; الرفاه قادم (2) REFAH PARTISI GELDI التمرين السياسي ثم النضوح | مجلة المجتمع

العنوان الرفاه قادم (2) REFAH PARTISI GELDI التمرين السياسي ثم النضوح

الكاتب محمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 23-يناير-1996

مشاهدات 63

نشر في العدد 1185

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 23-يناير-1996

محمد الراشد يكتب من إسطنبول 

عندما التقيت بالنائب شوكت قازان يوم الثلاثاء 26/12/1995م، في مركز حزب الرفاه بأنقرة، وهو نائب الرفاه المسؤول عن شؤون البرلمان ووزير العدل السابق في حكومة ائتلاف عام 1975م، أكد لي بكل ثقة أن حزب الرفاه ليس لديه أية حساسية تجاه مشاركته فى الائتلاف مع أي حزب آخر، وعدد لنا مشاركات الإسلاميين في ثلاث حكومات سابقة «73، 74، 75»، وهو يخشى أن يخضع الحزب الآخر للضغوط بما يسبب فشل الائتلاف.

وفي نفس اليوم عقد الرئيس أربكان مؤتمرًا صحفيًا أوضح من خلاله مرونة الحزب للائتلاف مع أي حزب آخر، وهو يقول ردًا على سؤال أحد الصحفيين الذي استغرب أن يتآلف الرفاه مع أحزاب ماسونية علمانية: «نحن نرى أن تشكيل الحكومة هي خدمة الشعب التركي والشعب يريدنا أن نشكل الحكومة، وعلينا أن نطيع رغبة هذا الشعب، ونحن نخاطب هذه الأحزاب كحزب كبير فنقول لهم «اقبلوا يا أبنائي»، ولا بد أن ننطلق معهم، وإذا وجدنا أفكارًا طيبة من الأحزاب الأخرى فسننقلها للشعب وليس لدينا مشكلة مع أي حزب كان، ونحن مستعدون أن نأخذ أية توصيات مصيرية، وهذا ما نعتقده بأنه صحيح». 

وفي الواقع أن البروفيسور أربكان وقيادة حزبه ليسوا جددًا على العمل السياسي في تركيا، بل إن التيار الإسلامي بعمومه كان يمارس العمل السياسي والتأثير في الحياة السياسية التركية بشكل أو بآخر، فالقوى الإسلامية التي دعمت الحزب الديمقراطي إبان الخمسينيات ومن بعده حزب العدالة في الستينيات، كانت في حقيقة الأمر تنهج استراتيجية البقاء، والمحافظة على الكيان الإسلامي «الشعائر والدين والفكر»، في ظل علمانية ديكتاتورية حاولت اجتثاث الإسلام بشعائره وشرائعه ورموزه وشخصياته وتاريخه. 

فكان أن دعمت عدنان مندريس، ثم سليمان دميريل، لتحقيق أهداف أهمها تحطيم الكمالية المنفردة بالحكم والمتمثلة بالحزب الجمهوري، ودفع أي سياسي لانتهاج سياسة إسلامية -معتدلة، كما أنها حطمت صورة الكمالية، وبطولة أتاتورك بإيجاد رموز أخرى تعارض سياساته ونهجه في الحريات والسياسات الوطنية والحقوق العامة.

كما كانت فرصة للإسلاميين لكي ينتعشوا على تناقض المصالح الشخصية  والحزبية للأحزاب العلمانية، مما يتيح لهم مجال العمل الجاد والتي أفرزت بعد ذلك الواقع السياسي الجديد الذي بدأ بظهور نشاط سياسي في الحياة السياسية التركية في أواخر الستينيات.

العمل النقابي والطلابي

كان العمل النقابي والطلابي الإسلامي الذي نما خلال فترة الستينيات هو المناخ الحركي الذي هيأ السياسة التركية للقبول التدريجي للعمل الإسلامي السياسي، حيث استطاع رجال الدين الإسلاميين من الجماعات الإسلامية المختلفة دعم اتحاد الطلبة الأتراك ليسيطر عليه الإسلاميون، ونمت مجموعة من الجمعيات التي تمارس العمل الخيري والعلمي، وتمارس السياسة سرًا في جمعيات تأسيس حلقات القرآن التركية، وجمعيات محاربة المشروبات الروحية «كجمعية الهلال الأخضر»، وقد قامت جمعية نشر العلم بافتتاح 17 فرعًا لها، وقد بلغت هذه الجمعيات حوالي «1.700» جمعية سنة 1968م، وقد تجاوزت الحركة الإسلامية أحيانًا حدودها فقد قامت بعض المظاهرات الطلابية التي كانت تدعو علانية إلى «تركيا إسلامية»، وكان من أهم شعاراتها «الإسلام قادم»، كما عقد في أوائل عام 1968م في مدينة بورصة اجتماعًا سمي «اجتماع حماة المقدسات»، حيث تبنى المجتمعون أن الإسلام دين ودولة، وأن تعود الشريعة بدلًا من القانون، وأن السلطة للإسلام لا للقوميات. 

وكانت هناك تجمعات جماهيرية في ميادين كبرى في إسطنبول وغيرها في أواخر الستينيات، وتبنى الإسلاميون استراتيجية التحالفات السرية مع الاتجاهات الوطنية التي تحارب اليسار والشيوعية، حيث بنى تحالف سري سمي «اتحاد النضال الوطني»، يضم جبهة  عريضة من المثقفين ينادون بالإسلام والوطنية التركية ويهاجمون العلمانية.

النموذج السياسي الأول

في أواخر الستينيات انضم أستاذ جامعي إلى حزب العدالة الذي يرأسه سليمان دميريل، وأصبح هذا الأستاذ أحد قادة حزب العدالة، ولكن في الحقيقة كان يحرج دميريل، ويدفعه لانتهاج سياسة أكثر إسلامية، هذا الرجل هو البروفيسور نجم الدين أربكان، وقبيل انتخابات 1969م ضحی «دمیریل» بأربكان ومجموعته «26» نائبًا، وشطبهم من قوائم الانتخابات، فما كان من أربكان ومجموعته إلا أن رشحوا أنفسهم كمستقلين عن دائرة قونية، وحققوا نجاحًا باهرًا، وكان ذلك إيذانًا ببدء تشكيل أول حزب إسلامي في تركيا في وقت كان من المحال أن ينشأ حزب محافظ، فكيف بحزب ذي خلفية إسلامية، وتم تأسيس حزب النظام الوطني في 26/1/1970م، وأسس الحزب معه زملاؤه حسن أقصاي «مسؤول الإعلام»، وأحمد توفيق بك «مسؤول شؤون الانتخابات والجماعات»، وسليمان عارف «السكرتير العام»، وإسماعيل مفتي أوغلو «المساعد العام»، وعمر فاروق أركين «المسؤول المالي».

 وكان الأساس الفكري للحزب هو الإسلام ومناهضة العلمانية، وتم تأييد الحزب من صحيفة «صباح»، و«بوكون» وانتمى للحزب في يوم تأسيسه «١٥ألف عضو» وانضم «٥٠٠» آخرون إلى المؤسسين، وبدأت مسيرة الحزب ضد الماسونية والشيوعية والإلحاد، وتجنب الحزب الخروج على نص الدستور، وركز على برامج العدالة الاجتماعية والأخلاق والاهتمام بالعلوم والتكنولوجيا، وقبوله بعلمانية لا تعادي الدين، وتم إغفال أتاتورك تماما في أدبيات الحزب.

الجيش يتدخل

وكانت نتائج انتخابات «٦١,٥٦،٥٠٠, ٦٥, ٦٩» تؤكد للجيش التركي ما هي القاعدة التي تدفع بالأغلبية للبرلمان، لقد كانت القاعدة الشعبية العريضة ضد الحزب الجمهوري العلماني الذي أسسه أتاتورك، وكان الشعب ينتخب من يحترم الدين ونجاح أربكان ومجموعته، وهم مستقلون كان صدمة للجييش الذي أقسم على حماية إرث أتاتورك, ولذلك سارع الجيش بانقلاب مارس ۱۹۷۱م لإجبار حكومة دميريل على تشكيل حكومة ائتلافية مع حزب الشعب الجمهوري، وقامت حكومة الجيش بحل حزب النظام الوطني في إبريل ۱۹۷۱م لأنه على حسب ادعائها خالف مبادئ الدستور التركي، وأنه يعمل لإلغاء العلمانية في البلاد، وإقامة حكومة إسلامية, والعمل على تغيير الأسس الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية التي تقوم عليها تركيا، وأنه يعمل ضد مبادئ أتاتورك ويقوم بتظاهرات دينية.

وصدر الحكم على شخصيات الحزب بعدم تأسيس أي حزب آخر، وأن لا يرشحوا أنفسهم لانتخابات قادمة ولو بشكل مستقل لمدة 5 سنوات

التأسيس الثاني

·      في عام ١٩٧٢م, أعيدت الحياة السياسية لتركيا بعودة الانتخابات، وتخلى العسكر بسبب سقوط مرشحهم للرئاسة «فاروق غورلر»، وقام الأستاذ «عبد الكريم دوغرو» مدير شركة للأزوت مع زميله رجل الأعمال «تورهان أكيول» بأخذ ترخيص لتأسيس حزب جديد في ١١/١٠/ ۱۹۷۲م سمى «بحزب السلامة الوطني», وتم افتتاح ٤٢ مركزًا رئيسيًا، و3٠٠ مركز فرعي للحزب خلال ستة أشهر من تأسيسه، وصدرت للحزب جريدة رسمية «مللي جازیت»، ودخل الحزب الانتخابات النيابية في الرابع عشر من أكتوبر عام ۱۹۷۳م، ونال ۱۲% من الأصوات ب«49» مقعدًا، وأصبح الحزب الثالث، وبالرغم من حداثة الحزب إلا أنه أصبح العامل الرئيسي في تشكيل حكومات الائتلاف إلى انقلاب ۱۹۸۰م.

النضوج السياسي المبكر

·      لقد كانت شخصيات حزب السلامة ناضجة في تفكيرها السياسي، فقد أتضح هذا النضوج في التالي:

1-   تجاوز الحزب حساسية تجاه الأحزاب العلمانية، وخصوصًا الحزب الكمالي حزب الشعب الجمهوري، والذي ترأسه بولنت أجاويد بالرغم مما سببه أتاتورك للمسلمين من الأم, ولكن تبصر «عقلاء السلامة» في إيجاد نشاط سياسي تنفيذي، من خلال المشاركة في حكومة ائتلاف كان هدفًا استراتيجيًا لتقبل العلمانية التركية واقع النشاط الإسلامي حاضرًا ومستقبلًا، ومن ثم فقد أصبح نجم الدين أربكان، نائبًا لرئيس الوزراء وحصل حزب السلامة على «٧» وزارات هي:

«الصناعة، والجمارك, والتموين, والداخلية, والعدل, والتجارة, والزراعة».

2-   النفاذ من خلال السلطة التنفيذية لتطبيق البرنامج الإسلامي وبرنامج الحزب في العدالة الاجتماعية والحريات حيث فتح عدد كبير من مدارس الأئمة والخطباء وعاد النشاط التعليمي الإسلامي بشكل فعال، ولأول مرة تتضمن المناهج الحكومية مادة الأخلاق كمادة إجبارية في المدارس، وسمح للأتراك بالحج برأ، وتم العفو عن السجناء السياسيين، ولأول مرة طالب الحزب بإعادة النظر في الماسونية وخطورتها على تركيا، كما استطاع من خلال تسلمه لوزارة الداخلية أن يعيد ترتيب مناخ هذه الوزارة ويهيئ لها كوادر شابة ومخلصة.

3-  تطبيق البرنامج العملي الاقتصادي للإسلاميين، حيث استطاع السلامة، أن يقدم نموذجًا عمليًا للشعب التركي وللأحزاب العلمانية خطة تصنيع ثقيلة تم خلالها فتح ۱۰۰۰، مصنع خلال عام واحد فقط ومنعت الدسائس الحكومية تنفيذ خطة السبع سنوات التي وضعتها وزارة الصناعة، والتي يرأسها وزير من حزب السلامة وقد تم تصنيع مناطق الأناضول الثانية حتى سعى نجم الدين أربكان أبو الصناعات الثقيلة كما تم إنشاء بنوك تحقق أرباحًا دون فوائد استولت عليها الحكومة بعد ذلك، ونشط القطاع الزراعي عبر خطة وزارة الزراعة، حيث أعفي الفلاحون ورجال الصناعات الزراعية من فوائد القروض، وخفضت أسعار الأسمدة، وتم استبدال ۱۰ جرار زراعة الدخان بالحبوب ووزعت على الفلاحين خلال سبع سنوات.

4-   أما النقلة الوطنية والتي أبرزت وطنية حزب السلامة فهي معركة نصر قبرص، عام ١٩٧٤م, حيث استطاع نجم الدين أربكان في غياب الرئيس أجاويد في جولة أوروبية إقناع قادة الجيش للنزول في قبرص الحماية الأقلية المسلمة «٢٠%» بعدما كادت أن تفنى بواسطة الانقلاب العسكري في قبرص عام 1973م، والذي طالب بضم الجزيرة إلى اليونان, والتي تبعد عنها ٦٠٠ كيلو متر، في حين لا تبعد «٦٠٠» كيلو مترًا عن تركيا، وقد عملت بريطانيا إبان احتلالها للجزيرة إلى خروجها عام ١٩٦٠ من تمكين الهجرة لليونانيين للجزيرة، حتى أصبحوا أغلبية ظاهرة، كان هذا النصر يؤكد قدرة الحزب على اتخاذ قرار وطني وشجاع في الوقت المناسب.

5-  ومن النضوج السياسي الذي بلغه هذا الحزب هو الحصول على ضمانات رسمية من حزب الشعب حزب الأغلبية، من خلال بروتوكول وقعه الحزبان، ويقتضي هذا الاتفاق على بعد نظر حيث جسد قادة حزب السلامة رؤيتهم في الحقوق الإنسانية، وانعكست أخيرًا على الوجود الإسلامي في تركيا حيث اتفق الطرفان على إطلاق الحريات العامة بما فيها حرية الصحافة وإطلاق سراح المساجين السياسيين، ولهذا لم يحتكر الحزب الحرية لنفسه، وإنما دعا لصيانتها كحق إنساني للجميع، ولقد بني الإسلاميون في عملهم السياسي أخلاقًا تؤكد قدرتهم على قيادة السياسة التركية مستقبلًا، فها هم يتحالفون المصلحة وطنهم دون اعتبار الحساسية التاريخ والتدرج للوصول إلى إحداث تحولات وتغييرات عبر السلطة التنفيذية دونما اصطدام مباشر يستهلك القوة الإسلامية عدا شعورهم بأهمية اقتناص الفرص المتاحة، ودرء المخاطر المتوقعة من تفردهم في الساحة السياسية.

الرفاه يخلف السلامة

·      لقد ظل حزب السلامة في جهادة السياسي مع الأحزاب التركية في تشكيل الحكومات عام ١٩٧٤م, و ۱۹۷5م، و۱۹۷۷م, أكسبته خبرة سياسية أفادته لرفاه الثمانينيات والتسعينيات.

وتم انقلاب ۱۹۸۰م بواسطة الجيش بعدما نما التيار الإسلامي واستجدت على الساحة معطيات الثورة الإيرانية، وفوضى الإرهاب الثوري الشيوعي، وتم حل الأحزاب السياسية، ومحاكمة رؤسائها، ومنهم أربكان و«۳۳»، شخصية من قادة الحزب، وبنفس التهم صدرت نفس الأحكام، وكان هاجس الجيش تلك التغيرات التي طرأت على الساحة التركية، حيث احتشد ما يقارب ۱۰۰.۰۰۰ شاب تركي في الشهر التاسع من عام ١٩٨٠م. يطالبون أربكان ب «الجهاد المقدس» بعدها بأربعة أيام تم الانقلاب بعد استشارة حلف شمال الأطلسي في اجتماعه في مارس ۱۹۸۰م وموافقه الولايات المتحدة على هذا الانقلاب.

وفي عام ١٩٨٣م تم السماح بعودة الأحزاب للانتخابات دون أن يمارس أي سياسي سابق هذا الحق، وتم تشكيل حزب الرفاه عام ١٩٨٣م ليخوض انتخابات ۱۹۸۷و۱۹۹۱م، وحقق الرفاه السبق على جميع الأحزاب العلمانية ليصبح الأول ب ١٥٨ مقعدًا، ونسبة ٢١.٩ % من الأصوات بعد 8 سنوات من دخوله أول انتخابات وللحديث بقية إن شاء الله .

الرابط المختصر :