العنوان لماذا تدخلت روسيا في سورية؟ وماذا أنجزت؟
الكاتب علي البغدادي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-2016
مشاهدات 45
نشر في العدد 2093
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 01-مارس-2016
لماذا تدخلت روسيا في سورية؟
وماذا أنجزت؟
علي البغدادي
لم يكن التدخل العسكري الروسي في سورية قبل أربعة أشهر تقريباً مفاجئاً للمراقبين الذين يدركون حقيقة توجهات «بوتين» السياسية، وطبيعة العلاقة التحالفية بين النظام السوري وروسيا، وأهمية موقع سورية الجيوسياسي للسياسة الروسية، وهي أمور لابد من فهمها من وجهة النظر الروسية حتى يمكن التعامل معها.
لم يأتِ التدخل الروسي عبثياً، بل جاء محسوباً بعد قراءة للمشهد الدولي والإقليمي وتغيراتهما، ووفق الرؤية والإمكانات الروسية، ويمكن إجمال الأهداف الروسية من هذا التدخل حسب ما يعلنه السياسيون الروس في ثلاثة أهداف:
أولاً: منع تغيير النظم من خلال الثورات الملونة:
فروسيا بداية لم تتشجع لموجة ثورات «الربيع العربي» التي اندلعت في عام 2011م، ونظرت إليها بعين الريبة والتحفظ، وشعرت بأن «طبخة» أمريكية ما تحضر في خلفية هذه الثورات، مستحضرة تجربتها مع الثورات الملونة التي اندلعت في أوكرانيا وجورجيا وقرغيزيا في السنوات العشر الماضية، والتي لم يُخفِ الغرب تأييده لها، وجاء تدخل «الناتو» في إسقاط نظام «القذافي» في ليبيا ليعزز هذه المخاوف، فروسيا تريد أن ترسل رسالة للغرب بأنه ليس من حقكم أن تتدخلوا في أي بلد لتسقطوا نظامها الذي لا يعجبكم، أما العامل الشعبي في الثورات فهو أمر غير ذي بال في الرؤية الروسية.
ثانياً: محاربة التنظيمات الإرهابية:
والتنظيمات الإرهابية حسب المفهوم الروسي لا تقتصر على «تنظيم الدولة»، بل هو مفهوم واسع يشمل جميع الفصائل الإسلامية المسلحة التي تقاتل النظام السوري، ورغم أن استهداف «تنظيم الدولة» كان هدفاً روسياً معلناً فإن الاستهداف كان للجميع خصوصاً من يسيطر على مناطق الاشتباك المتاخمة للمناطق الخاضعة للنظام السوري.
ولـ «تنظيم الدولة» أهمية خاصة عند الروس؛ فهذا التنظيم يحوي بين صفوفه المئات من المواطنين الروس ومواطني الجمهوريات الإسلامية المستقلة عن الاتحاد السوفييتي، كما أن له حضوراً إعلامياً قوياً في مواقع التواصل الاجتماعي في هذه البلدان، وهناك قناعة روسية بأن انتشار التطرف الإسلامي يعزز النزعات الانفصالية في داخل روسيا، ويشكل ثغرة يمكن أن تستغلها أمريكا لتهديد الأمن القومي الروسي.
ثالثاً: فرض واقع دولي جديد:
عانت روسيا بعد انهيار المنظومة الاشتراكية تدهوراً كبيراً في جميع المجالات، وعاشت في فترة فوضوية صعبة، حتى جاء الرئيس «فلاديمير بوتين» ليوقف هذا التدهور المستمر في الحالة الروسية، ويعيد إليها توازنها الداخلي تهيئة لها لتعيد حضورها القوي في العالم كقوة عظمى، ويرسل رسالة واضحة للغرب بأن روسيا قادمة، وهي لم تعد تلك الدولة المستباحة.
وجاء التدخل في سورية بعد التدخل في شرق أوكرانيا والقرم في هذا السياق، فالقراءة الروسية للمشهد الدولي أن هناك تراجعاً أمريكياً يتيح لها أن تتقدم لتملأ هذا الفراغ، وهو متغير لم يكن ليحدث قبل عشر سنوات مثلاً، مما يشير إلى أن النظام العالمي بدأ يغادر النظام أحادي القطبية ويتجه نحو نظام متعدد الأقطاب.
وفق هذه المعطيات السابقة، بإمكاننا أن نستشف ماذا حققت روسيا من أهداف.
رغم تحمس الثوار في بداية التدخل الروسي وتحقيقهم بعض الإنجازات الميدانية؛ فإن الضربات الروسية لم تسهم فقط في تثبيت نظام «بشار الأسد»، بل أدت إلى قلب المعادلة ميدانياً لصالحه، وعادت قوات جيش النظام المدعومة من إيران إلى تحقيق تقدم ميداني كبير، وتشير موازين القوى على الأرض الآن إلى وضع صعب جداً على قوات الثوار السوريين.
كما أن الروس بمشاركتهم هذه اكتسبوا خبرة قتالية جديدة، فهي المرة الأولى التي يشارك فيها الطيران الروسي في معارك خارج أرضه، وهذا يستدعي تكتيكات لوجستية وفنية تمكن الروس من دراستها وتقييمها، كما أصبح لديهم حقل لتجربة أسلحتهم وقدراتهم القتالية، كما كانت الحالة عند إطلاق الصواريخ من البوارج البحرية في بحر قزوين باتجاه سورية، أو قياس سرعة الحشد والتدخل البعيد.
كما قوض التدخل الروسي الأمل التركي بإقامة منطقة عازلة على الحدود التركية السورية، بعد أن فوتت تركيا على نفسها فرصة التدخل والحسم في سورية، فجاء التدخل الروسي ليطيح بالأمل التركي ويثبت واقعاً جديداً، وأعطى دفعة للأكراد لتوسيع رقعتهم على الأرض بفعل السلاح الأمريكي والغطاء الجوي الروسي.
وأعطى التدخل الروسي قوة كبيرة للموقف السياسي الروسي، وانعكس ذلك في المؤتمرات الدولية التي عقدت في جنيف وميونيخ؛ حيث بدت روسيا صاحبة الكلمة الأولى فيها، بينما انحسر الدور الأمريكي والأوروبي في دور الوسيط، وقد ظهر ذلك في «جنيف 2» التي رجحت فيها الرؤية الروسية الخاصة بمستقبل النظام، وبتعريف الفصائل الإرهابية والمعارضة المعتدلة، بينما انتهى «جنيف 3» إلى الفشل، وهذا لا يعني أن أمريكا قد تخلت عن دورها، ولا أن روسيا قد أصبحت مطلقة اليد في سورية، بل إن هناك تنسيقاً عالياً بين كل من الروس والأمريكيين في المسألة السورية، لكن الكفة تميل للدور الروسي الذي لم تظهر الولايات المتحدة اعتراضاً عليه.
وفي البعد الدولي؛ ظهرت منظومة دولية جديدة تمثل تحالفاً بين إيران وروسيا والصين، فروسيا لم تتدخل في سورية بمعزل عن غطاء ميداني مدعوم من إيران وحلفائها في المنطقة، وتنسيق كامل معها عبر عن ذلك السياسيون الروس بوضوح بأنه لولا وجود إيران لما تدخلت روسيا.
كما أن روسيا والصين عبر اتفاقية شنغهاي - والتي لها بعدها الأمني - تمثلان منظومة دولية لها أهدافها المشتركة في مواجهة «الناتو» والغرب، وقد أجرت البحرية الصينية مناورات مشتركة مع البحرية الروسية في البحر المتوسط، وروسيا ترسل رسائل بأن توسع «الناتو» باتجاه البلطيق وأوكرانيا يقابله توسع روسي على حدود تركيا.
لا يعني ما ذكرناه آنفاً بأن المهمة سهلة أمام روسيا في سورية، فلا تزال الأمور في بدايتها، وهي مرشحة للتطور حسب ما يطرأ ميدانياً على الأرض إذا توافرت الإرادة الإقليمية لدعم الثوار وتسليحهم، لكن روسيا حتى هذه اللحظة تحقق أهدافها رغم الصعوبات التي تكتنفها، وتواجدها في سورية بالنسبة لها مسألة حياة أو موت، فالفشل يعني انتهاء روسيا كقوة كبرى، وهذا ما عبر عنه المفكر الإستراتيجي الروسي «ألكسندردوغين» بقوله: ليس أمام روسيا إلا بناء شبكة تحالفات مع قوى المنطقة؛ لأن سقوط سورية يعني انتقال المعركة لإسقاط إيران، والزحف مجدداً نحو الجوار القريب لروسيا؛ أي للعنق الروسي والكتف الصيني؛ وهو ما يدفع هذه القوى للتحالف.>