العنوان قانون العودة الصهيوني
الكاتب عبد الوهاب المسيري
تاريخ النشر الثلاثاء 11-مارس-1997
مشاهدات 82
نشر في العدد 1241
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 11-مارس-1997
بينما ينص قانون العودة على حق كل يهودي في العودة إلى فلسطين بعد آلاف السنين ينكر هذا الحق على الفلسطينيين الذين هاجروا عام ١٩٤٨م
يتضح التشابه بين النازية والصهيونية في قانون العودة الصهيوني، ومن المعروف أن جميع أجنحة الصهيونية تعاونت في مرحلة ما قبل ١٩٤٨م على إنجاز أهم عنصر متضمن في الصيغة الصهيونية الأساسية، أي التخلص من السكان الأصليين وتغييبهم، وثمة أدبيات ثرية في هذا الموضوع توثق النية الصهيونية المبينة لطرد العرب، وتبين الطرق المختلفة التي لجأت إليها قوات المستوطنين لطرد الفلسطينيين، وقد وصف حاییم وایزمان خروج العرب بشكل جماعي هربًا من الإرهاب الصهيوني، بأنه تبسيط المهمة إسرائيل ونجاح مزدوج، إذ يمثل انتصارًا إقليميَّا وحلاً ديموجرافيًّا نهائيَّا، بمعنى أنه تم الاستيلاء على الأرض، وتم تفريغها من سكانها حتى يتسنى للشعب الذي لا أرض له أن يهاجر إليها ويستوطنها.
ولكن وايزمان كان مخطئًا في نبوءاته متعجلا فيها، فالأرض لم يتم تفريغها تمامًا من سكانها - حيث بقيت أقلية من العرب وهي آخذة بالتزايد، وقد لجأت دولة المستوطنين إلى اتخاذ إجراءات قانونية - لضرب على يد هذه الأقلية العربية وتكبيلها ولم يكن ذلك أمرًا عسيرًا، إذ ورثت هذه الدولة، فيما ورثت خاصية اليهودية باعتبارها خاصية رئيسية ومحورية تسم اليهود الذين تقوم على خدمتهم مجموعة من المؤسسات الاستيطانية المقصورة عليهم، وبصدور قانون العودة في يوليو ١٩٥٠م تحولت خاصية اليهودية هذه إلى مقولة قانونية تمنح صاحبها حقًا تنكره على غير اليهود. وقد صدر هذا القانون عن الكنيست الأول عام١٩٥٠م، وخضع لتعديل لاحق في أغسطس عام ١٩٥٤م، وهو ينطلق من الافتراض الصهيوني القائل بأن اليهود شعب بلا أرض شعب عضوي نفي قسرًا من وطنه فلسطين منذ ألفي عام، ولكن هذا النفي لم يؤثر في أعضاء هذا الشعب، فغالبيتهم ـ حسب التصور الصهيوني - مرتبطون عضويًا تمامًا حسب بوطنهم، ويريدون العودة إليه؛ لينهوا حالة الشتات؛ وليحققوا وحدة الشعب اليهودي بأرضه اليهودية؛ ومن هنا تسمية القانون بـ «قانون العودة».
ويعني هذا الافتراض أيضًا أن فلسطين أرض بلا شعب، وأنه إن وجد شعب فيها في عشرات القرون الماضية فهو وجود عرضي ومؤقت، ولا يُضفي على أعضاء هذا الشعب أي حقوق ثابتة، إذ إن اليهود وحدهم لهم حقوق عضوية مطلقة في أرض فلسطين، أو أرتس يسرائيل ـ كما يقال في الأدبيات الصهيونية والإسرائيلية واليهودية.
لكل هذا نص قانون العودة صراحة على حق كل يهوي في الهجرة أو العودة إلى إسرائيل بعد آلاف السنين من الغياب المؤقت، وأنكر بشكل ضمني هذا الحق على الفلسطينيين الذين هاجروا من أرضهم عام ١٩4٨م حتى يبقى المجال الحيوي لليهود وللدولة اليهودية خاليًا من العرب بالألمانية. أراب راین Arabrein. ونص القانون على حق كل يهودي في الهجرة إلى إسرائيل ما لم يكن وزير الداخلية مقتنعًا بأن طالب الهجرة يمارس نشاطًا موجهاً ضد اليهود، أو أنه يمكن أن يعرض الأمن والصحة العامة للخطر، أو أن له ماضيًا إجراميًا. وتضمن مواد هذا القانون الفريد حق اليهودي في حالة رفض هجرته لغير الأسباب السابقة، في اللجوء إلى المحكمة العليا الإسرائيلية لإجبار السلطات على السماح له بذلك؛ حتى ولو ظل مواطنًا أجنبيًّا على أرض دولة أخرى، كما يمنح القانون الأشخاص الذين يدخلون إسرائيل بموجبه الجنسية وحقوق المواطنة على الفور.
وبموجب المادة الرابعة من قانون العودة يُعتبر كل يهودي هاجر إلى فلسطين قبل سريان القانون، وكل يهودي مولود فيها قبل سريانه أو بعده، شخصًا جاء إلى فلسطين بصفة «مهاجر عائد»، ورغم أن هذا القانون قانون هجرة، وليس قانون جنسية، فإن اعتماد جوهره في قانون الجنسية الإسرائيلية منهما كلاً متكاملاً.
وقد أشار بن جوريون إلى طبيعة قانون العودة إبان عرضه على الكنيست حيث ذكر أن هذا القانون لا يمنع اليهودي «الحق في الهجرة إليها، فهذا الحق كامن في كل يهودي باعتباره يهوديًّا، وإنما يهدف القانون إلى تحديد الطابع والهدف الفريد للدولة الصهيونية، فهذه الدولة تختلف عن بقية دول العالم من حيث عناصر قيامها وأهدافها، وسلطتها محصورة في سكانها ولكن أبوابها مفتوحة لكل يهودي، حيث وجد، وأكد بن جوريون أن قانون العودة هو التعبير القانوني عن الرؤية الصهيونية.
وفي مارس عام ١٩٧٠م. أدخل الكنيست تعديلاً على القانون، عقب نشوب أزمة وزارية متكررة الحدوث حول تعريف من هو اليهودي، وتضمن التعديل أن اليهودي هو المولود لأم يهودية أو المهتدي إلى الدين اليهودي، والذي ليس على دين آخر، كما نص أن تمنح الجنسية الإسرائيلية بصورة آلية لجميع أفراد الأسرة المهاجرة من غير اليهود.
وعدل قانون العودة فيما بعد، ووفقًا لهذا التعديل؛ لأن تشترط الإقامة في إسرائيل أو إتقان اللغة العبرية أو حتى التنازل عن الجنسية الأخرى. ويكتفى للاستفادة بقانون العودة أن يعرب المهاجر عن نيته في الاستقرار في إسرائيل.
وقد قارن كثير من الكتاب اليهود والإسرائيليين بين قانون العودة والقوانين النازية، فعلى سبيل المثال، أعرب الأستاذ الإسرائيلي د. كونفيتس . خلال النقاش الذي دار قبل الموافقة على قانون العودة . عن مخاوفه من احتمال مقارنة هذا القانون بالقوانين النازية مادام يجسد مبدأ التمييز بين الأفراد على أساس ديني أو عرقي.
وبعد صدور هذا القانون، حذرت جريدة جويس نيوزلتر في عددها الصادر في ١٢ مايو ١٩٥٢م، من أن هذا القانون يعيد إلى الذاكرة النظرية العنصرية الخطيرة القائلة بأن الفرد الألماني يتمتع بمزايا جنسيته، بغض النظر عن المكان الذي يوجد فيه.
وفي مقارنة عقدها روفن جراس بين قانون العودة والقوانين النازية بين أن قانون العودة يمنح امتيازات الهجرة لأي يهودي بموجب تعريف قوانين نورمبرج أي أن يكون جده يهوديًّا، ويؤكد حاييم كوهين، الذي كان قاضيًا بالمحكمة العليا في إسرائيل أنه من سخرية الأقدار المريرة أن تستخدم نفس الأطروحات البيولوجية والعنصرية التي روج لها النازي، والتي أوحت لهم بقوانين نورمبج الشائنة، كأساس لتعريف الوضع اليهودي داخل دولة إسرائيل.
وهناك على الأقل حالة واحدة معروفة قامت فيها السلطات الدينية في. إسرائيل بالرجوع إلى السجلات النازية؛ للتأكد من الهوية العنصرية الدينية الإثنية لأحد المواطنين الإسرائيليين، ورغم أن قانون العودة هو الإطار القانوني للتوسعية والعنصرية الصهيونية، وهو مصدر الهوية اليهودية المزعومة للدولة الصهيونية ، ومن ثم فهو أساس عزلتها وعدائها لجيرانها، ورغم أن أعداد اليهود التي ترغب في العودة إلى إسرائيل آخذة في التناقص، ومن هنا الضغط على اليهود السوفييت للهجرة إلى إسرائيل، فإن جميع اتفاقيات ومعاهدات السلام لم تتعرض له من قريب أو بعيد. بل وطلب من منظمة التحرير أن تلغي بنودًا أساسية في ميثاقها، بينما لم يطلب أحد من إسرائيل أن تلغي قانون العودة .
*كاتب وباحث متخصص في الصهيونية العالمية، وأستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة عين شمس .القاهرة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل