنة، شارك فيها بجسمه وروحه، وشارك في الجهاد والمقام في
كشمير وأرتيريا.. بماله وكلمته، فلقد تكلم كثيرًا عن طلب الدعاء للمجاهدين في كل
مكان، وكم تبرع لهم بالأموال.
رحمك الله- يا أبا عبد الرحمن- كان كثير العمل، كثير الصمت، لا تكاد
تسمع له رأيًا أو كلمة إلا فيما يفيد وينفع، كان كثير التلاوة لكتاب الله، مجيدًا
لأحكام التجويد، ولعل أبرز ما لاحظته عليه هو بعده عن مواطن الرياء، فمن ذلك قيامه
بالليل بعد نوم الجميع.
كنا في بيت الضيافة في كرواتيا، وأصابني بعض القلق، فلم أستطع النوم،
فلما نام الجميع، إذا به يقوم ويصلي من الليل ما شاء الله، ثم يعود إلى مكانه، غفر
الله لك- يا أبا عبد الرحمن- فلقد تعلمنا منك الكثير.
وكثير من الناس لا يعلم أن النهار في البوسنة يصل إلى 18 ساعة، ولكن
المجاهد الفذ أبا عبد الرحمن كان كثير الصيام لهذه الأيام، وقليل من يعرف عنه ذلك،
وذلك يذكرني بقول عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- لولا الصيام في الهجر والإخوان في
الله ما أحببنا الدنيا.
ومرة أخرى في إحدى العمليات المضنية التي استمرت قرابة اليوم والليلة
بدون نوم، والتي نال منا التعب كل منال، ثم في طريق رجوعنا سقط بعضنا في النهر،
وابتلت ملابسنا، وكان البرد شديدًا قارسًا؛ حتى إنني لا أستطيع أن أوقف حركة
اصطكاك أسناني ولو بيدي من شدة البرد، ثم عثرنا على غرفة من غير باب، وذات فتحة من
غير شباك، ولكن كانت بالنسبة لنا غنيمة، فأوينا إليها مع ذلك البرد القارس، وأذكر
أن الإخوة المجاهدين أخذ كل منهم جانبًا ونام، ثم بعد ما يقرب من ساعتين استيقظت
من شدة البرد، فإذا بالبطل أبي عبد الرحمن يتجول كالأسد الهصور حول الغرفة حارسًا
للمجاهدين، فلكم عظم في عيني- رحمه الله- ثم إني لم أستطع القيام من شدة البرد،
فناديت عليه فأبى أن يأتي للنوم بحجة أنه لا يستطيع النوم من البرد، وظل يحرسنا
حتى صلينا الصبح جماعة، رحمك الله يا أبا عبد الرحمن.
استشهاده رحمه الله
بعد عودتنا إلى المعسكر، مكثنا عددًا من الأيام في استقبال المجاهدين،
والإشراف على بيت الضيافة، ثم قرب موعد سفر أبي عبد الرحمن إلى أهله، فأخذ يعد
العدة للرجوع، فأخبرته عن عملية كبيرة ستتم على سراييفو، وستأخذ فترة طويلة،
وسيذهب وقت حجزنا، فلنبِعه لله، فوافق وباع حجزه لله، ولكنه قال: القيادة لن توافق
على ذلك، لأنه عائد من عملية قبل يوم، فقلت له: إني سأتكلم مع القيادة في هذا،
ويشاء الله أن توافق القيادة، ولكن في أثناء التوزيع جاء اسمه في مجموعة الميسرة،
فذهبت وكلمت القيادة لكي يأتي معي في مجموعة الاقتحام، فوافقت القيادة، والحمد
لله، ثم جاء الأمر بالانطلاق، وكانت الخطة هي مباغتة الأعداء من خلال مجموعة
الاقتحام، ومحاولة إنهاء العملية، وإذا حصل خلل تكمل العملية الميمنة والميسرة.
ولكن قبل أن يتم الاقتحام جاء قائد العملية، واختار مجموعة أخرى
للاقتحام، فانصعنا لأمره، فتم الاقتحام لخط النار الأول، وتأخر عنا، فتقدمنا
للتغطية ثم عند آخر نقطة آمنة أمرت الشباب بالمكوث لكي آتي لهم بالخبر، فمكث
الشباب، ولما دخلت إلى الخط الأول، وجدت هناك عددًا من الشهداء، فأخذت أحدهم بأمر
الأمير، ورجعت، ثم إذ بي أفاجأ بأبي عبد الرحمن بجانبي في الخط الأول، فتعجبت منه،
ثم جاء الأمر له ولمجموعة أخرى بتغطية انسحاب الشباب، ورجعت أسحب الجثة، واستعنت
بأحد الإخوة في نقطة شبه آمنة، وضعنا الجثة وأخذنا أسلحة، ورجعنا لمساندة الإخوة
في الخط الأول، وفي أثناء رجوعنا جاء أحد الإخوة قد أصيب بفخذه في الخط الأول،
وقال لي: إن أبا عبد الرحمن قد قُتل، فتقدمنا إلى الخط الأول، وأخذنا نساند الإخوة
حتى تمت العملية ولله الحمد.
رحمك الله- يا أبا عبد الرحمن- وتقبلك في عداد الشهداء.. آمين.. آمين.
أبو طلحة الأنصاري محمود حامد خليل