; جوديث ميللر والمتـــــــاجـــــــرة بـ«الخطر الإسلامي» | مجلة المجتمع

العنوان جوديث ميللر والمتـــــــاجـــــــرة بـ«الخطر الإسلامي»

الكاتب البروفيسور إدوارد سعيد

تاريخ النشر الثلاثاء 04-مارس-1997

مشاهدات 61

نشر في العدد 1240

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 04-مارس-1997

تحليل سياسي

  • إن الذي يهم خبراء مثل «میللر» هو إبراز الإسلام كرمز للإرهاب والاستبداد والعنف!
  • إن ميللر هي صحفية ضحلة وذاتية الرأي وكتابها عن الإسلام يتسم بقصر النظر وفقدان التحليل المتزن

جوديث ميللر هي مراسلة لصحيفة «نيويورك تايمز» وكثيرًا ما تظهر من خلال المقابلات والحلقات الدراسية التي تتناول الشرق الأوسط وهي تتاجر بـ «الخطر الإسلامي»، حيث كانت مهمتها الخاصة طرح فرضية كانت قائمة منذ أكثر من ألف عام ومفادها أن الإسلام الكفاحي يشكل خطرًا على الغرب.

فالبحث عن شيطان أجنبي بعد انتهاء الاتحاد السوفييتي قد استقر، كما سبق وكان عليه الأمر لدى المملكة المسيحية الأوروبية بدءًا من القرن الثامن، على الإسلام، ذلك الدين الذي يبدو قربه المكاني وتحديه المتواصل للغرب الآن أمرًا شيطانيًا وعنيفًا كما كان عليه الأمر من قبل، كل ذلك، على الرغم من أن معظم البلدان الإسلامية في هذه الأيام تعاني من الفقر المدقع والاستبداد والعجز العسكري وغير قادرة، من الناحية العملية، على تشكيل خطر على أحد إلا على مواطنيها، وعلى الرغم من أن معظم البلدان القوية منها، كمصر والأردن وباكستان، تدور في فلك الولايات المتحدة. 

إن الذي يهم «خبراء» مثل ميللر وصمويل هنتنغتون ومارتن كرامر وبرنارد لويس ودانیال بابيس وستيفن امرسون وياري روبين، بالإضافة إلى مجموعة من الأكاديميين الإسرائيليين، هو التيقن من بقاء هذا «الخطر» ماثًلا أمام أعيننا، وإبداء أن من الأفضل وسم الإسلام بالإرهاب والاستبداد والعنف في الوقت الذي يضمنون فيه لأنفسهم استشارات مفيدة وظهورًا متواترًا على شاشات التلفزيون وإبرام عقود تتعلق بكتبهم، لقد اختُلق هذا الخطر الإسلامي حتى يبدو مخيفًا بشكل غير معقول وذلك لدعم الافتراض القائل «والذي يعتبر موازيًا بشكل مثير للاهتمام لعقدة الاضطهاد «البارانويا » بأن خلف كل انفجار تكمن مؤامرة عالمية.

لقد ووجه الإسلام السياسي بالإخفاق حيثما حاول تسلم السلطة، ويمكن اعتبار إيران حالة استثنائية في هذا المضمار، ولكن لم تستطع السودان التي كانت دولة إسلامية ولا الجزائر التي مزقها الصراع بين الجماعات الإسلامية والعسكر، أن تفعلا شيئًا، بل أصبحتا أكثر فقرًا وهامشية على الحلبة الدولية، ويكمن وراء الحديث عن الخطر الإسلامي نوع من الحقيقة مفادها أن اللجوء إلى الإسلام لدى المسلمين يغذي المقاومة «وبالأسلوب الذي سماه إيرك هويزمان التمرد البدائي لمرحلة ما قبل الصناعية» للسلام الأمريكي – الإسرائيلي في الشرق الأوسط، لم يشكل أي من حزب الله أو حركة حماس عائقًا خطيرًا أمام سفينة العملية السلمية في مسيرتها المستمرة، ومعظم العرب المسلمين في هذه الأيام محبطون جدًا ومهانون ومخدرون جدًا بالغموض والعجز وبأنظمتهم الديكتاتورية القاسية، بحيث إنهم لا يستطيعون دعم ما يشبه حملة إسلامية واسعة ضد الغرب، وإلى جانب ذلك، فإن النخب الاجتماعية على وئام تام مع هذه الأنظمة بحيث تؤيد الحكم العرفي وغيره من الإجراءات غير القانونية ضد «المتطرفين»، ولهذا، فما هو السبب الذي يكمن وراء نغمات التحذير والخوف من الإسلام في معظم النقاشات؟ لقد كانت هناك بالطبع، تفجيرات انتحارية وأعمال عنف إرهابية، ولكن هل حققت أي شيء إلا تقوية ساعد إسرائيل والولايات المتحدة والأنظمة التي تعتبر زبونًا لهما في العالم الإسلامي؟

