; أنطونيو في بغداد | مجلة المجتمع

العنوان أنطونيو في بغداد

الكاتب د. علي محيي الدين القرة داغي

تاريخ النشر السبت 10-مايو-2003

مشاهدات 64

نشر في العدد 1550

نشر في الصفحة 34

السبت 10-مايو-2003

إلى متى تضللنا الرايات والأهواء والشعارات؟ ومتى نتعظ من التجارب؟ ونتعلم من السنن؟

 تتكرر مآسي الأمة على مختلف الجبهات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية والعقدية، وتزداد المصائب عليها يومًا بعد يوم، ويتكالب على أبنائها الأعداء، وتتداعى عليهم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، وهم قد فاقوا مليارًا وثلاثمائة مليون نسمة، ويملكون قوى عظيمة لا توجد لأي أمة أخرى: قوة جغرافية حيث تقع بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب، ويملكون معظم الممرات المائية والمضايق، فلا مرور ولا عبور دون الأراضي الإسلامية، والأجواء الإسلامية والمياه والبحار الإسلامية، كما يملكون معظم مواد الخام من البترول، والحديد، والغاز، ونحوها، وفي داخل أراضيهم أكثر من ثلثي احتياطي العالم من البترول الذي هو شريان الحياة، والعمود الفقري للحضارة الغربية والمادة الأساسية للتقدم التكنولوجي في الغرب، وبدون البترول تتعطل كل وسائل الرفاهية والتقدم الغربي. 

 ومع كل ذلك فأمتنا اليوم تقع في قائمة الدول النامية المتخلفة، وبينها دول تصنف دوليًا ضمن الدول الفقيرة المعدمة التي تعيش على الصدقات والتبرعات، وينهش في أجسامها الفقر والجهل والمرض والتخلف، وتفتك بها الحروب الداخلية والإقليمية والدولية.

 ومع كل هذه الظروف السيئة وضعت على قلب الأمة دولة صهيونية احتلت «فلسطين»، وشقت طريقها خلال حوالي نصف قرن؛ لتصبح أقوى دولة في المنطقة سلاحًا وعتادًا وتقدمًا تكنولوجيًا، وبقي العالم العربي حولها يعيش صراعاته الداخلية والفكرية، والأيديولوجية، والقومية، والقبلية.

 ويستفيد ضعاف النفوس من العملاء من هذه الأوضاع السيئة، فتقام انقلابات عسكرية لتزيد الطين بلة ويزيد الأمر سوءًا، وتعمل القبعات والأحذية عملها في إذلال الشعوب المظلومة المقهورة فتتفنن في وسائل التعذيب، وتتقدم تقدمًا رائدًا ومبدعًا في أنواع الإيذاء والإذلال، حتى يعوض هذا التقدم ما فات المسلمين من التقدم العلمي والتكنولوجي، فصدق عليهم شعر شيخنا القرضاوي الذي هو أحد شهود العيان المجرب فيهم هذه الأنواع والمشاهد، حين وصف هول ما جرى له وشاهده في السجن الحربي بمصر أيام حكم عبد الناصر.

 وأنا أقول لشيخنا: إن الثوريين الذي جاءوا في الستينيات -كالنظام البعثي في العراق- قد استفادوا تمامًا من كل ما فعله إخوانهم في مصر، وغيرها تطبيقًا لقوله تعالى: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ (الذاريات: 53).

 بل إن التقدم التكنولوجي في مجال التعذيب قد استمر بقوة، وإن التفنن في وسائل الإيذاء قد خطا خطوات عظيمة، وإن عراقنا العظيم في عهد النظام الصدامي قد علا وفاق كل التصورات، حيث استطاع أن يكرم شعبه بتطبيق أسلحة الدمار الشامل عليهم في حلبجة وغيرها، فهم أولى بهذا التكريم من غيرهم، بل لم يستعمله ضد الأعداء من الصهاينة والغزاة «أسد علي وفي الحروب نعامة»، رحمة بهم «رحماء بالكفار أشداء على المسلمين المواطنين أحفاد صلاح الدين».

ابتكار وتجديد!

