; يا أعضاء مجمع البحوث الإسلامية: لا يجوز الصمت | مجلة المجتمع

العنوان يا أعضاء مجمع البحوث الإسلامية: لا يجوز الصمت

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 09-يناير-2010

مشاهدات 54

نشر في العدد 1884

نشر في الصفحة 20

السبت 09-يناير-2010

ثارت ضجة بسبب البيان الذي قرأه شيخ الأزهر ورئيس مجمع البحوث الإسلامية د. محمد سيد طنطاوي يوم الخميس ١٤ من المحرم ١٤٣١هـ (۲۰۰٩/١٢/٣١م) على أعضاء المجمع في اجتماعه الاعتيادي، الذي لم يتضمن جدول أعماله أي ذكر للموضوع الذي تناوله البيان، وهو بناء مصر الجدار فولاذي عازل تحت الأرض بعمق كبير يتراوح الحديث عن ١٨ مترًا إلى ٣٠ مترًا لتدمير الأنفاق التي يتم عبرها إدخال ضروريات الحياة إلى قطاع غزة وغمرها بالمياه مما يعد إحكامًا للحصار المستمر على القطاع المنكوب منذ ما يقرب من أربع سنوات. 

لم يناقش أعضاء المجمع البيان، ولم يتداولوا حوله بل - كما ذكر الكاتب الكبير فهمي هويدي قرأ الشيخ البيان أمام الأعضاء وفي حضور كاميرات التلفزيون المصري الذي سارع بنقل الحدث إلى الجميع ليصبح البيان وما تضمنه من رأي سياسي محل جدل شديد في أوساط الفقهاء والعلماء وكذلك الساسة والرأي العام.

من ناحية الشكل، فإذا صح أنه لم تجر مداولة ولا نقاش فإن الشيخ يكون قد ارتكب في حق نفسه وأعضاء المجمع والمؤسسة الدينية كلها بل والرأي العام خطأ كبيرًا وكذلك، فإن إقحام المجمع في قضية لم يحط بها علما ولم يطلع على تفاصيلها وليس متخصصًا فيها وتمس الأمن القومي والتدليل على حجية وحل بناء الجدار بالأمن القومي بعد إقحامًا للمجمع وأعضائه فيما يجب عليهم الرجوع فيه إلى أهل الاختصاص، وإلا كان عليهم أن يؤكدوا معاني عامة ومبادئ مجردة دون تنزيلها على واقعة محددة كبناء جدار تحت الأرض لهدف محدد وهو منع التهريب، ويؤدي إلى نتيجة واضحة وهي خنق وحصار مليون ونصف المليون فلسطيني في غزة ومن الواضح أن البيان جاء لدعم النظام المصري الذي تعرض لانتقادات شديدة وحادة من الرأي العام، وصدرت فتوى فردية طبقت الأفاق من العلامة القرضاوي بحرمة بناء مثل ذلك الجدار لأنه يؤدي إلى إيذاء أبرياء محاصرين يمنع وصول الإمدادات الضرورية لهم، وغلق كل المنافذ الطبيعية عليهم فاضطروا إلى تشييد أنفاق تحت الأرض وتهريب كافة ما يحتاجونه للبقاء على قيد الحياة.

كان يمكن للمجمع ورئيسه أن يقرر جملة من المبادئ العامة والقواعد المستقرة فقها دون تنزيلها على أي واقع، ويخرج بذلك من الحرج الشرعي والسياسي مثل:

  • حماية الأمن الوطني والقومي ضرورة مستقرة بالوسائل التي لا تؤدي إلى ضرر أكبر.
  • دعم المستضعفين في الأرض وإمدادهم بالغذاء والدواء واجب شرعي لا يجوز التخلف عنه أو التقاعس فيه.
  • الرضوخ للضغوط الأجنبية التي تتدخل في الشأن المصري حرام شرعًا، أو مكروه جدًا إلا في حالات الضرورة القصوى التي يجب أن تكون معلومة ويتم تقديرها بقدرها دون تجاوز. 

لكن النظام أراد توظيف الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية لصالح مواقفه السياسية المختلف عليها، وهذا أسوأ توظيف للعلماء والمؤسسة الدينية الرسمية لصالح مواقف عجيبة غير مفهومة. 

