العنوان تحت ضوء الإسلام: مؤامرات الغرب ضد حضارة الإسلام
الكاتب الأستاذ أنور الجندي
تاريخ النشر الثلاثاء 14-أبريل-1987
مشاهدات 66
نشر في العدد 813
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 14-أبريل-1987
في الوقت الذي كانت الحملات تصب على النظام الإسلامي ويحجب في بلاده ويفرض القانون الوضعي كانت مؤتمرات علماء القانون في الغرب تجمع وتقرر للشريعة الإسلامية مكانًا عاليًا وتكذب ما كان يلقى في بلاد المسلمين عن طريق المستشرقين وأتباعهم دعاة التعريب من أن المسلمين ليس لهم فكر سياسي إسلامي، وأن كل ما عندهم مأخوذ من الرومان الذين كانوا يحتلون أرض الشام ومنها أخذ الفقهاء: الأوزاعي والشافعي، وكان طه حسين يباهي بأنه يستمد منهجه من ديكارت، بينما كان ديكارت يكتب على هامش «المنقذ من الضلال للإمام الغزالي المترجم إلى الفرنسية: نأخذ هذه المادة في رسالتنا، وهي أن الشك مقدمة لليقين» فطه حسين القادم من الأزهر يعتصم بديكارت، بينما ديكارت نفسه يعلن أنه أخذ من الإسلام، وعندما قدم الدكتور محمد فتحي رسالة الدكتوراه في ألمانيا عن «حقوق المنازل»، وأعلن أن القرآن منذ أربعة عشر قرنًا وضع هذا القانون في سورة النور، عندئذ وقف عميد كلية الحقوق ليعلن أن الألمان يتنازلون عن سبقهم في هذا القانون.
وهكذا نجد أن الأمر كله خداع واعتراف عند ظهور الحقيقة لماذا لأن الغرب قد أعلن أن المسلمين لم يقدموا »شيئًا» لهم، بل لقد وقف منهم من وقف في ميدان عام وأحرق كتب ابن سينا ليعلن خروج الغرب من التبعية الفكرية للمسلمين.
ولكن هذه المؤامرة «مؤامرة الصمت» إزاء عطاء المسلمين للفكر الغربي في مختلف مجالات الثقافة «وليس المنهج التجريبي فحسب» في علوم السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية، كل هذا استبطنه الغرب، ولم يظهره، حتى أن فرنسيس بيكون يقيم المنهج العلمي للبحث «دون أن يشير إشارة واحدة إلى فضل المسلمين، وكأنه هو وحده صانع هذا المنهج، ويجيء آخرون فيستعلون تمامًا على مرحلة الإسلام كلها ولا يذكرون عنها شيئًا، وينتقلون من الحضارة الرومانية التي توقفت بعد سقوط روما حوالي ٤٠٠ ميلادية إلى الحضارة الغربية فيشيرون إلى «الرينسانس» ١٥٠٠ ميلادية متجاهلين ألف عام من ضياء الإسلام الذي وصل إلى قلب روما، وأقام جامعاته في بلنسية وقرطبة وغيرها، وكان مصدر الضياء الحقيقي، ولكنهم كانوا دائمًا يقولون: إن النهضة بدأت من روما، وهذا قد ثبت أنه من الخداع والتضليل الذي يراد به إنكار فضل المسلمين، فليس غير منهج التجريب الذي أيقظ أوربا بعد ألف سنة من الرهبانية وظلمات القرون الوسطى، واستمرت هذه المؤامرة عصرًا طويلًا، فقد كانوا يخشون أن يقال هذا في نفس الوقت الذي تقول فيه أوربا أنها استعمرت بلاد الإسلام لتمدينها وإخراجها من ظلمات البداوة، ولم تبدأ صيحات الاعتراف إلا بعد أن زالت سحب الاستعمار قليلًا على أيدي بعض المنصفين «أمثال جوستاف لوبون وكارليل ودراير إلخ».
أما المستشرقون «أولياء الكنيسة ووزارات الاستعمار» فقد ظلوا يحملون للإسلام كل حقد وكراهية وما زالوا يدبرون له الخطط والمؤامرات حتى لا يصل «نقيًا صحيحًا» إلى أهل الغرب.
ولم تتوقف مؤامراتهم عند هذا، بل «سرقوا» التراث الإسلامي من المساجد وخدعوا خدمها ونقلوه في غفلة من أهله إلى مكتباتهم ووضعوا أيديهم عليه، ثم حالوا بين المسلمين وبين أن يستعيدوه، خوفًا من أن يكتشفوا ما أخذوه منه، وادعوا أنه من علومهم. لقد كشف المسلمون منذ الصدر الأول أخطاء بطليمون وأرسطو، وصححوا كثيرًا من الخرافات التي كان اليونان يعتقدون أنها علم قائم بذاته، وجاء الغربيون فأخذوا نظريات المسلمين فنسبوها إلى أنفسهم، وما من شأن إلا وقد سبق المسلمون فيه؛ ابن خلدون سبق سميث وهيجل، والمعري سبق دانتي، وابن مسكویه سبق دارون، والطرطوشي سبق ميكافيلي، وابن النفيس سبق هارفي. وقدم العلماء المسلمون منهج البحث العلمي: ابن الهيثم والبيروني وابن حزم، أنكر الغرب ذلك كله وتجاهلوه. وجاءت مناهج الثقافة والتعليم في الطب والعلوم وعلوم النفس والأخلاق والاجتماع خالية تمامًا من أسبقية المسلمين وأوليتهم حتى ليجهل المسلم الآن هذه الحقيقة ويظن وهو يدرس هذه العلوم أن الغرب هو الذي أنشأها.
ومن هنا جاءت محاولات التأصيل الواسعة التي تطرح نفسها بقوة في أفق الفكر الإسلامي اليوم لتكشف عن الأصالة الإسلامية وعن الدور الذي قام به المسلمون في بناء هذه الحضارة الإنسانية، ثم ذلك التحول الذي اتجه بها الغرب لتجرح عن إنسانيتها وعالميتها فتكون حضارة الاستعلاء بالعنصر، والسيطرة والاستعمار وإذلال الملونين ونهب ثرواتهم.
إن كراهية الغرب للإسلام وحقده على توسعاته، قد دفعه إلى هدم هذا الأساس الذي كان مصدر ثبات الإسلام وامتداده: إنه هو منهجه الرباني القائم على الفطرة والعقل والوجدان، إنه القرآن الكريم والسنة الشريفة، وهذا ما دفعه إلى الحملة على القرآن، والرسول والسنة، والتاريخ الإسلامي، والشريعة، واللغة العربية في محاولة للنيل منها جميعًا والتشكيك فيها حتى يصرف عنها أهلها، ويحول بين أهل الغرب وبين قبولها، ومن هنا كانت محاولاته عن طريق أوليائه إلى الدعوة إلى العلمانية، تطوير الشريعة، اللغة الوسطى، الكشف عن ثغرات في تاريخ الإسلام، محاولة القول ببشرية القرآن.
وعن طريق تعليم اللغات الأجنبية جعل هدفه إدخال ثقافات الغرب المسيحية اليونانية المختلطة إلى عقليات المسلمين، وجعل من الابتعاث وسيلة إلى احتضان مجموعات من الشباب المسلم «إلا من رحم الله» فدعا منصور فهمي في رسالة إلى الهجوم على تعدد زوجات النبي «وإن كان قد رجع وتاب وأناب» ودعا طه حسين إلى أن الدين خرج من الأرض ولم ينزل من السماء، ودعا زكي مبارك إلى أن العرب كانوا مستعدين للنهضة، فلما جاء النبي نهض بهم فنهضوا، أما محمود عرقى فقال: إن الاقتصاد شيء والإسلام شيء آخر، وجاء من يدعو إلى الماسونية، ومن يدعو إلى الماركسية، ومن يدعو إلى الوجودية، ومن يدعو إلى الوضعية المنطقية.
ولكن الموجة لم تلبث أن ارتدت فجاء من الغرب من فتحوا النوافذ على الإسلام، وكتب من لم يؤمنوا، كاشفين فساد النظرة الفردية، ولم أر رجلًا غريبًا كشف فساد وجهه حضارة الغرب ومعارضتها للفطرة كما قرأت للدكتور «أليكس كاريل»، ثم جاءت سجريد هونكة «شمس الله تشرق على الغرب» ثم كتب المسلمون الغربيون إتيان دینیه، محمد أسد، جميلة مريم، بوكاي، وآمن غربيون كثيرون من علية المثقفين الذين وجدوا في الإسلام إجابة حقيقية لأشواق النفس، وتطلعها إلى السكينة في هذا الصخب الغامر والغربة والتمزق الذي يدمر المجتمع الغربي.
ولكن هل استسلم الغرب إزاء الحقيقة الساطعة كضوء الشمس؟ إنه ذهب يحشد قواه ويضاعف مؤامراته ويوقد ناره حتى يسقط هذه الصحوة أو يفرغها من مضمونها، فقد راح يطرح كل ركام الزيف دفعة واحدة، الفلسفة الماركسية، الفلسفة الوجودية، الفلسفة الوثنية، الفلسفة المادية؛ وذلك ليثير استجابات مختلفة مضطربة حتى لا يلتقي المسلمون على منهجهم الأصيل.
إن المسلمين الآن هم وحدهم القادرون على تصحيح طريق الإنسانية وتقديم الجوانب التي تجاوزتها الحضارة أو أخطأ فيها الفكر المادي، لتجد البشرية أمامها حضارة جديدة تحقق لها مطامحها، وليس للبشرية مطامح اليوم سوى «سكينة النفس» وإقامة المجتمع ذي العطاء الوافر للجميع، وهذا هو هدف الإسلام، الذي يقدم منهجًا ربانيًّا في الأساس يقوم على الاعتراف بوجود الله تبارك تعالى خالق كل شيء، والذي يمسك هذا النظام ولحظة بعد لحظة، وهو الذي خلق هذا الإنسان ليقيم المجتمع الرباني وفق مسئوليته الفردية والتزامه الأخلاقي، ويوجه عمله كله لله خالصًا، وقد قدم لنا أصول مناهج العلوم والمعرفة وقوانين قيام الحضارات والمجتمعات، وقدم تصورًا كاملًا للغيب وما وراء عالم الشهادة، وهو الذي حرر الإنسان من عبادة الأوثان والعبودية لغير الله تبارك وتعالى، وفي ضوء هذا التصور تقوم حضارة الإسلام متجددة على المنهج القرآني الرباني الذي قامت عليه منذ بزغ هذا الدين الخاتم.
وقد آن للبشرية أن تعود إلى الله بعد هذا الشوط الطويل من الإباق عندما خيل للإنسان أنه قادر على أن يصنع حضارة على غير منهج الله، فلطمته اللطمات في كل نظرية قدمها، أو منهج طبقه، أو وجهة اتجه إليها.
إن المنهج الإسلامي قادر اليوم على أن يحقق للبشرية طموحها وينقلها إلى حياة خصبة كريمة. لقد جاء دور الإسلام بعد أن تعثر الغرب وعجز عن حل المشاكل التي عقدها، والتي ظن أن العقل البشري قادر على إقامة مجتمع مثالي فلم يستطع إلا أن يقدم للناس مجتمع الاستهلاك والصراع حول التملك، سواء أكان من الحلال أو الحرام.
سيستطيع الإسلام أن يوجه هذه العلوم الغربية النافعة وجهة إنسانية ويطبعها بطابع أخلاقي ويجعلها للبشرية كلها وليس لجنس واحد، ويحررها من السيطرة التي تقوم بها الأمم الكبرى إزاء الأمم الصغيرة، سيكون إلغاء الربا هو أساس المنطلق كله، ثم العدل والإخاء البشري أساس للأمن بين أهل هذا الكوكب.
لقد سقطت التجربة الغربية تمامًا؛ لأنها كانت ظالمة وكانت عامة للمسلمين أصحاب الفضل الذين بنوا وحموا وعدلوا وأقاموا الرحمة إزاء كل مظلوم، ثم جاء هؤلاء جميعًا فسيطروا وأذلوا المسلمين وسحقوهم، ومع ذلك فقد استطاع المسلمون رغم كل هذه الظروف الحفاظ على ذاتيتهم يحتوي أن تنصهر، أو وجودهم أن يحتوي، وبذلوا كل ما يملكون في سبيل حماية وجودهم الإسلامي عن أن يدمر أو يحاصر.