; الملتقى التربوي (العدد 474) | مجلة المجتمع

العنوان الملتقى التربوي (العدد 474)

الكاتب جاسم المسلم

تاريخ النشر الثلاثاء 18-مارس-1980

مشاهدات 83

نشر في العدد 474

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 18-مارس-1980

كلمة مع أول المنطلق 

الحمد لله نحمده كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. ونشهد أن لا إله إلا هو جل وعلا وأن محمدًا عليه الصلاة والسلام رسوله بالهدى ودين الحق إلى العالمين، ونسأله جل وعلا السداد والعون والتوفيق في دعوتنا دعوة الحق ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (يوسف:108). 

أمّا بعد أيها الإخوة الدعاة هذه صفحتكم تخرج إليكم ناطقة بلسانكم معبرة عن آرائكم آملين إن شاء الله أن تؤدي الهدف الذي من أجله أُخرجت من توحيد المفاهيم بين الإخوة الدعاة ونقل الخبرات والتجارب السابقة للسائرين في طريق الدعوة.. وبما تحويه من مفاهيم ستقوم بدور تركيز التربية في نفوس الأفراد.. كما أنها تقوم بدور اللقاء الأخوي بين الداعية والمدعوين.. 

فمشاركتكم بها أيها الإخوة الدعاة إذن أمر يؤخذ بعين الاعتبار.. فاستمرارها بإذن الله مرهون بعطائكم وبذلكم وهناك بعض الملاحظات التي يجدر ذكرها بالنسبة للموضوعات ويجب أن تراعى: 

منها: أن تلبي حاجة الداعية في مسؤوليته. وتعينه على استبصار طريقه.. 

  • أن تكون خالية من الاستطراد والسرد الأدبي.. ولا تزيد عن ورقة ستانسل.. 
  • أنه قد يطرأ عليها تعديل أم حذف أو إضافة تتمشى مع روح المادة.. 
  • قد لا يُنشر الموضوع لعدم صلاحيته أو يتأخر نشره حسب ظروف الصفحة.. 
  • وأخيرًا لا بد من تذكير الدعاة بالحرص الشديد على إثرائها فهي صفحته إلى العالم الخارجي.. وهي لقاؤه مع الدعاة المربين.. 

وفقكم الله وسدد على طريق الدعوة خطاكم وألهمكم الصبر واليقين.. 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. 

كلمات نابضة 

إن غاية ما ينتهي إليه حال من فقد الطعام والشراب هو موت البدن، وموت البدن أخف على الناس من موت القلب وهذا ما هو واقع بالفعل من جراء غياب الشريعة ومنهج الحياة.. وأي حياة ترتجى لأناس تحركهم شهواتهم وأهواؤهم كريشة في مهب الريح.. وشتان ما بين موت البدن وموت القلب.. 

وما فتئ الطغاة يكيدون للشريعة ودعاتها يريدون بذلك الإنسان الميت الضمير الذي يحركونه كما تحرك الدمى بالخيوط.. ويتناسون أن الإسلام ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه﴾ (سورة الروم: 25) ولا بد لهذه الفطرة من البروز بعد أن يهيئ الله لها من يجلوها ويزيل ما علق بها من صدأ وغبار. وسيعود المجتمع الإسلامي مرة أخرى إن شاء الله. 

ولا بد لميلاده من مخاض ولا بد لمخاضه من آلام. مجتمع يعيش فيه الناس إخوانًا. وتكون فيه الحياة صافية من كل كدر. كما كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ظهر الفساد في البر والبحر. وحال الطغاة بيننا وبين المحجة البيضاء ﴿يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ (سورة الأعراف:45).. 

ولذلك أخي ليس لك من حياة في هذه الأرض إلا حياة الجهاد، وهل الدنيا إلا حق يحيط به ظلام الباطل. فأزال هذا الظلام ليظهر الحق نورًا وهاجًا تشع به الحياة مرة أخرى.. هيا بنا يا رفاق نعود مرة أخرى إلى حياة رسولنا القدوة ونحمل مشعل الدعوة لنضيء به الطريق أمام هذه الجماهير التي تنتظر إسعافها بهذا النور ونحرق به من يتصدى لنوره يحجبه عن أعين الناس وقلوبهم كا فعل رسولنا القدوة عليه أفضل الصلاة والسلام.. فهنيئًا لك العود. وهنيئًا لك أخي الداعية في حملك لواء حمله قبلك رسولنا القدوة صلوات الله وسلامه.. 

كيف يتحبب الداعية إلى نفوس المدعوين 

إن طبيعة العلاقة بين الداعية والمدعوين تختلف في حقيقتها عن أي علاقة أخرى.. فهي علاقة تحيطها الألفة والمحبة وأساسها الثقة والانسجام.. وهما أمران لا بد منهما في هذه العلاقة.. بهما تتذلل الصعاب وتذوب الكلفة وينشرح بها الصدر.. فيعطي الفرد ما في نفسه. ويظهر ما خفي من همه. ويصرح بما يعانيه ويقلقه، ليجد اليدين اللتين تحتضنه والقلب الذي يسعى والصدر الذي ينشرح له.. 

إذن ما فائدة تحبب الداعية إلى نفوس المدعوين.. لكي نجيب على هذا السؤال نقول: 

إن هذا التحبب وهذا التقرب يجعل العيش سلسًا سهلًا ينساب كالغدير عذبًا يروي الظامئ نميره.. وهل يسعى المربي إلى عيش جماعي أفضل من ذلك العيش.. فيعطي التربية الحقة ويغرس المفهوم وينمي الإيمان، كل ذلك في جو من الصفاء والأخوة الإيمانية والمحبة الصادقة التي لا ترتأى إلا رضاء الله والتقرب إليه، محبة خالصة لا تكلف فيها ولا تصنع.. مجالها ذلك العيش الجماعي لا عيش التكليف والعمل الإسلامي.. وأما كيف يتم ذلك فهو كما يلي: 

  1. إلقاء السلام والسؤال عن صحته وأحواله، وكثرة التبسم في وجهه.. 
  2. إكرام والديه والعطف على إخوانه وأولاده والتحبُّب إلى أقربائه واحترام أصدقائه إن كانوا من الصالحين.. 
  3. تحيين الفرص لتقديم الهدايا المناسبة.. 
  4. الحرص على معرفة أحواله الاجتماعية والمادية ومحاولة علاجها معه ومشاركته في أفراحه وأحزانه.. 
  5. عدم ترديد المواقف المحزنة التي مر بها.. 
  6. عدم تقديم النصح له على الملأ وإنما انفرادًا.. 
  7. لا تفش سره واحفظه وصن عرضه. 
  8. راسله في غربته، أو سفرك أنت.. 
  9. لا تقلل من مكانته، ولا تبخسه الفائدة من أفكاره ومعلوماته ولا تعيره بنسبه (وإن كنت مازحًا معه).. 
  10. أحسن الاستماع والإنصات إلى حديثه وأظهر الاهتمام وتواضع في الرد عليه إن أخطأ.. 
  11. كن قدوة حسنة لأخيك في حسن الخلق وطيب الحديث والوفاء بالمواعيد وحسن الهندام والرائحة الطيبة.. 
  12. إسقاط الكلفة مع بقاء الاحترام. 
  13. أكثر الزيارات له.. 
  14. أعطه الثقة بالمسؤولية بالقدر الذي يتناسب مع مستواه وتابعه في ذلك. 
  15. دخولك إلى قلبه يتم عن طريق معرفة هواياته وممارستها معه ما أمكن ذلك.. 
  16. ناده بأحب الأسماء إليه، وافسح له في المجلس.. 
  17. أسبغ عليه التقدير إذا أحسن العمل. 
  18. لا تظهر له الأستاذية.. 
  19. اسع في قضاء حاجاته. 
  20. لا تتصيد أخطائه، والتمس له العذر ما وسع المجال للالتماس. 
  21. اصحبه في أسفار طويلة ما أمكن ذلك.. 
  22. راع الفروق الفردية بينه وبين أقرانه. 

ظاهرة الأسئلة 

حقًا إنها ظاهرة ملفتة للنظر وقد يُساء فهمها. ظاهرة توحي بيقظة العقيدة والإيمان واستيلائهما على النفس. ورغبة من المتسائل في معرفة حكم الإسلام في كل شأن من شؤون حياته اليومية كي يطابق بين تصرفه وحكم الإسلام.. وهذه آية المسلم: أن يتحرى حكم الإسلام في الصغيرة والكبيرة من شؤون حياته، فلا يقدم على عمل حتى يستيقن من حكم الإسلام فيه، وهذه الحساسية هي آية الإيمان بهذه العقيدة، فكثرة تساؤل بعض الأفراد ليس بدعا من الأمر إنما هي ظاهرة بارزة في جيل الصحابة نلاحظها بكثرة في سور القرآن وخصوصًا سورة البقرة ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ (البقرة:217) ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ (البقرة:222).. حتى وفي أخص الأشياء.. إن لتلك الأسئلة دلالات أخرى منها الثقة بالموجه دلالة أخرى نلمسها من تلك الظاهرة وهي أن الفرد المتسائل بدأ يخلع كل صلة بينه وبين الجاهلية فيعد نفسه إنه ليس بذاك الفرد المتسيب المبعثر إنما أصبح يدرك خطوطه بإسلامه وأنه قد انخلع عن كل مألوفاته أو معظمها في الجاهلية، وفقد ثقته بها، ووقف ينتظر التعليمات الجديدة ليتبرأ من كل شائبة.. 

ثم إن بروز هذه الاستفهامات والإجابات عليها يقطع الطريق عليه من أن يفرغ هذه الطاقة في جيوب خارج إطار الدعوة الصحيح ثم يسكب الطمأنينة واليقين عليه والحب لإخوته الدعاة.. 

أمر آخر يكسبه المتسائل هو شدة ارتباطه بالدعوة واعتبار نفسه خلية حية فيها لا ينفصل عنها.. فدور الداعي هنا تلبية تساؤلات الأفراد إذا برزت عنده حتى يحقق عنده الثقة التامة ويطمئن الفرد إلى كفاية موجهه وإخلاصه وقدرته على تلبية احتياجاته العلمية والمادية والنفسية.. 

من فقه الحركة 

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾(يوسف:108).. هذا البيان الإلهي ردده يوسف ومن قبله ومن بعده من الأنبياء عليهم السلام ونردده اليوم نحن ورثة الأنبياء.. فهو النور الوضوح والجلاء في الدعوة بدون مماراة وتطيب على الأكتاف وخلط في المستقى والإعطاء... إنها دعوة الله تبارك وتعالى وهو المتكفل بها وقد ألزم نفسه بحفظها فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:9)، وعلى هذا الذي سلف ذكره فعلى الدعاة اليوم أن يعرضوا الإسلام كما أمر الله وبالذي أمر الله بدون خلط.. يعرضونه بإخلاص مبتغين من عملهم وجه الله تبارك وتعالى وجناته لا يبتغون مدحًا ولا ثناءً، يتخلصون من حظوظ أنفسهم، لا ينتظرون نتاج دعوتهم في الدنيا ولا يأملون حتى تحقيق نصر هذا الدين في حياتهم.. وهذا هو ما كان يربي الله تبارك وتعالى نبيه عليه فيقول سبحانه: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ (يونس:46) أي من العذاب والهزيمة ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾(يونس:46)، قبل أن نريك هزيمة الكفار ونصر المؤمنين.. إذن الدعاة إلى الله غير محاسبي ما أتموا من النصر أو لم يتموا... كما أن ليس لهم أن يستعجلوا خطوات الحركة.. فعلى صاحب الحركة أن يسير كما أمر الله في كل صغيرة وكبيرة بدون مهادنة أو تباطؤ..

فعليك أخي الداعية بعد ذلك أن تردد قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ (الجن:20) فلا تغتر ببهرج تجميع الدعوات وكثرة أفرادهم، وسر كما أمر الله لا تعلق نفسك وإخوانك بنصر الله، فإن تأخر كان التأفف والتشكك ولكن تعلق أنت ومن معك بالجنة، فيها تعلق رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في بداية الحركة.. ولذلك كانوا تلك القاعدة التي قام عليها صرح الإسلام آلاف السنين.

الرابط المختصر :