لو أراد النظام منع التهريب فأمامه وسائل عدة حيث يمكنه فتح معبر رفح بطريقة طبيعية دائمة، وإذا كانت المعاهدة والاتفاقية الخاصة بالمعابر تمنعه كما يقولون، فلماذا لم يطالب بتعديل بنودها؟ 

ويمكن أيضًا فتح المعبر بطريقة متقطعة كما يفعل الآن، ولكن بوتيرة أكبر وأوسع بحيث لا يكون مجرد ٣ أيام في الشهر تقريبا وللأفراد فقط ويترك للعدو الصهيوني التحكم في كافة البضائع فلا يسمح إلا بالقليل من الدواء والغذاء وهو ما يكاد يسد الرمق. 

ويمكنه أيضًا - كما غض الطرف طويلًا عن التهريب - أن يقوم بضبط العمل خلال الأنفاق ودس عملاء له المتابعة المواد التي يتم تهريبها ليطمئن تمامًا إلى أن المواد ليس بها ما يشكل خطرًا على أمن مصر، وأن التهريب يتم في اتجاه واحد فقط من مصر إلى غزة وكان على شيخ الأزهر وأعضاء مجمع البحوث أن يتعرفوا على أبعاد المسألة التي لم يناقشوها، ولا يجوز لهم الآن الصمت عليها لأنها جريمة نكراء فسبب وجود الأنفاق هو ضرورات البقاء على قيد الحياة والصمود في وجه آلة الحصار والحرب الصهيونية على شعب أعزل لا يجد سندًا ولا معينًا وتقارير الأمم المتحدة - وهي جهة غير متهمة إطلاقًا - تقرر أن الأنفاق بمثابة شريان الحياة المليون ونصف مليون إنسان وتدميرها أو هدمها أو إغلاقها هو قتل لهؤلاء والتهريب يتم من مصر إلى غزة وليس من غزة إلى مصر لأن غزة ليس بها أي شيء، وهي تحتاج إلى كل شيء، وحتى ما يتردد من تهريب سلاح ومفرقعات لا يصدقه العقل لأن غزة تتعرض للحرب والهجوم وهي تحتاج إلى كل قطعة سلاح أو مواد مفرقعة لصنع الصواريخ للدفاع عن نفسها والادعاء أو القول إن أهل غزة يهددون الأمن المصري لا تسانده الوقائع الثابتة، فعندما اشتد الحصار قبل وجود الأنفاق بهذه الكثرة الشديدة اجتاح ٧٥٠ ألفا الحدود البرية وسمح لهم الرئيس مبارك وقال قولته الشهيرة: لن نسمح بتجويع أهل غزة.. دخلوا إلى العريش وتزودوا ثم عادوا جميعًا ولم تسجل حادثة واحدة والسماح بتجويع أهل غزة سيكون هو المبرر الطبيعي لتهديد الأمن الوطني المصري، وذلك ما دعا الرئيس إلى السماح بالمرور الأمن ثم العودة وهذا ما جعل مصر تغض الطرف عن الأنفاق وتسمح بحفرها وتراقب المرور عن بعد الآن البديل هو الانفجار في وجه مصر.

في ضوء هذه الحقائق والمعلومات، يجب على شيخ الأزهر وأعضاء مجمع البحوث الإسلامية مراجعة ذلك البيان العجيب الذي لا تدري هل هو بيان أم فتوى شرعية؟ وهل يمكن إصدار فتوى بعد الإقدام على العمل أولا وعدم انتظار الرأي الشرعي والعمل بدأ منذ شهور وجاءت الفتوى الإسباغ المشروعية الشرعية عليه وإذا كانت الفتوى جماعية فهل تتم بهذه السرعة ودون مناقشة أو حوار؟

لا يجوز الصمت الآن، والمراجعة ليست عيبًا ولا خطأ بل هي فضيلة مستحبة، والحق أحق أن يتبع، وإذا كان الشيخ طنطاوي لا يستطيع مراجعة نفسه لأنه صرح أكثر من مرة أنه موظف وينتظر التعليمات، فإن بقية أعضاء المجمع لا يجوز لهم الصمت لأن خطأ الفتوى سيلحق بهم وسيلطخ تاريخهم وعار المشاركة في جريمة ضد الإنسانية بتجويع شعب محاصر وقتله قتلًا بطينا سيظل يلاحقهم في الدنيا ولن يقلتوا منه في الآخرة حيث لا ينفع مال ولا بنون ولا يدفع عن أحد حجة الخوف من السلطان الجائر ولا يحق لهم أبدًا أن يبيعوا أخرتهم بدنيا غيرهم، فذلك أعظم ظلم النفس.

الرابط المختصر :