إن الجواب على ذلك هو، كما أعتقد، أن كتبًا مثل كتاب ميللر هذا تعتبر أعراضية، ذلك لأنها أسلحة تستخدم من أجل إخضاع وإضعاف بل ولقهر وهزيمة، أي مقاومة عربية أو إسلامية للهيمنة الأمريكية - الإسرائيلية، وباتباعها بخبث لسياسة متصلبة أحادية التفكير تربط بين النزعة الإسلامية وذلك الجزء الهام استراتيجيًا والغني بالنفط في هذا العالم، فإن هذه الحملة المعادية للإسلام تلغي إمكانية قيام حوار متكافئ بين الإسلام والغرب من جهة، وبين الغرب وإسرائيل من ناحية ثانية، إن إضفاء الطابع الشيطاني ونزع الصفة الإنسانية عن حضارة برمتها قائمة على أرض الواقع، تلك الحضارة التي اعتبرها لويس بتهكم إغاظة للحداثة، قد حول المسلمين إلى أشياء تستدعي الاهتمام العلاجي والعقابي، وأنا لا أريد أن يساء فهمي هنا، فاستخدام الإسلام أو المسيحية أو اليهودية، لأغراض سياسية انتكاسية يعتبر أمرًا سيئًا بشكل مفجع ويجب أن يواجه بالمعارضة، ليس فقط في السعودية والضفة الغربية وغزة وباكستان والسودان والجزائر وتونس بل وفي إسرائيل أيضًا، ولدى الجناح اليميني المسيحي في لبنان «الذي تُبدي ميللر تعاطفًا غير لائق معه» وحيثما تظهر أي توجهات ثيوقراطية، وأنا لا أعتقد، إطلاقًا، أن كل أمراض البلدان الإسلامية مردها إلى الصهيونية والإمبريالية، ولكن هذا بعيد جدًا عن القول بأن إسرائيل والولايات المتحدة، ومن لف لفهما من مثقفيهما، لم يلعبوا دورًا عدوانيًا وتأجيجيًا في وصم وتوجيه الإساءات الحاقدة لمفهوم مجرد يدعي «الإسلام»، وبشكل متعمد، وذلك لإثارة مشاعر الغضب والخوف من الإسلام لدى الأمريكيين والأوروبيين الذين ألحقوا بالركب الذي يرى في إسرائيل بديلًا علمانيًا وحرًا. 

تقول ميللر، وبشكل مداهن، في بداية كتابها إن اليهودية اليمينية في إسرائيل هي موضوع لكتاب آخر لها، وهذه اليهودية هي حقًا جزء كبير من الكتاب الذي كتبته، ولكنها كتمت هذا الكتاب عن قصد، حتى يتسنى لها، وبقصد، ملاحقة «الإسلام».

لو كتبت ميللر عن أي جزء آخر من العالم لاعتبرت غير مؤهلة لذلك أبدًا، فهي تخبرنا بأن علاقتها بالشرق الأوسط تمتد لمدة خمسة وعشرين عامًا، ولكنها لا تمتلك حتى الآن إلا معرفة قليلة بالعربية أو الفارسية، وإنه من المستحيل أن تؤخذ ميللر وبشكل جدي كمراسلة صحفية أو خبيرة في روسيا، فرنسا، ألمانيا، أو أمريكا اللاتينية، وربما حتى الصين أو اليابان دون معرفة اللغات اللازمة لذلك، وأما بالنسبة لـ «الإسلام» فإن المعرفة اللغوية لم تعد ضرورية لأن الأمر المبتغى القيام به هنا هو التشويه السيكولوجي وليس التناول الجدي لحضارة أو ديانة «حقيقية».