 ويشهد على هذا التطور في التعذيب والإيذاء الوسائل الجديدة التي استعملت لأول مرة في العراق، واستوردت من مختلف دول العالم الاستبدادي ومنها كوبا، وصربيا، ورومانيا وألمانيا الشرقية في «السابق»، وأدخلت فيها أيدي التقدم تعديلات رائدة في مجال التعذيب، إضافة إلى فن آخر لم يكن موجودًا هو شعار «راية الأنفال» الذي رفع عام،۱۹۸۸ وفي ظله تم تدمير القرى والمدن وأخذ رجالاتها، حتى وصل عدد القرى والمدن الصغيرة التي هدمها النظام الصدامي إلى حوالي أربعة آلاف قرية، والأشخاص الذين قبض عليهم ولا يعرف عن مصيرهم شيء ( ۱۸۲،۰۰۰) شخص، وثمانية آلاف رجل من عشيرة البرزاني سلموا أنفسهم في عام ۱۹۸۲ بناء على عفو عام، ثم وضع لهم مخيم في صحراء أربيل، ثم جاء الأمن فأخذ جميع رجالاتهم ولم يترك لهذه العوائل رجلًا واحدًا، ولا يعرف مصيرهم إلى اليوم، وقد تركت النساء بالآلاف في ذلك المجتمع دون رحمة، وكان الإنسان يرى فرعون قد عاد ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ (القصص: 4). 

 فن آخر أحدثه النظام الصدامي وهو التهجير وإخراج الكرد والتركمان من كركوك، وإحلال غيرهم بالوسائل المغرية مكانهم، حيث كان يعطي لكل عربي منزلًا ومبالغ كبيرة ووظيفة إذا ذهب إلى كركوك، واغتصب أرض أخيه في الإسلام، ولكن للحقيقة يقال إن العرب الشرفاء في العراق لم يقبلوا بهذا الاغتصاب.

وقد نال ظلم صدام وملئه معظم العراقيين، ولكن على درجات متفاوتة وطبقات مختلفة بعضها فوق بعض من العرب والكرد والسنة والشيعة، ثم بعدما فاض الظلم الداخلي مع النصرة الخارجية والعون الدولي وصل ظلم صدام وملئه إلى إيران الإسلامية طوال ثمانية أعوام، وراح ضحية ذلك حوالي مليون ونصف المليون من القتلى والجرحى والمعوقين، ومئات المليارات من الدولارات من أقوات الشعب في حرب عبثية وبعثية، لا طائل تحتها إلا كما قال وفيق السامرائي: القيام بواجب النيابة عن أمريكا، حيث صرح لقناة «الجزيرة» بأن المخابرات الأمريكية في بغداد هي التي تدير الحرب، ولكن بأرواح العراقيين وأموالهم. 

ثم لم يكتف صدام بذلك فغزا الكويت، واحتلها في ۱۹۹۰/۸/۲۸ وعاث هو وجنوده فيها فسادًا، مما أدى إلى قيام تحالف دولي لطرده، بعد محاولات كثيرة لخروجه منها سليمًا، فراح ضحية ذلك عشرات الآلاف من الجنود الأبرياء، وتحطمت الآلاف من الدبابات والمدرعات، والمدافع، والآليات، والطائرات.

 هذا ما فعله النظام الصدامي في العراق على مستوى الشعب الذي أنهكته الحروب الداخلية والظلم، وأثر العنف والإرهاب والإذلال في فطرة بعضهم ونفوسهم، بل علم معظم أتباعه وجنوده النهب والسرقة، من خلال تشجيعه على نهب أموال الكرد في الأنفال وغيرها، ثم نهب المدن التي احتلها في إيران: مثل قصر شيرين التي لم تبق فيها حتى نوافذ البيوت وأبوابها، ثم ما شاهدناه من نهب كل شيء في الكويت، ثم وأخيرًا داخل العراق، فهؤلاء الذين ينهبون هم أتباع النظام الذين باعوا أنفسهم له.

هذا هو صدام الذي رفع شعار الجهاد واغتر به الكثيرون، حتى إن أحدهم -وهو من أهل العلم الشرعي أيضًا- جاءني يقول: ادع لصدام حسين، فقلت له: لا أدعو له، لأنه ظالم، والظالم لا يفلح، فكيف ينصر الله تعالى هذا الظالم الفاجر الذي فعل كذا وكذا؟ وقلت: أنا أدعو بنصر الإسلام والمسلمين على الكفر والكافرين وإذلال الشرك والمشركين وإبادة الطواغيت من الكفرة والظلمة، سواء كانوا كفارًا أو ممن ينتمي إلى المسلمين، وقلت: من يقرأ القرآن الكريم بتدبر يعلم علم اليقين أن من سنن الله تعالى إهلاك الظالمين إذا وصل الظلم إلى مرحلة معينة، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود: 102)

 

الاغترار بالشعارات

ومع الأسف الشديد تتكرر معنا مأساة الاغترار بالشعارات دون النظر إلى واقع الشخص وحزبه مرات عديدة، بل يكاد ينطبق علينا قوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (التوبة: 126)، أي أنهم لا يتضرعون إلى الله تعالى بالتوبة والعودة الحقيقية إليه وإلى الدين القويم، ولا يفكرون أيضًا في أسباب هذه الفتن والمصائب والمآسي العظام، ولا يبحثون عن الخلل الموجود الذي أدى إليها، بل يغفلون عن هذين الأمرين، أو عن أحدهما، أو لا يستفيدون من الدروس المطلوبة التي يريدها الله تعالى من مثل هذه الفتن والمصائب، وحينئذ تتكرر هذه الفتن في أخذها كل عام مرة أو مرتين.

 إن من سنن الله ربط الأسباب بالنتائج، وما حدث لهذه الأمة هو بسبب تقصيرها، وعدم أخذها بسنن الله تعالى في النصر والتمكين، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: 165) بل إن الله تعالي يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (الشورى: 30)

ولكن مع الأسف الشديد كلما حدثت فتن ومصائب اتجه معظم الناس إلى الشعارات البراقة فاغتروا بها، ولم يفكروا بأن هؤلاء الذين رفعوا الشعارات هم السبب فيما أصاب الأمة من مصائب، بسبب أفكارهم وأيديولوجياتهم التي تبنت أفكارًا غير إســلامــيــة فـرقـت الأمة، ومنهـا أيديولوجية البعث التي تبنت القومية العلمانية الانقلابية، وأن القومية هي الرابطة الوحيدة القائمة، واستبعاد الدين عن شؤون الحياة، وأن الدين هو مجرد علاقة روحية بين الإنسان وربه.

 ومع هذا الفكر، وكل ما فعله النظام البعثي الصدامي بالشعب العراقي، وبإيران، وبالكويت، بل بالعالم العربي والإسلامي وما تسبب فيه من وجود الدول الأجنبية في المنطقة، ظل معظم الجماهير والمثقفين مغترين بالشعارات التي رفعها النظام في حروبه الأربع، فاغتر البعض في حربه الأولى ضد الأكراد؛ لأنه يحمي القومية العربية، وفي حربه الثانية ضد إيران؛ بأن صدام حسين حارس البوابة الشرقية، واغتر بحريه الثالثة ضد الكويت؛ بأن عمله هذا خطوة نحو الوحدة العربية، وفي حربه الرابعة بأنه سيكون قاهر الصليبيين ومحرر القدس للمسلمين، والحقيقة أنه ينطبق على صدام وأمثاله ما ذكره الشاعر الأديب أحمد شوقي في مسرحيته، حول ملك أنطونيو الذي جاء محتلًا لمصر، فانخدعت به كيلوبترا فعشقته وضاعت بسبب ذلك إمبراطوريتها، ثم دخلا القصر للاستمتاع وظن الشعب أن الإمبراطور هو الذي استسلم لها، فظلوا ينشدون ويصفقون فرحًا فقال «حابي» أحد رجالات القصر، يخاطب «ديون» زميله في مكتبة القصر، حينما رأى العامة ينشدون فرحًا:

  اسمع الشعب «ديون»
          ملأ الجو هتافًا
          أثر البهتان فيه
          يا له من ببغاء

 

        كيف يوحون إليه
               بحياتي قاتليه
               وانطلى الزور عليه 
               عقله في أذنيه

 

ثم قال «ديون»:

هداك الله من شعب بريء                   يصرفه المضلل كيف شاء

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل