; نحو هوية أصيلة عصرية.. لرؤية إسلامية وسطية (1 من 4) | مجلة المجتمع

العنوان نحو هوية أصيلة عصرية.. لرؤية إسلامية وسطية (1 من 4)

الكاتب د. عوض بن محمد القرني

تاريخ النشر السبت 10-ديسمبر-2005

مشاهدات 61

نشر في العدد 1680

نشر في الصفحة 66

السبت 10-ديسمبر-2005

كثر الحديث عن الوسطية والاعتدال والمنهج الوسطي، وتفاوتت طروحات كثير من الناس حول مفهوم الوسطية ما بين مشرق ومغرب، فالبعض يرى أن الوسطية والاعتدال هي التحلل من ثوابت الدين وأصوله وكلياته والجري وراء محاولات تغريب الدين وعلمنته ولبرلته تحت لافتة عصرنته وتقدميته وتحديثه.

والبعض الآخر يوغل بالإسلام في التشدد والغلو والتقليدية التاريخية بعيدًا عن اعتبار مقاصد التشريع وعلل الأحكام وفقه المصالح والمفاسد وعدم تفريقهم بين العقائد والعبادات من جهة وبين المعاملات والعادات والسياسة الشرعية من جهة أخرى، بل إصرارهم أحيانًا على صورة تاريخية محدودة تعبر عن استجابة مذهبية أو شخصية لتحديات معينة من خلال مرجعية وخلفية إسلامية. ويعتبرون تلك الصورة هي الإسلام الوسطي الخالد الواجب الأخذ به في كل عصر ومصر بما فيه عصرنا ومصرنا.

نعم، قد تكون تلك الرؤية وتلك الاستجابة تجديدية وعصرية وأصيلة في وقتها، وقد يكون العديد من عناصرها ومكوناتها ما زال صالحًا لأيامنا وظروفنا ومشكلاتنا، بل بعضها سيبقى وبالأخص في أبواب العقائد والعبادات وأصول وكليات المعاملات والعادات، لكنها لا تصلح قطعًا لتغطية كل احتياجاتنا لكثرة ما جد من أمور ونوازل وتعقيدها وتشابكها بما لا عهد للسابقين به، ولارتباط بعض تلك المكونات بظروفها الزمانية والمكانية.

وبين هاتين الرؤيتين الموغلتين في الإفراط والتفريط يجب علينا أن نتلمس معالم هوية أصيلة عصرية لرؤية إسلامية وسطية، تحافظ على الثوابت والكليات وتفتح لنا آفاق استثمار منجزات العصر وارتياد معارج الرقي والتنمية، والإسهام في بناء الحضارة الإنسانية وفق رؤية إيمانية وفي إطار شرعي، وللإسهام في بلورة هوية للرؤية الإسلامية الوسطية ذات بُعدين: أحدهما: الأصالة.

والثاني: المعاصرة.

أحببت أن أطرح رؤيتي الشخصية هذه لأهل العلم والفكر والثقافة المهتمين بالشأن الإسلامي لمناقشتها وتقويمها وبلورتها، لعلها تكون لبنة صالحة في تجلية هذا الأمر المهم، ثم بعد ذلك يكون التفصيل في دراسات لاحقة أخرى لما أُجمل هنا.

وأهم معالم ومكونات هذه الهوية من وجهة نظري ما يلي:

(1) الرؤية الإسلامية الوسطية تمزج بين الأصالة والمعاصرة، ومنطلقها في هويتها تصورًا وعملًا الإسلام بشموله لكل مظاهر الحياة في العقائد والعبادات والنظم والتشريعات والآداب والسلوك.

قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (آل عمران:85).
 

وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣).

وقال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ (البقرة:143).

وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 162).

(2) مرجعية هذه الرؤية الكتاب والسنة، وتفهم في ضوء قواعد اللغة العربية دون تكلف ولا شطط، وتؤسس فهمها للجزئيات وفق مقاصد الشريعة، وتبنى على ذلك فقه المصالح والمفاسد واعتبار المآلات ومراعاتها والنتائج والعواقب.

قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل:89).

وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية:18).

وقال تعالى: ﴿قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (الزمر:28). 

(3) المنهج الوسطي هو منهج أهل السنة والجماعة الذي يرجح فهم السلف دون تعصب لمذهب أو جماعة، ويعرف لأهل الفضل فضلهم ويقبل الحق ممن جاء به وإن كان بعيدًا بغيضًا، ويرد الخطأ وإن جاء من قريب حبيب.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة:8). 

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ  أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء:135).

وفي العدد القادم إن شاء الله، نكمل بقية معالم ومكونات هذه الهوية.

الرابط المختصر :