وماذا عن معلومات ميللر السياسية والتاريخية؟ في كل فصل من الفصول العشرة التي تتناول فيها بلدانًا إسلامية «مصر، السعودية، السودان» تبدأ ميللر بطرافة ثم تنتقل على الفور إلى تاريخ مقطع وموصل لا يعكس أكثر من عمل طالب كلية مولع بالظهور في السنة الثانية من دراسته، وبكونها تجميعًا من مصادر مختلفة معظمها غير معتمدة «فصفحاتها التي تضم الهوامش تكشف عن جهلها، سواء لأنها لم تستطع إلا الاستشهاد بالمصادر التي تعرف مسبقًا أنها تريدها بالإنجليزية، أو لأنها تقتبس فقط من المصادر التي تتطابق مع وجهات نظرها، وبهذا تكون قد عزفت عن مكتبة بكاملها من إنتاج المثقفين المسلمين والعرب وغير المستشرقين» فإن هذه التواريخ التي تسردها تهدف منها بالدرجة الأولى إلى إظهار تحكمها بالمادة، ولكنها في حقيقة الأمر تكشف عن تحاملها المؤسف وإخفاقاتها في الاستيعاب، ففي الفصل الذي يتحدث عن السعودية، مثلًا، تخبرنا في إحدى ملاحظاتها أن المصدر «المفضل» لديها حول النبي هو المستشرق الفرنسي مكسيم رودنسون، المثقف الماركسي المبجل الذي كتب سيرة النبي محمد بمزيج من التهكم المعادي لرجال الدين والمعلومات الواسعة، وكل ما أخذته ميللر من كتاب رودنسون في إيجازها المقتضب عن حياة محمد وأفكاره هو أن هناك شيئًا متأصلًا يدعو إلى الضحك إن لم يكن الاحتقار، بالنسبة لهذا الرجل الذي يقول رودنسون إنه كان مزيجًا من شارلمان ويسوع المسيح، ذلك لأنه في الوقت الذي يدرك فيه رودنسون معنى هذا الأمر، فإن ميللر «ودونما أي علاقة بالموضوع ذاته» تخبرنا بأنها ليست مقتنعة بذلك، فمحمد بالنسبة لميللر، هو مؤسس لدين معادٍ لليهود، يتسم بالعنف وعقدة الاضطهاد من قبل الآخرين، إنها لم تستشهد مباشرة بأي مصدر إسلامي عن محمد، تخيل كتابًا نشر في الولايات المتحدة عن المسيح أو موسى ولا يستخدم مرجعًا مسيحيًا أو يهوديًا واحدًا. 

إن معظم كتاب ميللر لا يتكون من نقاش وأفكار، وإنما من مقابلات لا نهاية لها مع ما يبدو وكأنه عدد كبير من الأوغاد غير المقنعين الذين يخدمون ذواتهم ويثيرون الشفقة، ومن انتقاداتهم بين الحين والآخر، وحينما نتجاوز تواريخها الضئيلة، فإننا نجرف إلى تسكعاتها المملة وغير المنظمة، وها هي جملة نموذجية من تعميماتها التي لا معنى لها: «والسوريون، الواعون لتاريخ بلادهم الذي يعج بالفوضى» «أي بلد على وجه الأرض لا يصدق عليه أيضًا هذا القول؟»، «وجدوا احتمال العودة

إلى الفوضى أو صراع آخر دموي وطويل على السلطة»، «هل يصدق هذا وبشكل فريد على سوريا كدولة قامت بعد المرحلة الاستعمارية، أم على مئات الدول الأخرى في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية»، «وربما حتى انتصار الإسلام الكفاحي في أكثر دولة علمانية»، «بأي میزان حراري توصلت إلى هذه القراءة من بين الدول العربية كافة احتمالًا خطيرًا»، هذا كله بغض النظر عن أسلوب كريه ورطانة مضطربة، ولهذا، فإن ما لدينا الآن ليس رأيًا على الإطلاق، وإنما سلسلة من الكليشيهات الممتزجة بتأكيدات غير قابلة للتغيير تعكس «فكر السوريين» بدرجة أقل بكثير مما تعكس أفکار ميللر. 

لقد عمدت ميللر إلى طلاء الأوصاف التي خلعتها بطبقة رقيقة من عبارة «صديقي» التي تستخدمها لإقناع القارئ بأنها تعرف حقًا الشعب ومن ثم الموضوع الذي تتحدث عنه، فقد استخدمت هذه العبارة 247 مرة كما أحصيت، في قراءتي لنصف الكتاب، إن هذا الأسلوب يؤدي إلى تشويهات إضافية في شكل الاستطرادات الطويلة التي تبرز من خلالها الفكر الإسلامي، والتي تعمل على إخفاء أو تجاهل الكثير من المواد المتعلقة بأمور مثل السياسات المحلية، وعمل المؤسسات العلمانية، والصراع الثقافي الفعال الذي يجري بين الإسلاميين ومعارضيهم العلمانيين، وتبدو ميللر وكانها لم تسمع أبدًا باركون أو جبري أو طرابيشي أو أدونيس أو حنفي أو دجيت الذين يجري جدال ساخن حول أفكارهم في العالم الإسلامي كله.

ويبدو الإخفاق المرعب لهذا التحليل بوجه خاص في الفصل الذي يتحدث عن إسرائيل «وهنا يبدو الخطأ في العنوان لأن الفصل بكامله يتحدث عن فلسطين»، حيث تتجاهل ميللر التغيرات التي نجمت عن الانتفاضة والتأثير المطول الذي تركه الاحتلال الإسرائيلي منذ ثلاثة عقود، كما أنها لم توصل للقارئ أي إحساس بالبغض والمقت الذي تركته اتفاقيات أوسلو والحكم الفردي لياسر عرفات على حياة الفلسطينيين العاديين، وعلى الرغم من أن ميللر مصابة بالهوس من حركة «حماس»، إلا أنها لم تستطع أن تربط فيما بينها وبين الحالة المؤسفة للأوضاع في المناطق التي خضعت للحكم الوحشي الإسرائيلي طيلة هذه السنوات، وهي لم تذكر «مثلًا» أن الجامعة الوحيدة التي لم تؤسس بتمويل من منظمة التحرير هي الجامعة الإسلامية «حماس» في غزة، والتي كانت تأمل إسرائيل من ورائها إضعاف منظمة التحرير الفلسطينية خلال الانتفاضة، تتحدث ميللر عن أعمال النبي محمد ضد اليهود، ولكنها لم تذكر إلا القليل عن المعتقدات الإسرائيلية وعن القوانين المعادية لـ «غير اليهود»، والتي يجيز الأحبار غالبًا وفقها أعمال السلب والقتل وهدم البيوت ومصادرة الأراضي وما أسمته سارة روي «عدم التطور الاقتصادي المنظم»، وإذا كانت ميللر قد نشرت هذه الحقائق بطريقتها المثيرة، إلا أنها لم تعطها الوزن والتأثير كأسباب للعاطفة الإسلامية التي تكمن فيها. 

ومما يذهب بلب المرء، أن ميللر تخبرنا عن دين كل امرئ سواء كان مسيحيًا أم مسلمًا، سنيًا، أو مسلمًا شيعيًا... إلخ. وحيث إنها ليست دقيقة في ذلك، فإنها تثير بعض الضحكات، فهي تتحدث عن هشام شرابي كصديق ولكنها تسيء تعريفه إذ تعرف به كمسيحي، وهو مسلم سني، وتصف بدر الحاج بأنه مسلم مع أنه مسيحي ماروني، وهذه السقطات يمكن أن لا تكون سيئة جدًا لو أنها لم تجنح إلى الكشف عن صداقتها الحميمة مع كثير من الناس، وعلاوة على ذلك، فهناك نيتها السيئة بعدم الكشف عن خلفيتها الدينية أو توجهاتها السياسية، هل تريدنا أن نعتقد بأن دينها «وهو ليس الإسلام كما أعتقد أو الهندوسية» غير ذي صلة بالموضوع؟ 

