العنوان تركيا .. لعبة شد الحبل بين الرفاه والعسكر
الكاتب مصطفي الطحان
تاريخ النشر الثلاثاء 13-مايو-1997
مشاهدات 71
نشر في العدد 1249
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 13-مايو-1997
- إنجازات أربكان وراء الحملة العسكرية والسياسية عليه.
- شعبية الرفاه زادت من 23 إلى 30% رغم كل الضغوط.
- سر ثورة الصحافة التركية على حكومة أربكان.
تصاعدت في أنقرة حمّى التوترات على الساحة السياسية التركية.. فقد ارتفعت نبرة الصحافة العلمانية «وهي التي لم تهادن حكومة الرفاه للحظة واحدة» وتعالت صيحات رؤساء الأحزاب اليمينية وفي مقدمتها حزب الوطن الأم بزعامة مسعود يلماظ، واليسارية وفي مقدمتها حزب اليسار الديمقراطي بزعامة بولنت أجاويد، وحزب الشعب الجمهوري بزعامة دينيز بيقال، وانضم لهؤلاء أركان السلطة العسكرية المتمثلة في قيادات الجيش، والأمن، والمخابرات، والتي تعتبر نفسها صاحبة الدولة، وموجدتها، وحامية مبادئها، والمتصدية لكل من يحاول الاقتراب من قدس علمانيتها، وانضم لهؤلاء بعض المنظمات الأخرى المرتبطة بالمؤسسة الاقتصادية التي كانت وماتزال تسيطر على البنوك، وتتحكم بالشركات الكبرى، وتمتص ما في السوق من منافع.
فما هي الأسباب الحقيقية وراء هذه الضجة؟
جريدة «مليت» اليسارية نشرت مقالًا تحدثت فيه عن خمس قضايا أقرتها الحكومة، ويعتبرها الجيش خروجًا على العلمانية الديمقراطية التي أقام أتاتورك بنيانها وهي:
۱- بناء مسجد في ميدان التقسيم في إسطنبول، وهو ميدان انتصب في وسطه تمثال لأتاتورك، يمثله وهو منطلق مع رفاقه لتأسيس الجمهورية التركية، ومنطقة التقسيم هذه تضم كنائس وأندية لهو وعلب ليل، وسكانها بأشد الحاجة إلى مسجد يوحد الله.
٢- القانون الذي أقره البرلمان بالقراءة الأولى، والذي أعطى للمرأة المسلمة- التي ترغب في ارتداء الحجاب- الحق في ارتدائه في ساحات العمل أو في الجامعة.
والجدير بالذكر أن هناك قانونًا في تركيا منذ زمن أتاتورك يسمى «قانون الملابس» يحدد شكل وطريقة ملابس موظفي الدولة، وهو القانون الذي استند إليه الفريق كنعان إيفرن قائد انقلاب عام ۱۹۸۰م في إصدار لائحة تمنع الفتيات المحجبات من دخول المعاهد والجامعات.
وقد سبق لرئاسة أرکان الجيش أن أصدرت تعليمات مشددة للنوادي والقاعات الاجتماعية التابعة للجيش بعدم السماح لدخول النساء المحجبات أو الرجال ذوي اللحى من أقارب ضباط الجيش في هذه الأماكن، كما قام رئيس لجنة التعليم العالي ورئيس اتحاد المحامين بتوجيه انتقادات حادة لمسألة ارتداء الحجاب.
3- السماح بأداء فريضة الحج عن طريق البر، الذي يوفر على الحجاج أموالًا طائلة، بدلًا من استخدام الطائرات المكلفة.
4- إعطاء الحرية للمؤمنين الذين يقدمون أضاحيهم «في عيد الأضحى»، أن يتصرفوا بجلودها، وكانت الدولة ألزمتهم بتقديم هذه الجلود إلى مؤسسة الخطوط الجوية التركية.
5- إغلاق المرحلة المتوسطة من مدارس الأئمة والخطباء وتحويلها إلى التعليم العام، وإغلاق مدارس تحفيظ القرآن.
اجتماع طارئ لمجلس الأمن القومي
من أجل ذلك فقد تداعى مجلس الأمن القومي، الذي تأسس عام ١٩٦١م والذي يضم قادة الجيش والأمن، بالإضافة إلى وزيري الدفاع والداخلية، ورئيس الوزراء، ورئيس الجمهورية، إلى اجتماع طارئ يوم 28/ 2/ 1997م، لبحث هذه الموضوعات، وأصدر المجلس بيانه بعد تسع ساعات من النقاش، جاء فيه: «إن المجلس درس كافة الملفات الخاصة بالحركات الرجعية التي تستهدف النظام الديمقراطي العلماني وأسس النظام الاجتماعي القائم على الأفكار الكمالية والوطنية التي أقرها الدستور، مدركًا أن تلك التحركات الرجعية تحاول تهيئة الجو لإقامة نظام خارج العصر».
ومن الواضح أن كلمات البيان عامة وروتينية اعتادت هذه القوى على استخدامها عندما تضيق بها الأحوال، فما الذي حدث اليوم حتى شعرت هذه القوى بكل هذا الضيق والحصار؟.
إنجازات الحكومة الجديدة
حتى نجيب عن هذا التساؤل نحتاج أن نلقي نظرة على إنجازات الحكومة التي تأسست في 8 يوليو ١٩٩٦م، برئاسة البروفيسور نجم الدين أربكان- زعيم حزب الرفاه.
- يوم 10/ 7/ 1996م: أعلنت الحكومة زيادة رواتب الموظفين والمتقاعدين بمقدار ٥٠% ورواتب العسكريين بمقدار ۷۰% ورفعت الحد الأدنى للأجور ١٥٥%.
ويسبب التدابير الاقتصادية البناءة للحكومة الجديدة انخفضت الفوائد الربوية ٢٠% ومن المتوقع أن تنخفض الديون الداخلية إلى ١٧ مليار دولار نهاية عام ۱۹۹۷م بدلًا من ٥٨ مليار دولار، وتتوقع الميزانية تحصيل ٣٠ مليار دولار من خصخصة بعض المشاريع، كما خططت الحكومة لاستثمارات سنوية قدرها ۱۰۷ مليارات دولار في مشاريع المناطق الحرة والمواصلات والطاقة، واتخذت الحكومة جميع التدابير التي تحد من الإسراف والتبذير واعتمدت ١٢٤٠ مشروعًا لمناطق شرق وجنوب شرق تركيا، وجميع هذه الإجراءات الاقتصادية لم تراعِ الطبقة المتحكمة اقتصاديًا، بل كانت تضع فائدة الشعب وطبقاته الفقيرة نصب أعينها.
- نجحت الحكومة في إنهاء الإضراب المفتوح الذي أعلنه السجناء احتجاجًا على ظروفهم القاسية، وكان إحدى المعضلات المزمنة التي واجهت الحكومات السابقة، بل إن وزير العدل شوکت قازان «من الرفاه» اقترح تسريح المسجونين الذين يحفظون نصف القرآن، وتخفيف العقوباتعن الذين يحفظون جزئين منه.
- أما قوات المطرقة «الأمريكية والبريطانية والفرنسية» المستقرة على الأراضي التركية منذ حرب الخليج عام ۱۹۹۰م بحجة حماية أكراد شمال العراق، والتي اعتاد البرلمان أن يصوت على بقائها كل ثلاثة أشهر فقد أعلنت الحكومة الجديدة التجديد لها للمرة الأخيرة، وربطت أمرها بالحكومة وليس بالبرلمان، وهكذا أنهت الحكومة هذه القوات التي كان وجودها يحرج الشعب كله.
- في شهر نوفمبر ١٩٩٦م اكتشفت إحدى أخطر قضايا المافيا في تركيا، والتي كان يرأسها وزير الداخلية محمد أغار «من حزب الطريق القويم» وتضم في عضويتها كبار شخصيات الدولة من كافة الأحزاب باستثناء حزب الرفاه، ولقد كشفت اللجنة التي كلفها رئيس الوزراء بالتحقيق في هذه القضية الخطيرة، عن عصابة خطيرة مسلحة تخدم أركان الدولة لتحقيق أهداف شخصية تسلطية، تستخدم كل الوسائل الدنيئة مثل: تهريب المخدرات، وحماية مراكز القمار، والقيام بالاغتيالات وتجارة السلاح، وتناقش وسائل الإعلام التقرير الذي قدمته لجنة التحقيق للبرلمان، وهو مفتوح لكل الاحتمالات ابتداء من أكبر رأس في الدولة، مرورًا بالحركات المتسترة بالدين ورجالات الإعلام وقمم السياسة والتجارة والحرب والسلم.
هذه الحادثة كشفت عن علاقة مثلثة بين السلطتين السياسية «وربما العسكرية» والبوليس، والمافيا، وكان الإعلان عن ذلك بمثابة شهادة للرفاه بأنه الحزب النظيف الوحيد الذي يعمل لخدمة الشعب.
- حاولت الحكومة رفض الظلم الذي عانت منه الفتاة الملتزمة بحجابها، وقد كانت القوانين تمنع أمثالها من الوظائف الحكومية أو من دخول الجامعات، وأدى ذلك إلى تجهيل المرأة المسلمة، وهو في نفس الوقت اعتداء على حريتها الشخصية التي كفلتها القوانين، أما القانون الذي أقرته الحكومة الجديدة بالقراءة الأولى فيقضي بإعادة تشكيل اللجنة المتحكمة في الموضوع، بحيث يعين رئيس الدولة ثلاثة أعضاء «بعد أن كان يعين جميع الأعضاء» ويعين رئيس الأركان واحدًا، وهناك ثلاثة أعضاء تنتخبهم الجامعات، وثمانية تعينهم الحكومة، الأمر الذي جعل للحكومة الأكثرية ومكنها بالتالي من رفع الظلم عن المسلمات.
- في نهاية ديسمبر ١٩٩٦م أقر البرلمان الميزانية التي تقدمت بها الحكومة، وهي أول ميزانية متوازنة في تاريخ تركيا، وجاءت الصادرات فيها بقدر الواردات، فهي لا تعتمد على القروض ولا على الضرائب، وكان السؤال: ومن أين ستؤمن الحكومة الأموال؟
وكانت الإجابة أنه سبق أن أعلنت الحكومة يوم 31/ 7/ 1996م بأنها أضافت 9.5 مليار دولار وفي 19/ 9/ 1996م أعلنت عن إضافة 10 مليارات دولار أخرى، ومن المتوقع إضافة جديدة في 27/ 11/ 1997م بمقدار ۱۰ مليارات دولار أخرى، هذه الثلاثين مليار دولار التي وازنت الميزانية، كانت فقط من القضاء على حالات التسيب والإسراف التي كانت تميز الأوضاع الاقتصادية في تركيا، ويعد الوصول بالميزانية إلى هذه النقطة بداية لانطلاق الاقتصاد وتحقيق الفائض في الميزانية.
- أما الزيارات التي قام بها أربكان إلى الدول الإسلامية فقد رفعت حجم التبادل بين تركيا وهذه البلدان بمقدار 9 مليارات دولار.
وأمنت اتفاقيتا الغاز اللتان وقعتهما الحكومةمع إيران ومع تركستان مصدرًا رخيصًا للطاقة، كما أمنت مركزًا وسيطًا، حيث تمر أنابيب الغاز من هذه الدول إلى أوروبا عبر تركيا.
- وفي يوم 9 أغسطس ١٩٩٦م قام رئيس الوزراء بزيارة كل من: إيران وباكستان، وماليزيا، وأندونيسيا، وفي مطلع أكتوبر ١٩٩٦م قام بزيارة لمصر، ونيجيريا، وبالإضافة إلى الصفقات التجارية الثنائية التي وقعت بين تركيا وكل واحدة من هذه البلدان والتي كانت أكبرها الاتفاقية مع إيران التي سميت صفقة العصر، والتي تزود بموجبها إيران تركيا بالغاز الطبيعي، بقيمة ٢٣ مليار دولار لمدة عشر سنوات بالإضافة لهذه المكاسب التجارية الثنائية، فقد كان رئيس الحكومة يرمي من وراء ذلك إلى تشكيل كتلة اقتصادية إسلامية، وقد التقى وزراء خارجية هذه الدول في ٤ يناير ۱۹۹۷م في إسطنبول، ووضعوا ميثاق المجموعة الذي نص على:
- أن تعتمد هذه الدول في علاقاتها على السلام بدل الخصام والحوار بدل المواجهة والعمل المشترك بدل الاستغلال، والعدل بدل ازدواجية المعايير، والمساواة بدل التفرقة، والديمقراطية بدل الديكتاتورية.
- أقرت الدول الثمانية تحقيق التكامل الاقتصادي في إطار: تطوير التعاون بين القطاعات الخاصة عن طريق إيجاد غرفة تجارية واحدة، وتطوير التعاون والتشاور في مختلف القضايا مثل البنوك والتمويل، والبنوك المركزية، والبورصة والاستثمار، والتخصيص، والدراسات والبحوث، والتكنولوجيا والصناعات المشتركة والاتصالات، وإيجاد سوق حرة، ومعارض تجارية، والسياحة، والطرق، والصحة، والثقافة والرياضة.
وقد أثار هذا التحرك السياسي والاقتصادي الجريء الجيوب السياسية والاقتصادية المتحكمة والمنتفعة في داخل تركيا، والمرتبطة أساسًا بالغرب، وأثار أمريكا التي كانت أعلنت عن عقوبات تفرضها على كل من يتعامل مع إيران، وقلبت المشهد السياسي والاقتصادي رأسًا على عقب خاصة بالنسبة لهؤلاء الذين عملوا على ربط تركيا بالغرب منذ أكثر من خمسين سنة، ولقد أعلن أربكان في رده على الأصوات التي تحذر من غضب الأمريكان: إننا نمثل بلادنا ونعقد الصفقات التي تؤمن مصالح شعبنا، دون أن نعادي الغرب أو الشرق.
ومن الواضح أن الغرب يأخذ مواقف الحكومة التركية في منتهى الجدية، ولهذا فلم يدعُ تركيا إلى اجتماع قيادات الوحدة الأوروبية الذي عُقد مؤخرًا في دبلن، واكتفى بدعوة رئيس الوزراء إلى طعام الغداء الذي أقيم على شرف المشاركين الأوروبيين، ولكن أربكان رفض الدعوة، في أول موقف رسمي يطالب الغرب أن ينظر لتركيا نظرة جادة.
مدارس الأئمة والخطباء
ولكن لماذا يصر قادة الجيش ومجلس الأمن القومي والأحزاب على إغلاق مدارس الأئمة والخطباء؟
ولماذا تتساءل الـ«نيوزويك» وهي تتحدث عن هذه المدارس، فتقول: وماذا ستفعلون بنصف مليون شاب يتخرج من هذه المدارس كل خمس سنوات؟
ولماذا نص البيان الرسمي الأول الذي أعلنمصطفى كمال أتاتورك بموجبه علمانية الدولة على إلغاء هذه المدارس؟
ولماذا قدم الجيش عدنان مندريس للإعدام، وكان من جملة أخطائه القاتلة فتح عدد من مدارس الأئمة والخطباء؟
ما هي قصة هذه المدارس؟ وما سر الاهتمام بها؟
بدأت مدارس الأئمة والخطباء بأعداد محدودة في زمن مندريس، ثم تزايدت أعدادها حتى بلغت ٦٠٠ مدرسة في الوقت الحاضر، وهي مدارس أهلية بناها الشعب بأمواله، كانت في البداية تخرج الأئمة والمؤذنين، ثم بدأ طلابها يدخلون امتحانات الثانوية العامة، فينجحون بتفوق، ويدخلون كافة الكليات الجامعية بما فيها الكليات الحربية، وهكذا كان الطالب الذي يدخل الجامعة ويتخرج مهندسًا أو محاميًا من نتائج تلك المدارس أفضل تعليمًا من زميله المتخرج من المدارس الحكومية التي تعلمهم خطب مصطفى كمال وعظمته ومبادئه، فأصبح معظم من يتخرج من هذه الكليات، أو يعمل في هذه الوظائف من خريجي مدارس الأئمة والخطباء الذين درسوا بالإضافة إلى برامج الدولة اللغة العربية والتعاليم الإسلامية، وبالتالي أصبح النشء إسلاميًا بعد أن كان هائمًا بلا هوية.
الجيش يريد الانتهاء من هذه المدارس، وكمرحلة أولى يراد دمج المرحلة الابتدائية (5 سنوات) مع المرحلة المتوسطة «۳ سنوات» ليصبح التعليم الابتدائي الإجباري لمدة 8 سنوات متصلة، وبالتالي يلغي القسم المتوسط من المدارس الدينية.
والأحزاب العلمانية تريد التخلص منها كذلك، فهي تعتقد أنها مجرد شُعَب لحزب الرفاه، أما أربكان فقد أعد تقريرًا حول أنظمة التعليم في الدولة المختلفة، وأشار إلى أن تلك النظم تعتمد صيغة (٦ + ٣ + ٣) في كل من النرويج وبلجيكا واليابان وأمريكا، وفي ألمانيا (٤ + ٦ + ٣). وفي فرنسا (٥ + ٤ + ٥) والسويد (٥ + ٣ + ۳) بينما تطبق الدول الشيوعية السابقة وبعض الدول الأفريقية نظام التعليم لمدة (۸) سنوات بدون انقطاع.
ولكن هل ستجرؤ الأحزاب اليمينية أو اليسارية على الموافقة على إغلاق هذه المدارس؟ نشك في ذلك فكل هذه الأحزاب مدينة في وجودها للقاعدة المتدينة التي تنتخبها.
العلمانية بين الجيش وأربكان
في اجتماع مجلس الأمن القومي فوجئ الجنرالات بملفات يقدمها لهم أربكان تتضمن نصوصًا من ٥٣ دستورًا غربيًا يتبنى العلمانية، وتساءل: أي هذه النصوص نقبل؟ وأضاف إن العلمانية نوعان: الأول: هو المفهوم الغربي للعلمانية وتعني ألّا تتدخل السلطة بالدين أو بالمؤسسات الدينية، وهو معنى نفهمه ونقبله. ومفهوم ثان: هو العداء للدين، وهو مفهوم رجعي لا نفهمه ولا نقر به، ولقد أربك هذا الطرح الواضح جميع من جاءوا لمحاكمة رئيس الوزراء وإذا بهم أمامه في قفص الاتهام.
وفي مؤتمر صحفي عقده أربكان في أعقاب اجتماع مجلس الأمن القومي خاطب الصحفيين، وخاطب معهم كل من يعتبر نفسه معنيًا بشؤون الأمة فقال: «إن العلمانية التي طبقها حزب الشعب وحصدت رؤوس آلاف الناس أشاعت الكراهية والبغضاء وألغت الحريات، وحاربت الدين، فقد ضمت السجون آلاف المسلمين لمجرد أن أحدهم قرأ كتابًا أو رسالة عن الإسلام، فعل ذلك حزب الشعب في تركيا، وفعلها ستالين في روسيا، ولكن هذه الأنظمة سقطت وبقي الشعب والحرية، لقد سحق الشعب هذه المفاهيم وأسقط حزب الشعب».
قرارات الجيش بين الديكتاتورية والديمقراطية
يعلن الجيش في كل يوم أنه يحمي الديمقراطية، ومع ذلك فلا يكاد يمضي يوم من دونأن يتخذ العسكر الأتراك إجراء ضد الديمقراطية، ولقد زادوا في الفترة الأخيرة من جرعة التجاوزاتوالضغوط، ويتعامل أربكان مع هذه الهيمنة بمنتهى الصبر والمقاومة، يشد يومًا ويرخي يومًا آخر، فيترك الدبابات تنزل إلى شوارع سنغان لأنه لايستطيع وقفها، ثم يرسل وزير العدل إلى السجن لزيارة رئيس البلدية المعتقل بكير يلدز.
لقد أعلن أربكان أن قرارات مجلس الأمن القومي هي توصيات غير ملزمة، وأن هذه القرارات ينبغي أن تمر من خلال البرلمان، وهذا الموقف لم يستطع أحد أن يقفه من قبل، فأوامر الجيش كانت مُسلمات، فأصبحت في عهد أربكان مجرد توصيات، حتى إن وزير العدل «شوكت قازان» طالب بضرورة أن تنظر المحاكم في القرارات التي يقرها مجلس الشورى العسكري.
هل يستطيع أربكان الصمود؟
- هل يريد الجيش أن ينهي الحكومة الحالية ويأتي ببديل عنها من الأحزاب الأخرى، وإذا ما كانت هذه رغبته فمن يمنعه؟
- هل يريد دميريل- كما أعلن مؤخرًا- والجيش والأحزاب الأخرى إجراء انتخابات جديدة؟ إذا كانت هذه رغبتهم فلماذا لم يفعلوا؟ وقد صرح عبد الله جول- نائب أربكان- بأن يتوجه الجميع للشعب في انتخابات جديدة، وهل يخشى الرفاهالانتخابات وقد ارتفعت شعبيته إلى حدود ۳۰%؟
- هل خسر الجيش مصداقيته عندما ادعى أنهيحمي الديمقراطية وهو الذي يدمرها كل يوم؟
- هل يستطيع الإعلام التركي أن يهادن حكومة الرفاه؟ إذا كانت الحكومة تطالب وسائل الإعلام برد الديون المستحقة عليها وقدرها ٦٠ مليار دولار اقترضتها من الحكومات السابقة بنية عدم إرجاعها؟
- فماذا يريد هؤلاء إذن؟
يريدون أن يدمروا حزب الرفاه وهو في السلطة. فهل يقع الحزب وزعيمه الذكي في هذا المطب؟
بدلًا من الانقلاب العسكري.. وحتى الآن
الجيش يسلك سبيل الضغوطات والإحراجات
اعتاد الجيش التركي أن يقوم بانقلاب عسكري في كل عقد من الزمان لضمان ضبط إيقاع السلطة وفق تعاليم مصطفی کمال العلمانية التي يعلن الجيش أنه حاميها الأول في تركيا.
ولكن الظروف الداخلية والدولية لم تعد مهيأة لتقبل مثل هذه الانقلابات في السنوات الأخيرة من القرن العشرين، ولذا فقد اختار الجيش- تدعمه كل قوى العلمانية المحلية والدولية- أن يسلك سبيل الضغوطات والإحراجات لمواجهة حكومة أربكان، فلا يكون أمامه إلا أحد سبيلين: إما أن تسقط حكومته أو يسقط في عيونالناخبين الذين اختاروا- وبشكل مطرد- أن يعطوه أصواتهم.
وسبيل الضغوط والإحراجات واسعة، وأبرز أشكالها على الصعيد الداخلي وضع أربكان في مواجهة محتومة مع أنصاره الحاليين والمحتملين من المستمسكين بالإسلام، ومن هنا كانت الثورة على مدارس تحفيظ القرآن وتخريج الأئمة والخطباء والرغبة في زيادة فترة التعليم الابتدائي، والتشدد في قضايا الحجاب وبناء المساجد وغيرها.
أما على الصعيد الخارجي فإن أكثر ما يسبب الحرج لأربكان هو تعزيز العلاقات مع إسرائيل، وقد اضطر أربكان لأن يوقع على اتفاقلتحديث الطائرات الحربية التركية- الأمريكية الصنع في إسرائيل دون غيرها بعد أن أغلقت أمريكا كل السبل، وتواصل الأمر ما بين منح الطائرات الإسرائيلية حق التحليق في الأجواء التركية إلى الترتيب لإجراء مناورات مشتركة تكون أيضًا فرصة لعرض منتجات آلة الحرب الإسرائيلية على الأتراك.
وهكذا فإن العلاقات التركية- الإسرائيلية تشهد فترة «زاهية» من تاريخها، فالزيارات لا تنقطع بين الجانبين، وفي غضون أربعة أشهر طار وزير الدفاع، ورئيس الأركان، ومساعد رئيس الأركان إلى تل أبيب، كما زار وزير الخارجية الإسرائيلي أنقرة، ومن المقرر أن يزورها هذا الشهر وزير الدفاع الإسرائيلي.
وقد أثير الحديث عن تحالف استراتيجي يجمع بين الجانبين برعاية أمريكية لمواجهة محور دمشق –طهران.
ولا شك أن أربكان مضطر لأن يبتلع الأشواك وأن يستجيب لبعض الضغوط، وأن يمرر بعض المطالب التي لا تتفق ومواقف الحزب وتاريخه وانتمائه الفكري، وفي أثناء ذلك قد يغضب عليه بعض أنصار مشروعه وقد يلتمس له آخرون الأعذار، ولكن يبقى تقدير نقطة التوازن الحرج التي لا يمكن تخطيها أمرًا يخص حزب الرفاه وحده دون غيره.