العنوان الحكومة اللبنانية والسلطة الفلسطينية في الميزان
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-2000
مشاهدات 55
نشر في العدد 1393
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 28-مارس-2000
في الأنباء الصادرة من بيروت خلال فترة العيد أن الحكومة اللبنانية قدمت احتجاجًا شديد اللهجة للأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان حول قيام الجلادين الصهاينة في أحد السجون "الإسرائيلية" باعتداءات مهينة وغير إنسانية ضد مصطفى ديراني أحد قادة المقاومة اللبنانية في جنوب لبنان.
وفي رسالة وجهها رئيس الوزراء اللبناني سليم الحص إلى كوفي عنان، وكذلك ماري روینسون مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وصف الحص ما حصل لديراني بأنه عمل نازي إرهابي. وطالب الرئيس الحص الأمم المتحدة بالتدخل الفوري لوضع حد لمثل هذه الأعمال النازية الإرهابية والوحشية وغير الإنسانية.
محامي ديراني ويدعى زيفي ريش قال: إن موكله رفع دعوى طالب فيها بتعويض قدره 1.5 مليون دولار ضد الحكومة "الإسرائيلية" بسبب عملية الضرب المنظم والاغتصاب الجنسي الذي كان يمارسه ضده سجانوه الصهاينة.
وقال المحامي: إن محققي جهاز الشين بيت "الإسرائيلي" مارسوا التعذيب الوحشي بحق ديراني، وأبقوه عاريًا تمامًا لأكثر من شهر، كما سمحوا لأحد الجنود "الإسرائيليين" باغتصابه أكثر من مرة.
السيد ديراني واحد من عدد من قادة حزب الله ومقاتليه المعتقلين في السجون "الإسرائيلية" بغرض استخدامهم ورقة مساومة الإنقاذ جنود "إسرائيليين" مفقودين في لبنان، من ضمنهم رون عراد الذي وقع في قبضة المقاومة اللبنانية عام ١٩٨٦م، وكانت قوة كوماندوس "إسرائيلية" قد خطفت ديراني من بيته في جنوب لبنان في مايو 1994م، وهو يقبع حتى اليوم في الاعتقال الإداري بدون تهمة أو محاكمة.
مثل هذه الممارسات والأعمال الوحشية لیست بالشيء الجديد، ربما كان الاغتصاب جديدًا على الدولة العبرية القائمة أساسًا على اغتصاب حقوق الشعب العربي، وهذه الدولة بخلاف كثير من دول العالم الأخرى تلقى الدعم والتأييد والحماية من الإدارة الأمريكية التي نصبت نفسها حكمًا وخصمًا ضد كل دولة تقرر الولايات المتحدة لسبب مصلحي أنها تنتهك حقوق الإنسان فيها.
على أن الأمر الذي يستحق الوقوف عنده هو موقف الحكومة اللبنانية المتضامن مع أبطال المقاومة في الجنوب. فهو موقف عربي نادر بين مواقف عربية أخرى ذهبت في تطرفها إلى حد تسليم مواطنيها لدول أخرى لمحاكمتهم على تهم وهمية ومفبركة لم يرتكبوها.
إن انسجام الموقف الرسمي اللبناني وتناغمه مع الموقف الشعبي المقاوم للاحتلال مسألة تستدعي الاحترام، على الرغم من أن الحالة اللبنانية بحاجة إلى موقف أكثر صلابة من جانب الحكومة.
وفي الأنباء التي تخللت العيد أيضًا ومن فلسطين المحتلة أن أجهزة أمن السلطة الفلسطينية قدمت معروفًا جديدًا لأجهزة أمن الاحتلال الصهيوني، يضاف إلى سجلها المعهود في هذا الجانب، عندما اعتقلت عضوين في الجهاز العسكري لحركة حماس في نابلس، وقدمتهما إلى المحاكمة بعد منتصف نفس ليلة الاعتقال بتهمة علاقتهما بالخلية المسلحة التي استشهد جميع أعضائها الأربعة في بلدة الطيبة الفلسطينية المحتلة عام ١٩٤٨م، وادعت مصادر أمنية فلسطينية بأن الشابين المعتقلين كان بحوزتهما مواد متفجرة وأسلحة.
التعاون الأمني بين السلطة والدولة اليهودية ليس بالجديد، فهو في صلب اتفاق أوسلو المشؤوم، وكذلك محاكمات منتصف الليل أمام محكمة أمن الدولة الفلسطينية، فهي نهج تسير عليه محكمة السلطة منذ إنشائها، لكن ربما يكون الجديد واللافت للنظر في هذه القضية التبرير الذي تسوقه السلطة في معرض دفاعها عن فكرة محاكمة السجناء الأمنيين بعد منتصف الليل، فهي تدعي بأنها تحاكمهم بسرعة قبل أن تقدم سلطات الاحتلال الصهيوني طلبًا لتسليمهم إليها في اليوم التالي؛ يعني أن السلطة خائفة على أبنائها اللدودين من احتمال مطالبة "الإسرائيليين" بهم، ولذلك تحاكمهم في محكمة تفتقر إلى أدنى مقومات العدالة من دون محامين، وربما بدون لائحة اتهامات صحيحة، ثم تحكم على بعضهم بالمؤبد أو بمدد طويلة، وأحيانًا كانت تحكم على آخرين بالإعدام، مع أنهم لن يعدموا إذا ما جرى تسليمهم للشين بيت الصهيوني؛ فأي تناقض هذا بين ادعاء السلطة حول محاكمات منتصف الليل وبين الأحكام القاسية ربما الأقسى من الأحكام "الإسرائيلية" التي تصدرها محكمة أمن الدولة الفلسطينية.
أصبح أقصى ما تستطيع السلطة عمله لأبناء شعبها المقاومين للاحتلال هو زجهم في سجونها الكثيرة حماية لهم من معتقلات العدو الصهيوني وسجونه، يأتي ذلك في وقت ينسى فيه حتى مفاوضو السلطة من إمكان انتزاع مكاسب حقيقية من باراك، فالعملية التي يسمونها سلمية وما نتج عنها من سلطة هزيلة لا تقدم لشعبها سوى المزيد من السجون والفساد والإحباط، هذه العملية أصابت الفلسطينيين في مقتل، وجردتهم من انتفاضة كانت ستحقق الكثير لو أنها استمرت سنوات قليلة أخرى.
موقف الحكومة اللبنانية من المقاومة في الجنوب يبعث على الاعتزاز، بينما موقف السلطة الفلسطينية من مقاومة الاحتلال يثير الاشمئزاز، فالحكومة اللبنانية الضعيفة أصبحت قوية بتمسكها بحق شعبها في مقاومة الاحتلال في الجنوب، وازداد قوة معنوية بالموقف العربي الداعم لها، كما بدا في اجتماعات مجلس وزراء الخارجية العرب الذي خرج عن البروتوكول ،وفضل عقد اجتماعه في بيروت للإعراب عن تضامن العرب مع لبنان في وجه الاعتداءات "الإسرائيلية" الأثمة عليه، لكن ذلك لا يعني أن الموقف العربي ارتقى إلى مستوى المطلوب منه تجاه قضية استباحة لبنان من جانب الآلة العسكرية الصهيونية.
أما موقف السلطة الفلسطينية في إصرارها على تنفيذ الشق الأمني من اتفاق أوسلو من جانب واحد دون أن يقابله التزام "إسرائيلي" بتنفيذ الاتفاقات المتتالية التي وقعت بين الجانبين، بخصوص إعادة الانتشار من أراضي الضفة، وإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين فهو موقف مريب، لا يدعو إلى موقف عربي داعم، ولا إلى مجرد التفاتة عربية نحو السلطة. هو موقف يجعل السلطة تصطف في نظر الفلسطينيين والعرب إلى جانب الاحتلال "الإسرائيلي"، وليس إلى جانب شعبها كما يتطلب ذلك المنطق ونخوة الثوار.
هذا المنطق المعوج لا يبشر بخير ولا بإمكان استعادة الحقوق المسلوبة، أو إقامة الدولة الموعودة.
في فلسطين ينام الاحتلال الصهيوني قرير العين بفضل نخوة السلطة وحرصها على الأمن "الإسرائيلي"؛ بدلًا من حماية شعبها، وفي لبنان لا ينام الاحتلال؛ بل يجمع فلوله للرحيل مخزيًا مهزومًا عما قريب بإذن الله.