وميللر سريعة الكشف، وبشكل محرج، عن إبداء ردود فعلها تجاه الشعب والسلطة، فقد بدت «وقد أضناها الحزن» عندما تم تشخيص مرض السرطان لدى الملك حسين، على الرغم من أنها لا تبدو مهتمة بكون الملك يدير دولة بوليسية تعرض فيها كثير من ضحايا التعذيب والسجن المجحف، والذين تم التخلص منهم، وهنا يتحقق المرء بالطبع من أن ما يهمها هو مهادنة هذا الملك الصغير، ولكن المعنى الدقيق للمملكة «الحديثة» التي يحكمها هو على ما يرام؟ لقد «اغرورقت عيناها بالدموع.. غيظًا» عندما علمت أن فسيفساء مسيحية لبنانية قد دنست في الوقت الذي لا تكترث فيه بذكر تدنيسات أخرى تجري في إسرائيل، كتدنيس المقابر الإسلامية، ومئات القرى التي أبيدت في سوريا ولبنان وفلسطين، ويبرز ازدراؤها واحتقارها في فقرات كالفقرة التالية التي تزج فيها بأفكار وتمنيات لامرأة من الطبقة الوسطى السورية أصبحت ابنتها ذات توجه إسلامي «لم يكن لديها يومًا أي من تلك الأشياء التي كانت امرأة من الطبقة الوسطي السورية تتوق إليها: فليست هناك من حفلة عرس وثوب أبيض تقليدي موشى بالجواهر لابنتها، وليس هناك من صور في إطار فضي للزوجين السعيدين في ملابس السهرة والروب بجانب طاولة للقهوة ومدفئة، ولا راقصات البطن يتموجن على الحلبة وشامبانيا تتدفق حتى الصباح، وربما كان لأصدقاء نادين أيضًا بنات أو أبناء رفضوهم ويحتقرونهم سرًا بسبب التنازلات التي قدموها لنيل رضى نظام الأسد الوحشي الذي لا يرحم، وإذا كانت هذه الابنة لمثل هذه الأعمدة البرجوازية الدمشقية قد استطاعت أن تستسلم لقوة الإسلام، فمن يكون محصنًا إزاء ذلك؟». 

إن مثل هذه الروايات المدسوسة تتفه وتحط من قيمة الناس الذين اقتحمت بيوتهم وخصوصياتهم.

ومع الأخذ بعين الاعتبار في التقليل من مصادرها الصديقة، فإن أهم التساؤلات التي تطرح نفسها حول كتاب ميللر هو السبب الذي جعلها تكتب هذا الكتاب، ولا يمكن أن يكون السبب خارجًا عن العاطفة، انظر مثلًا إلى اعترافها بأنها تخاف وتكره لبنان، وتبغض سوريا، وتضحك من ليبيا، وترفض السودان، وتشعر بالأسف والحذر، نوعًا ما، من مصر، إنها مهتمة بلا كلل بمخاطر الإسلام المناضل المنظم، والذي أجازف بتقدير أنه يمثل أقل من 5% من العالم الإسلامي القوي الذي يعد بليون نسمة، فميللر تؤيد القمع العنيف للإسلاميين «ولكن ليس التعذيب والأساليب الأخرى غير القانونية التي تستخدم في هذا القمع»، وهي هنا تغفل عن التناقض في موقفها هذا «دون أن يكون لديها أي وخز ضمير لغياب الممارسات الديمقراطية أو الإجراءات القانونية في فلسطين ومصر أو الأردن، حيث يعتبر الإسلاميون هدفًا في هذه البلاد». 

وفي أحد المشاهد التي تبعث على الاشمئزاز تشارك ميللر في التحقيق في السجن مع من يدعون أنه إرهابي مسلم من قبل الشرطة الإسرائيلية الذين تتغاضى، وبشكل مؤدب، عن استخدامهم المنظم للتعذيب والإجراءات الأخرى «الاغتيالات السرية» والاعتقالات في منتصف الليل وهدم البيوت، عندما تصل لتوجه للمعتقل، والأغلال في يده، بعض الأسئلة.

إن أعمال الربط والتحليلات للأمور التي تقدمها ميللر، والتي تتناسب مع أطروحتها، عن السمة المكافحة البغيضة للعالم العربي ربما تكون أكثر إخفاقاتها المتواصلة كصحفية، إنني أعارض الانطباع العام بأن العالم العربي هو حالة مخيفة، وقد تحدثت عن ذلك كثيرًا خلال العقود الثلاثة الماضية، ولكن ميللر لا تكاد تسجل وجود سياسة أمريكية متعمدة ومعادية للعرب وللإسلام، وهي تتعجل وتخل بالحقيقة، فلنأخذ لبنان: تشير ميللر إلى بشير الجميل الذي اغتيل عام 1982م، وتعطي انطباعًا بأنه كان قد انتخب بأغلبية جماهيرية ساحقة، ولم تلمح حتى إلى حقيقة أنه قد جلب إلى السلطة عندما كان الجيش الإسرائيلي في غربي بيروت، وبالضبط قبل مذبحة مخيمي صبرا وشاتيلا، وأنه لسنوات، كما تفيد مصادر إسرائيلية مثل أوري لبراني، كان رجل الموساد الإسرائيلي في لبنان، إن القول بأن الجميل كان هو أيضًا قاتلًا مدعيًا وسفاحًا ينطوي أيضًا على الحيلة، ذلك لأن تركيبة السلطة الحالية في لبنان تعج بمن هم من أمثال إيلي حبيقة المتهم مباشرة بمذابح مخيمي صبرا وشاتيلا، تستشهد ميللر بمواقف عربية إسلامية ولكنها لم تتطرق إلى مواقف لقادة إسرائيليين، مثل بيغن وشامير وإيتان، ومؤخرًا إيهود باراك «معبود أمي ولنتس المراسلة في صحيفة نيويوركر»، وهم يشيرون إلى الفلسطينيين كحيوانات تمشي على اثنتين وكجنادب وصراصير وبعوض، وقد استخدم هؤلاء القادة الدبابات والطائرات للتعامل مع الفلسطينيين بهذه الصورة، أما الحقائق المتعلقة بالحروب الإسرائيلية ضد المدنيين – الحملة المنتظمة المستمرة المطولة ضد أسرى الحرب وسكان المخيمات وتدمير القرى وقصف المستشفيات والمدارس والخنق المتعمد لمئات اللاجئين – كل هذه الحقائق دفنت تحت ركام من الثرثرة التي لا معنى لها، إن ميللر تزدري الحقائق وهي تفضل اقتباس الأقوال بشكل لا متناهٍ كأسلوب لتحويل العرب إلى ضحايا تستحق الإرهاب الإسرائيلي والدعم الأمريكي لهذا الإرهاب وهي مثال للتغطية الحالية التي تقوم بها صحيفة «نيويورك تايمز» للشرق الأوسط، وهي تغطية تمر الآن في أشد حالات جزرها.

وفي خلاصة كتابها، تعترف ميللر بأن انتقادها اللاذع يمكن أن يكون قاسيًا نوعًا ما ولكنها تعيد ذلك إلى «حبها» للمنطقة وشعبها، وأنا لا أستطيع أن أفكر وبأمانة بهذا الشيء الذي تحبه: لا بشكل المجتمع العربي الذي تتحدث عنه أو عرض الطعام الكثير الذي يمزج العرب، كما تقول بينه وبين الضيافة التي لا لزوم لها حسب رأيها، أو اللغات التي لم تتعلمها، أو الناس الذين تهزأ بهم أو تاريخ وحضارة ذلك المكان الذي يعتبر بالنسبة لها، لا معنى له، إنها لا تستطيع أن تدخل حياة ذلك المكان وأن تستمع إلى أحاديثه مباشرة، وتقرأ رواياته ومسرحياته بنفسها «الأمر الذي يتعارض مع صنع الصداقة مع مؤلفيها»، وأن تستمتع بحيوية وتجدد الحياة الاجتماعية والطبيعة الجميلة لذلك المكان، ولكن هذا ثمن كونها مراسلة صحفية لصحيفة «التايمز» في هذا العصر القائم على «الخبرة» واتخاذ المواقف اللحظية، ولا تستطيع أن تعرف من كتاب ميللر أن هناك صراعًا عربيًا داخليًا في التفسيرات والعروض عن الشرق الأوسط والإسلام، إنها – ومع الأخذ بعين الاعتبار انتقائها لمصادرها – متحيزة وبشكل عميق، فهي عدو القومية العربية التي أعلنت عن موتها عدة مرات في كتابها، وهي مؤيدة للسياسة الأمريكية، وعدو ملتزم بعدائه لأي و وطنية فلسطينية لا تتلاءم مع البانتوستانات التي وضعت أسسها اتفاقيات أوسلو.

وباختصار، فإن ميللر هي صحفية ضحلة وذاتية الرأي يتسم كتابها بالطول الشديد وقصر النظر وفقدان التحليل المتزن والافتقار إلى الهيكلية والحقائق، إن المسلمين والعرب المساكين، الذين يمكن أن يكونوا قد أمنوا جانبها ومنحوها الثقة، يجب أن يعرفوا ما هو أفضل من تخطئة ضيف أقحم نفسه كصديق لهم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

298

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 1

1113

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان