العنوان هل طلب زروال وساطة عرب المشرق في أزمة الجزائر؟
الكاتب محمد براو
تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1997
مشاهدات 61
نشر في العدد 1275
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 11-نوفمبر-1997
أي مستقبل للهدنة في الجزائر؟
عجز الحكم أدى إلى تعبئة دولية شاملة تتشكك في قدرة الحكم وجديته في معالجاته الأمنية والسياسية
- المشهد الحالي في الجزائر يلفه الغموض وخاصة العلاقة المتشابكة بين جبهة الإنقاذ والسلطة
تحاول هذه المساهمة المتواضعة تقديم بعض عناصر الجواب عن السؤال الذي يؤرق حاليًا معظم المحللين والمهتمين بالدراما الجزائرية، وهو هل تنطوي الهدنة التي أعلنتها الجبهة الإسلامية للإنقاذ على بدء عملية سياسية تفاوضية بين إسلاميي «الإنقاذ» والجيش تنتهي بشكل ما من أشكال المصالحة؟
وتعتمد هذه المحاولة إطارًا تحليليًا مقارنًا يسترجع محددات وظروف التجربة التفاوضية الأولى التي فشلت أواخر سنة ١٩٩٤م لاستخراج الثابت والمتغير من خلال مقاربتها ومقارنتها بمحددات وظروف التجربة التفاوضية الحالية المفترض أنها بدأت منذ شهور.
أما الخلاصة الأساسية التي تثمرها هذه الورقة فهي أن المؤسسة العسكرية والإنقاذ ربما اقتنعا هذه المرة بحتمية الالتقاء السياسي عند منتصف الطريق بعدما توالت المعطيات التي تؤشر على التقائهما الموضوعي.
التغيرات الدولية
لقد تزامنت التجربة التفاوضية الأولى مع استمرار تفاعلات الحماسة الديمقراطية التي قعد لها بيان مجلس الأمن التاريخي في بداية سنة ۱۹۹۲م، وكانت ملامح النسق الدولي في بعدها القيمي لا تزال مسكونة بمؤثرات ذلك المانفستو لجهة استهجان الأساليب الانقلابية، وأنماط التدبير السياسي الاستثنائية، ثم تزامنت أيضًا مع إصدار الولايات المتحدة لصك اعتراف واضح بدور الإسلاميين «الجيدين» في إشارة لحركة الاعتدال الإسلامي، وبواقعهم البين في مسرح السياسة الجزائرية، بيد أن المشهد الحالي يسجل اختلافات، لا بل تحولات جوهرية في سلوك الفاعلين الدوليين المهتمين بالشأن الجزائري، فعقد روما المشمول برعاية دولية قد سقط بالتقادم، وانخرطت أمريكا وأوروبا في سلسلة تعاقدات ضخمة تستهدف الثروة الطاقية الجزائرية، وها هو السفير الأمريكي، وفي استدارة لا تخلو من دلالات تأكيدية على هذا التحول يعلن أمام الملأ تأييده الصريح «لإجراءات الجيش العسكرية» إن العنصر الوحيد الذي يتقاطع ظرفيًا ونسبيًا مع ما كان عليه الموقف الدولي حين ذاك هو هذه الانتفاضة الدولية التي عبرت عنها سلسلة من الدعوات والتصريحات ومشاريع المبادرات والتي خلقتها -عنتًا- وحشية ومأساوية الأحداث الأخيرة، التي ذكرت الضمير العالمي فجأة بأن سابقة الخليج والصومال قد أعطت الضوء الأخضر لابتداع مفهوم سمو مبدأ التدخل الإنساني على واجب الامتناع، وهو ما كررته ضمنيًا ماري روبنسون مندوبة الأمم المتحدة السامية المكلفة بملف حقوق الإنسان على مسامع وزير الخارجية الجزائري، إن الصرخات التي أطلقتها منظمات حقوق الإنسان الدولية والتي استتبعت مواقف دولية متعددة شكلت بلا شك حالة من الضغط السياسي والمعنوي على النظام الجزائري ليعاود التفكير قبل خلق «لجنة التفكير الأوروبية» التي اقترحتها إسبانيا مؤخرًا، والكف عن التترس وراء تأويل متجاوز لمفهوم السيادة الوطنية يحيل على ظروف وبلاغة الحرب الباردة التي عفا عليها الزمان.
إدراك طرفي الصراع للحاجة إلى التغيير
التقدير الراجح أن الطرفين المتصارعين ربما أدركا أن العامل الزمني لا يلعب في صالح إبقاء الوضع على ما هو عليه، ورغم أن التجربة الأولى خيضت في ظل تعليق المؤسسات، فإن التجربة الحالية المفترضة تمر بتزامن مع جهد الدولة المستميت لاستكمال الأجندة السياسية بالانتخابات المحلية التي أجريت أواخر الشهر الماضي، والمنتظر أن ينبثق عنها مجلس الأمة، إن التفاوض هذه المرة ربما تستجدي منه السلطة السياسية العليا التحاقًا «انقياديًا» بالمعمار المؤسساتي الجاري بناؤه وله أيضًا، فلقد أدركت جيدًا أن لعبة الاستمرار في الهروب إلى الأمام عمل لن يكون مكتملًا في غياب جبهة الإنقاذ التي اعترفت أصلًا بشرعية الرئيس زروال بعيد الانتخابات الرئاسية «أكتوبر ١٩٩٥م» وها هي الآن تُقدم على فعل سياسي جريء تنزع بمقتضاه الغطاء السياسي والأدبي عن مسلسل الهمجية الفظيعة غير المسبوقة، والتي أخذت أبعادًا دولية أخافت النظام.
إن الحاجة إلى التغيير أدركته الإنقاذ مبكرًا وها هي أبانت عن هذا الإدراك بعد أن اتضح لها استناد الطرف الآخر في المعارضة المسلحة والذي لم تنج من أذاه هي نفسها «إعدام محمد السعيد زعيم تيار الجزأرة الذي انضم سابقًا للجماعة المسلحة، على سبيل المثال» وقد بلغ الانحراف الإجرامي في سلوك الجماعة حدًا خطيرًا يهدد كل شيء في خطاب الاعتدال الإسلامي، بل ويلحق ضررًا بالإسلام ذاته علمًا بأن شعارات الجماعيين: الدم، الدم، الهدم، الهدم، ولاءاتهم الخرطومية الثلاث: لا صلح لا اعتراف لا تفاوض ما فتنت تتعزز في مناخ التعفن وانسداد الآفاق، واختلاط الأوراق، بانضمام مزيد من الفتيان والشباب الغاضبين فضلًا عن المهمشين من الدهماء والمسحوقين العاطلين عن العمل، لقد أصبح سوق الإرهاب سوقًا للشغل وبديلًا مريحًا معنويًا واقتصاديًا، يحقق الذات والدخل ويفرغ الكبت.
إن عمليات الإنزال الأخيرة المنسوبة للجماعة كان يشارك فيها ما يتراوح بين ٥٠ و١٠٠ مقاتل وهو ما يؤكد حضورًا عدديًا ما زال بإمكانه إحراج السلطة وخلط أوراقها الأمنية وضرب مصداقيتها السياسية كما هو واقع الآن بالفعل.
ثم إن الانتخابات البلدية كان موعدها الثالث والعشرون من الشهر الماضي، وليس مصادفة أن يدخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في الأول منه، ويتم الترويج له في إعلام السلطة المرئي والمكتوب والمسموع وكأن هناك إرادة مشتركة لدحر عدو مشترك، وتسهيل ظروف تمرير العملية الانتخابية الأعسر تنظيميًا من سابقتيها الرئاسية والتشريعية، خصوصًا في ظل موجة هلع عام اشاعته المذابح وسط الشعب الجزائري وسكان العاصمة تحديدًا.
وفي خلاصة فإن الثابت هو استمرار الحضور المسلح للجماعة رغم كل عمليات التمشيط البري والجوي، والمتغير الأساسي هو إدراك «الإنقاذ» الخطر أن تتجاوزها الأحداث التي ربما استشعرها جناحها العسكري، ومن جانب الجيش فإنه لئن استطاع قطع أشواط باهرة في مسلسل التطبيع السياسي، وبشكل يشي عن كياسة سياسية عالية فإن الأحداث الأخيرة ربما حملت الجنرال الرئيس زروال على الاقتناع بأن لا مناص من إشراك جبهة إسلامية متعقلة مقلومة الأظافر لإنجاح مرور أجندته السياسية، عبر تكتيل جهوده مع جهودها، تشير إلى ذلك العبارات الواردة في مؤخرة بيان وقف إطلاق النار من قبيل إطلاق نفس الوصف الرسمي على الجماعة المسلحة «المجرمون»، فضلًا عن ورود أخبار عن تسريبات إخبارية يقوم بها الجيش الإسلامي للإنقاذ لفائدة الجيش الجزائري لكشف مخابئ الجماعة التي تأكدت مسؤوليتها عن معظم المذابح الأخيرة كما تأكدت عدم صحة الأخبار الرسمية عن وفاة زعيمها الدموي عنتر الزوابري.
انتفاء القدرة على منع الطرف الآخر من تحقيق هدفه
إن هذه القاعدة تشكل أساس العملية التفاوضية، أي عملية تفاوضية، وقاعدتها الدافعة ذلك أن اقتناع الطرفين بمساواة أحدهما الآخر هو «كعب أخيل» أي تسوية، وما لم يتحقق هذا الاقتناع المتبادل ويترجم إلى تعاون فإن الموقف لا ينفك يراوح مكانه وهو ما يطلق عليه في أدب التفاوض «الموقف الصفري»، وقد يتحرك هذا الموقف في الجزائر الآن بعد أن تأكدت قوة بنية المؤسسة العسكرية «لحسن الحظ» والتي حافظت في عز الصراع على تماسكها رغم تسجيل عمليات فرار محدودة واختراقات استخبارية عديمة الفاعلية، وبالمقابل فإن استمرار حضور الجماعة المسلحة رغم كل الوقت الذي تم «اعتماده» لصالح الحل الأمني الاستئصالي لم يعد بحاجة إلى مزيد بيان، وهي قادرة على بلوغ «هدفها»، على الأقل في هز صورة الاستقرار الأمني التي يحاول النظام -عبثًا- تسويقها دوليًا، وهي كما وقعت على عمليات استعراضية مثيرة أواخر ١٩٩٤م من قبيل قتل حراس القنصلية الفرنسية، واختطاف دبلوماسيين عرب وإهدائهم سيارة للعودة، وانضمام قسم من الجيش الإسلامي للإنقاذ إليها فإنها استطاعت بعملياتها الأخيرة المستمرة كسر الطوق الإعلامي الذي أطبقه النظام على الحالة الأمنية، وفندت بطريقة درامية مقولة «بقايا الإرهاب» ومرغت سمعة السلطة في الوحل عندما تأكدت أخبار حدوث عمليات الذبح على مقربة من الثكنات العسكرية، إن هذه المشاهد تؤكد في محصلتها المقارنة معطى الاستمرار مع متغير أساسي هو الإعلان الأخير للجيش الإسلامي للإنقاذ ومعه القيادة السياسية للإنقاذ براءتهم وشجبهم الصريح لتلك الأعمال بالقول والفعل.
إن الخلاصة هنا أن العمل العنفي حافظ على وتيرته إن لم يكن دخل منعطفات أكثر خطورة واستعراضية مع ما يستتبع ذلك من تشويه وتدويل وغرس للضغائن، ولقد أفضى عجز الحكم إلى خلق قسري لتعبئة دولية شاملة لعل أخطر ما فيها هو حالة الشك والتشكيك التي غمرت قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي بخصوص قدرة الحكم وجديته في معالجاته الأمنية والسياسية، حيث استثمر الشيء الكثير ويبدو الآن مجبرًا على الاستنجاد بورقة الإنقاذ لكي لا يتخرب العمران السياسي والمؤسساتي الذي بناه على قدم وساق، وهذا ما يدفعنا إلى الاستنتاج أن الحكم قد اقتنع بحتمية التفاوض على صيغة سياسية وسط هدفها تشديد الخناق على الجماعة ومقابلها إدماج الإنقاذ بشكل من الأشكال في اللعبة السياسية من خلال وعود متبادلة يتم بمقتضاها التهييئ لمصالحة ثنائية متكتمة.
إمكانية تبادل القيم
يبدأ التفاوض إثر عمليات استكشافية لعلها جرت فعلًا بين الطرفين خلال الشهور التي سبقت الإعلان الانفرادي عن وقف إطلاق النار، ولتوافر أرضية البدء في التفاوض ينبغي افتراض وجود «قيم» لدى الطرفين يجري التساوم والتبادل بشأنها إما عن طريق الوعود أو الإقناع أو التهديد.
إن هذه الإمكانية كانت أكثر وضوحًا وأوفر حظًا في التجربة الأولى منها في التجربة الحالية -حسبما يبدو لكاتب هذه السطور- ففي التجربة الأولى تعهدت السلطة بإشراك علني للإنقاذ في المسلسل السياسي، وأجرى الجنرال زروال الذي كان آنذاك وزيرًا للدفاع شخصيًا حوارات مباشرة مع شيخي الإنقاذ مدني وبن. حاج، تم الإعلان عنها رسميًا في تلبية واضحة لمطلب الإنقاذ بعدم «كولسة» الحوار، ويبدو هذا العنصر غائبًا الآن وقد كانت السلطة تعهدت في يونيو ١٩٩٤م بتقديم تاريخ الانتخابات «إذا تأمن الاستقرار» وهي إشارة رسمية إلى غيابه وقتذاك، وفي المقابل أعلن عباسي مدني قبوله مبدأ «الهدنة» ونددت الإنقاذ بعمليات التخريب التي كانت قد لحقت المؤسسات التعليمية ووترت الدخول الدراسي، كما تنصلت من أي مسؤولية في حكومة «الخلافة الراشدة» التي كان شكلها شريف القوسمي «أبو عبد الله أحمد» غير أن التجربة الحالية تشي بمتغيرات أساسية أهمها إصرار الحكومة على انهزام الإرهاب واستمرار «بقاياه»، وتنفي علنياً إجراء أي اتصالات مع الإنقاذ خلافًا لما جاء في بيان وقف إطلاق النار، ثم هي ما فتنت تتحدث عن الإنقاذ بصيغة، الحزب المنحل وإذا كانت هذه الإمكانية غير واضحة المعالم، وقليلة الحظ مظهرياً، فإن تقديرنا الشخصي أن تأكيد عباسي مدني على أولوية الجزائر إذا وضعت هي والإنقاذ في الميزان تشكل إحالة على استعداد واضح لتغيير الاسم.
طرح حلول جديدة
المشكلة هنا أن التجربة الأولى اتسمت بقدر من الشفافية أمكن معه التقاط وتسجيل بعض المبادرات التي بدرت من الأحزاب والإنقاذ، أما الآن فإن الطبقة السياسية تبدو مصدومة ولم تخف تحفظها إزاء أنباء الاتصالات الثنائية بين الإنقاذ والجيش لا أدل على ذلك من تصريح نحتاج، وسعيد سعدي على التوالي بخصوص مبادرة الجيش الإسلامي للإنقاذ بأنها مضيعة للوقت و«لا تشكل حدثًا»، وإذا كانت الحلول السابقة قد أفضت في محصلتها النهائية إلى طريق مسدود عندما تعثرت الجهود أمام إشكالية من يسبق من البيضة أم الدجاجة التفاوض بعد أم بالتزامن مع إعلان وقف إطلاق النار؟ وهل هذا الوقف يعلن بالاشتراك مع السلطة أم من جانب واحد؟ وهل قبل إطلاق سراح الشيوخ أم بعده... إلخ، فإن المشهد الحالي يلفه الغموض، فالسلطة أطلقت عباسي مدني ثم عاودت حجزه في منزله، ثم أعلنت الإنقاذ بطريقة ملتوية عن وقف إطلاق النار في ظل تغييب علي بن حاج، وفي ظل تضارب الأنباء عن حقيقة موقف عباسي مدني من شروط وقف إطلاق النار وليس من حيث المبدأ، والذي يمكن ان نقدره هنا هو أن جبهة الإنقاذ قدمت تنازلات واضحة فهي بعد أن اعترفت بشرعية زروال ها هي توقف إطلاق النار في غمرة الاستعداد للانتخابات المحلية، ولعل تحفظ الحكم الظاهري مؤقت في نظرنا؛ إذ إن تصعيد الإرهاب لا يساعد على استجابة فورية، ربما تأتي بعد الانتخابات في انتظار هدوء نسبي على أن الجمود السياسي إذا طال قد ينقلب إلى نتائج عكسية، أي إلى تدهور الأوضاع.
خلال التجربة التفاوضية الأولى لاحظنا أن هناك استشعارًا متبادلًا لخطورة الوضع وسعيًا مشتركًا لتجنب مزيد من التدهور، غير أن المرحلة الحالية تحيط بها ظلال كثيفة من الغموض فيما يتعلق بموقف السلطة وفيما يتعلق بمجمل حقيقة الأوضاع، وكذا مدخلات البيئة الدولية ففي نهاية سنة ١٩٩٤م سجل المراقبون جديدًا بدأ مهمًا تمثل في خروج السلطة عن صمتها وإعلانها بوضوح وعلى نحو رسمي عن حجم خطورة الأوضاع والخسائر التي تكبدتها الدولة، فقد أعلنت حصيلة عشرة ألاف قتيل، وأعلنت أيضًا حصيلة المؤسسات التعليمية التي لحقها التخريب، مقدرة بحوالي خمسمائة مؤسسة، وفي ذلك الوقت كانت الجزائر بعبع رجال الأعمال والفاعلين الاقتصاديين الدوليين بحيث تزعمت قائمة البلدان الأكثر خطرًا على الاستثمار في العالم، وشهدت أيضًا موجة متوالية العمليات إقفال وإغلاق المرافق الدبلوماسية والخطوط الجوية الدولية، أما الآن فالسلطة تفتخر بأن الجزائر قد تحولت قبلة للاستثمار الاقتصادي الدولي الأمريكي الأوروبي، فقد وقعت معها الشركات الدولية سلسلة تعاقدات في حقلي النفط والغاز في ظل سياسة خارجية أمريكية قائمة استراتيجيتها على معايير «جيو اقتصادية» نفعية فهي بعد أن ضمنت مناجم زائير «سابقًا»، والدول المحيطة بها ها هي تستهدف الثروة الطاقية الجزائرية في انتظار استكمال بيكر لجهوده في ضمان الاستقرار في شمال إفريقيا، والسلطة الحالية تبدو مصرة إصرارًا عصبيًا على مفهوم «بقايا الإرهاب»، وهي ما فتئت تؤكد أن أجندتها السياسية ستمر» وأن مؤسساتها قوية بالقدر الذي يسمح بإطفاء حرائق العنف عاجلًا أم أجلًا بحيث يجري على السنة الرسميين الجزائريين ذكر متكرر لأطروحة أن الجزائر التي ضحت ١٣٠ سنة وأن أمريكا اللاتينية التي عشش فيها العنف عشرات السنين كلها دلائل على أن الإرهاب طريقه مسدود وأن الجزائر ستنتصر عليه في نهاية المطاف.
فيما يتعلق بالطرف الآخر فإنه يبدو هذه المرة أكثر استشعارًا من أي وقت مضى لخطورة تدهور الأوضاع على الجزائر كأمة ودولة ولذلك نزعت الإنقاذ غطاءها السياسي والأخلاقي عن العنف الإرهابي والكرة الآن في ملعب السلطة التي لا يزال يبدو على أقوالها نوع من عدم الاكتراث بخطورة وتداعيات العنف فهل يحتاج الأمر إلى تدخل طرف ثالث.
دور الأطراف الثالثة
إن المتغيرات الواردة في الفقرة أعلاه جعلتنا نلاحظ أن الموقف الدولي عرف حالة من الانكفاء الأقرب إلى سكوت الرضا، وذلك منذ فورة عقد روما، بل وإن الموقف الأمريكي الأخير كان من الإثارة بالقدر الذي يدل على درجة تحول موقف وسلوك الفاعلين الدوليين المؤثرين لولا أن المذابح الأخيرة فرضت بوقعها الإنساني العالمي الملف الجزائري من جديد في دوائر الضوء وراحت منظمات حقوق الإنسان تكشف عن نفاق وتواطؤ الغرب المتحضر مع الهمجية غير المسبوقة في الجزائر، المهم أن الموقف الدولي حملته الأحداث الأخيرة على التململ وصرنا الآن أمام صيغتين أو مشروع صيغتين مطروحتين للحل صيغة التدويل وصيغة الجزارة وأي من الصيغتين في رأينا غير مؤهلة لإنجاح التسوية في غياب انخراط السلطة.
فإذا كانت الصيغة الأولى تستبطن موقفًا ثقافيًا أقرب منه إلى المزايدة والمراوغة أمام الرأي العام الدولي، وهي تلقى تحفظاً عدائيًا مفهومًا من السلطة التي تجيد لعب ورقة «الوطنية»، الدفينة في ذاكرة الشعب الجزائري وعقله الجمعي، فإن الصيغة الثانية وهي مفضلة عند كل عاقل غيور على الجزائر تبدو ناقصة، بل قاصرة على استيعاب عمق الأزمة الاجتماعي السياسي ومتغيراتها المتشعبة في ظل غياب اعتراف سلطوي صريح بدور الإنقاذ، فالسلطة كما قلنا سابقاً تريد الإنقاذ كحزب عادي مدمج في مجال سياسي مدجن ومستأنس ومفروغ إلى حد كبير من محتواه التعددي الديمقراطي، وليس جبهة ندأ وطرفًا متساويًا يفاوض على أسس وقواعد بناء اللعبة السياسية من جديد.
ها هنا يأتي دور الأطراف الثالثة، لكن هذه المرة من موقع التشجيع وتسهيل الاتصال وتقديم المساعدات لهذه الغاية، وإضفاء المصداقية على المعلومات المنقولة أي تدخل طرف ثالث بطريقة محسوبة وحذرة، طريقة المشي فوق البيض، لتجنب الإثارة والإحراج ولكسب جولات القفز فوق الحواجز المنتصبة من استئصاليي الطرفين المتخوفين من التسوية التي ستضر بمصالحهما بالتأكيد.
في هذا الصدد، وعلى سبيل التكهن لا أكثر يرد اسم بعض الأطراف المشرقية كوسيط خير ومسهل لعملية البدء في التفاوض، ومع أن السلطة نفت أي اتصال أو وساطة، فإن الإنقاذ لم تنف هذا النفي، مؤكدة وجود اتصالات مع الجيش لا الحكومة، إن الزيارة الأخيرة لزروال للمشرق العربي واصطحابه مستشاره للشؤون الأمنية ضمن الوفد الجزائري قد تعزز هذا التكهن.
وربما يكون ذلك مؤشرًا إيجابيًا على إمكانية وجود جهد خير في اتجاه تعريب حكيم لحل للأزمة كخيار وسط بين «التدويل» الخطر و«الجزارة» المنقوصة.
لكن هناك أسئلة معلقة في أزمة شديدة التعقيد، وهي دور علي بن حاج، وموقف الأطراف المتضررة، والهامش المتاح للتسوية والتفاوض بعد إجراء الانتخابات، أي أرضية التفاوض، وموقف الطبقة السياسية ... إلخ.
الأسابيع القليلة المقبلة قد تكشف عن جانب من الأجوبة .. لننتظر ونرى!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل