العنوان ركْبُ الخالدين يسارع الخطو
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 07-يوليو-2012
مشاهدات 65
نشر في العدد 2010
نشر في الصفحة 41
السبت 07-يوليو-2012
ركْبُ الخالدين متتابع الخطو، متشابك السواعد، متسارع الزحف، متواصل العطاء، متعانق الغايات، قاهر للصعاب، مذلل للعقبات، مُتَحَدٍ للمحن، مغالب للعواصف، مقتحم للأهوال، مصارع للحتوف، يحمل المشاعل ويرسم للأمة طريق النور، ويبدد الظلام ويضيء للأجيال دروب الهداية، ويبعث الأمل ويقود الركب إلى سبيل الفلاح، صابرين في البأساء والضراء، ليوثاً في النوائب والأزمات، رجال صدق ووفاء.
الصابرون إذا حل البلاء بهم كالليث عضَّ على نابيه في النُوَب
والجاعلون كتاب الله ألسنهم والكاتبون بأطراف القنا السُّلب
لا الصعبُ عندهم بالصعب مركبُه ولا المحال بمستعص على الطلبُ
ولا المصائب إذ يُرمى الرجال بها بقاتلات إذ الأخلاق لم تُصب
قُوَّاد معركة روَّاد مهلك أوتاد مملكة آسادُ مُحترب
ركب الخالدين جبال تطاول الجبال، وبحار تغالب البحار، وأمواج تصارع الأمواج، وصواعق تجاهد العواصف. ركب الخالدين هو التاريخ العظيم، والبطولة الرائدة، والمثل الحي، والمعالم الحضارية، والشموس المبهرة.
ركب الخالدين هو المجد الذي تعيش عليه الأمم، وتنهل منه الأجيال، وتربى عليه الفتية، وتبعث به الهمم.
ركب الخالدين هو الذي يعمق الهوية، ويؤصل العزة، ويبعث الكفاح، ويورث المهابة.
ركب الخالدين إيمان عملي، وتعاليم متحركة، ونماذج شاخصة، ومُثل معاشة، وسِيَر هادية، فكيف إذن يخلد الناس؟ يخلدون وهم على الأسرة الفخمة، والطنافس المزركشة، والوسائد المريحة، والفرش المبسوطة، والزرابي المبثوثة، بين الورود والرياحي وسط القصور السامقة نوالردهات المبهرة.
أيخلدون بغير كد ولا تعب، ولا نصب ولا جهد، ولا بذل، ولا عطاء، ولا نفع، ولا تدبير، ولا وعي؟
أيخلدون وهم على الموائد الشهية، وبين الكؤوس المترعة، والحياة الناعمة، والدنيا الرغيدة؟ أيخلدون وهم ضعاف النفوس، قليلو العزائم، واهنو السواعد، خاوو العقول ملتاثو الضمائر؟
أيخلدون وهم منافقو اللسان، مريضو القلوب، دنسو الذيل، ملوثو السيرة، مائجو الشهوة؟
أيخلدون وهم ضائعو الهوية، شاردو الوجهة، ذيول لا يردون يد لامس، عبيد لا يدفعون قدم راكب؟
أيخلدون بتلك الأجسام الغضة، والسواعد الهشة، والعيون الغائرة، والهمم الكليلة؟
أتتخيل هذا أو تحسبه أو يظنه أحد أو يتوقعه؟
لا تحسب المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
الخالدون كفاحاً لتغيير المنكر، وإزالة الدنس ورفع الهبوط.
الخالدون جهاداً لريادة أمة ورفع المعاناة عنها وتخليصها من الظلم والبغي والاستعباد والكذب والخيانة والغدر والفجور والبهتان.
الخالدون بناةً للفرد والجماعة، أطباء للنفوس، وبعثاً للملكات السامية، وزرعاً للصفات الكريمة، وتدريباً على الصدق والأمانة والوفاء والشرف والفضيلة.
الخالدون إنقاذاً من العار الذي تنحدر إليه الأمم، وإنهاضاً من الهزائم التي تمنى بها الشعوب، ودفعاً للتسيب الذي تصاب به النفوس.
الخالدون فرسان مواقف، وأبطال جهاد، وحملة رسالة، وطلاب غايات، لا يرهبون الموت، ولا يخافون المشانق، يقارعون الباطل فيقرعونه، ويجاهدون الظلم فيصرعونه، قد ينال من أجسادهم ولا ينال من أرواحهم، وقد ينال من أبدانهم ولا ينال من عزائمهم، عليهم حُلل الإيمان، وفيهم سمت اليقين، وبهاء المعرفة، وثبات العقيدة، قيمتهم في فطرهم لا في مظهرهم، وعظمتهم في نفوسهم لا في مظهرهم، ولله در القائل في أحدهم:
عليه ثياب لو تباع جميعها بفلس لكان الفلس منهن أكثرا
وفيهن نفس لو تقاس بمثلها نفوس الورى كانت أعز وأكبرا
والأمة الإسلامية ما عقمت من هذه النفوس الكبار، ولا فرغت من هذه العزائم القوية، التي تأبت على الهوان وعلى التدني، وصدق الله: ﴿ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾(الأحزاب:23)، وقد رأينا آل ياسر، ورأينا بالاً، ورأينا أبطال ل المسلمين الذين ثبتوا في مواجهة الباطل، وشمخوا في مجالدة الجاهلية حتى جاء الله تعالى بالنصر وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده، ورأينا أمة الإسلام في نخوتها وعزتها، وأنفتها تأبى الضعف، وتمقت الوهن في أجيالها المتعاقبة حتى أمام نفسها.
وكان من ذلك ما حكي عن سعيد بن عمرو بن العاص وعن نخوته أنه قيل له في مرضه: إن المريض يستريح إلى الأنين، وإلى شكاية ما به، فقال: أما الأنين فهو جزع وعار، والله لا يسمع مني أنيناً فأكون عنده جزعاً، وأما شكاية ما بي، فوالله لا أشتكي إلا إلى الله، فهو الذي يحكم في نفسي، إن شاء أمسكها وإن شاء قبضها، فما تقول والله في أناس يئنون من لا شيء، ويحكّمون أعداءهم في أنفسهم ورقابهم وحرماتهم؟
أترى هؤلاء يخلدون أم أنهم غثاء كغثاء السيل؟
أترى أن هؤلاء تنهض بهم أمة، أو يسود بهم شعب، أو يأنس بهم رجال، أو تركن إليهم شعوب؟ أم أنهم فيروس النهضات، ووباء الحضارات، ومكفنو الشعوب، فما بالنا إذا تصدر هؤلاء وكانت كلمتهم هي العليا، وكلمة الخالدين هي السفلى!! وبمن يعتدل الميزان وترجح الكفة؟ وفي الأمة اليوم من مواكب الخالدين رجال صدق، وفي الناس الآن من ركب المجاهدين رواد، منهم من قضى نحبه معاهداً الله صادقاً، ومنهم من ينتظر، وستكون لنا إن شاء الله معهم وقفة، فهل تستفيد الأمة من جهودهم وعزمهم وحكمتهم قبل أن يقبض الخير؟.. نسأل الله تعالى ذلك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل