; ياسر عرفات للمجتمع: نسير في حقل ألغام وهذا يتطلب بعض المناورات السياسية | مجلة المجتمع

العنوان ياسر عرفات للمجتمع: نسير في حقل ألغام وهذا يتطلب بعض المناورات السياسية

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أبريل-1986

مشاهدات 67

نشر في العدد 762

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 08-أبريل-1986

• أبو عمار ينفي أن يكون هدف الثورة الفلسطينية إقامة مجتمع علماني.

 

• الوحدة الفلسطينية لم تكن في يوم من الأيام قوية مثلما هي عليه الآن.

 

• لم تمر ثورة من الثورات بمثل الظروف الصعبة والشاقة التي تمر بها الثورة الفلسطينية.

 

• ليس هناك حل سياسي دون قوة عسكرية تحميه.

 

ما أن علم الأخ أبو عمار برغبة مجلة المجتمع في إجراء حوار معه حتى رحب على الفور قائلًا: «أنا أعرف أهمية مجلة المجتمع، ومن تخاطب، ولذلك أنا حريص على أن التقي بقرائها عبرها». وما أن انتهت اجتماعاته المقررة مسبقًا قرابة الساعة الثانية عشرة من مساء يوم الاثنين 31 مارس 1986 حتى كان هذا الحوار الذي امتد حتى مطلع الفجر.

 

• المجتمع: منظمة التحرير الفلسطينية وعمودها الفقري «فتح» حركة تحرير وطني تمثل جماهير الشعب الفلسطيني، وهذه الجماهير إسلامية العقيدة في غالبيتها العظمى. كما أن القضية الفلسطينية قضية إسلامية في جوهرها وتاريخها، فلماذا لا تكون معالجتها بمنهج إسلامي واضح؟

 

□ أبو عمار: هذا كان مدار النقاش الأخير الذي تم بيني وبين الإخوة العلماء وعدد من القادة المسلمين الذين التقيت بهم مؤخرًا بمكة ومنى في مقر الرابطة الإسلامية، وناقشني عدد من الإخوة من مختلف الأقطار التي يمثلونها من الأردن والسودان والكويت والعراق ومالديف وماليزيا وتركيا وغيرهم من الإخوة من مختلف الأقطار الإسلامية عن هذا الموضوع، وقد قلت لهم المبادئ التي قامت عليها الثورة الفلسطينية من أنها ثورة وطنية تضم فيمن تضم إخوة فلسطينيين ليسوا مسلمين، وهم الإخوة المسيحيون، حتى إن هناك بعض المناضلين اليهود الفلسطينيين موجودين في حركتنا أحدهم حكمت عليه المحاكم الصهيونية 26 سنة سجن، والآخر أكثر من 15 سنة سجن، مما يعطي بعض التفسير لهذه النقطة.

 

صحيح أن الجماهير الفلسطينية بغالبيتها إسلامية، ولكن هذه الثورة تضم في جناحيها كل الفلسطينيين بغض النظر عن ديانتهم. لا يعني هذا -ويجب أن يكون هذا مفهومًا- لا يعني هذا أننا نبتعد عن المبادئ الإسلامية أو أننا نتنكر للمبادئ الإسلامية، هذا شيء في صلب مبادئنا وشيء نعتز به، وهو هذه القاعدة الدينية العقائدية الصلبة التي ينطلق منها مجاهدو الثورة الفلسطينية وهم يواجهون كل هذه الأخطار.

 

وهنا لا بد أن يحضرني الحديث أن هنالك خلطًا بعضه متعمد وبعضه عن عدم دراية، وهو أن بعض الأوساط قد أساءت عن قصد وعمد لموضوع الدولة الديمقراطية التي أعلنت عنها الثورة الفلسطينية في بداية انطلاقها، فقد فسرت وترجمت إلى بعض اللغات الأجنبية بأنها علمانية «لاييك»، فهناك فرق بين العلمانية والديمقراطية، فنحن نعني بالديمقراطية حرية الرأي والقرار فيها للأغلبية وليس للأقلية ولا الدكتاتورية ولا الفاشية ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38) لذلك أرجو مخلصًا أن تتوضح هذه النقطة لدى قراء «المجتمع» لأن هنالك خلطًا واضحًا مقصودًا من بعض أجهزة الإعلام الغربية والصهيونية في قولها إن هدف الثورة الفلسطينية هو إقامة مجتمع علماني.

 

لا.. ما قلناه هو أننا نريد إقامة دولتنا الديمقراطية التي يتعايش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود جنبًا إلى جنب بمساواة وعدل وإخاء؛ انطلاقًا من تعاليم ديننا السمحة التي تؤمن بالأديان السماوية الثلاثة.

 

• المجتمع: مفهوم الديمقراطية هو حكم الأكثرية كما تعلمون، والأكثرية في فلسطين كما ذكرتم إسلامية، ومن نتيجة تطبيق الديمقراطية سيكون الحكم إسلاميًّا.

 

□ أبو عمار: وهل يوافق كل المسلمين على هذا؟ أنا أوافق على كل ما توافق عليه الأغلبية بعد قيام الدولة.

 

• المجتمع: ولو أنه لا خيرة إلا فيما اختاره الله سبحانه وتعالى.

 

□ أبو عمار: أنا أوافق على كل ما تختاره الأغلبية، وهذه هي الديمقراطية التي انطلقنا منها.

 

• المجتمع: أنتم تفرقون بين التحرك السياسي من أجل القضية الفلسطينية والحل السياسي لها، فما جدوى التحرك السياسي إن لم يكن الهدف منه الوصول إلى حل سياسي؟ والحل السياسي يعني التقاء طرفين متنازعين حول نقاط معينة يقبلها الطرفان، فهل ترون ينطبق على القضية الفلسطينية؟ وهل ترونه ممكنًا؟

 

□ أبو عمار: ينطبق على كل قضية، فمحمد بن عبد الله -صلوات الله عليه وسلم- قد عمل بالسياسة عندما قبل بصلح الحديبية، وعندما اختلف مع المشركين على عبارة «رسول الله» حيث قال المشركون: «لو كنا نؤمن بأنك رسول الله فلماذا نحاربك؟» فقال الرسول لعمر: اشطب عبارة «رسول الله» واستبدلها بعبارة «محمد بن عبد الله». فقال له عمر: يا رسول الله كيف نشطبها؟ فمسحها الرسول بكمه الكريمة، مسحها من الاتفاق السياسي الذي أبرمه مع الكفار، ثم جاء إلى يهود المدينة وعمل معهم اتفاقًا آخر أخذوا بموجبه تمر المدينة. فقال الصحابة: «يا رسول الله إنهم في الجاهلية ما كانوا يجرؤون على أن يقتربوا منا، فكيف نعطيهم الآن تمر المدينة؟».

 

كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يهدف إلى حماية المدينة من كفار قريش، لذلك عمل اتفاقًا سياسيًّا مع يهود المدينة، مع يهود يثرب، حتى يؤمن ظهره أو جانبه عندما يتلاقى مع المشركين. وأنت تعرف أنه في معركة الخندق نكص اليهود عن العهد الذي أعطوه لرسول الله، وبعد انتهاء معركة الخندق دفع الرسول إليهم بقوات المسلمين، وكان الفارس المجلّى فيها عليّ كرم الله وجهه.

 

• المجتمع: وصلتنا رسائل من الأرض المحتلة تشكو من تصدي أنصار «فتح» وبالتحديد «الشبيبة» لنشاطات الجماعات الإسلامية وبالتحديد «الكتلة الإسلامية» في جامعة النجاح الوطنية بنابلس، مما ترك شعورًا بالمرارة في نفوس الإسلاميين جميعًا وهم الرصيد الاستراتيجي لحركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح»، فما هو تعليقكم على ذلك؟

 

□ أبو عمار: هذا الكلام ليس دقيقًا، لقد دعونا هذه القوى الإسلامية في الجامعات الخمس، في غزة والخليل وبيرزيت والنجاح وبيت لحم، دعوناها لندخل قائمة واحدة متحدة في مواجهة العدو الإسرائيلي المحتل لأرضنا، وللأسف فوجئت بأن الكتلة الإسلامية أو المجموعات الإسلامية رفضت هذه الدعوة التي تقدمت بها «فتح» وأصرت على أن تدخل الانتخابات في لائحة منفردة. وأرجو مخلصًا العام القادم أن ندخل في قائمة واحدة هي قائمة المجاهدين الفلسطينيين ضد الاحتلال الصهيوني.

 

• المجتمع: يقولون في رسائلهم إن الخلاف مع «فتح» هو حول المساعي السياسية والحل السياسي، وأما من حيث هي حركة تحرير وطني، وإننا جميعًا نجاهد من أجل تحرير فلسطين كلها فهذا لا خلاف عليه.

 

□ أبو عمار: أريد أن أسألهم الآن: أين هو الحل السياسي؟ «يعني لا يرحمك ولا يخلي رحمة ربنا تنزل عليك»؟ يعني إذا قمنا بمناورة هنا ومناورة هناك، حتى هذه محرمة علينا؟

 

المؤمن كيّس فطن مش كيس قطن! نحن نحاول أن نسير في حقل الألغام، وهذا يتطلب بعض المناورات لحماية المسيرة حتى لا ينفجر فيها حقل الألغام. أريد أن أذكر المجموعات الإسلامية أن الثورة الفلسطينية قاتلت 88 يومًا وحوصرت في بيروت ثم حوصرت في طرابلس وقاتلت منفردة. وهناك قرار أمريكي إسرائيلي بالقضاء عليها وشطبها وشطب الرقم الفلسطيني من معادلة الشرق الأوسط، فإذا كنا نقوم ببعض المرونة السياسية فإن الأحداث أثبتت أنها مرونة من غير تفريط، وسنبلة القمح تحني رأسها للريح بينما الرياح تقتلع حتى الأشجار الكبيرة.

 

• المجتمع: كثير من أبناء «فتح» المخلصين المؤمنين لم يعودوا يجدون لهم مكانًا فاعلًا ومؤثرًا في صفوف «فتح» ومنظمة التحرير مقارنة بالعناصر غير الإسلامية أو ذات العقائد الغريبة عن تراث هذه الأمة، والتي ثبت بالتجربة أن الاعتماد عليهم أمر محفوف بالمخاطر، فكيف تفسرون ذلك؟

 

□ أبو عمار: هذا كلام ليس صحيحًا واللي عايز يشتغل يجي لي والشغل كثير ومنتظر اللي بدو يشيل، وبالعكس، فإنه في اللحظات الصعبة يبحث المرء عن إخوانه فأي واحد عندك بدو يشيل ابعثه ليه حتى أشيّله لغاية ما يبرك.

 

• المجتمع: تحدثتم في فترات متعاقبة عن نيتكم لكشف بعض الأنظمة المتآمرة على القضية الفلسطينية وبالوثائق، ثم عدتم تجرون الاتصالات لإعادة العلاقات مع تلك الأنظمة، مما جعل المواطن العربي في حيرة من أمره، فهل تعملون على إزالة هذه الحيرة؟

 

□ أبو عمار: أولًا، نحن لم نتوقف لحظة واحدة عن كشف كثير من هذه الأنظمة العربية، حصارًا عسكريًّا، حصارًا سياسيًّا، حصارًا إعلاميًّا، حصارًا ماليًّا، حصارًا دبلوماسيًّا. أظن أنه لم تمر ثورة من الثورات بمثل هذه الظروف الصعبة والشاقة التي تمر بها الثورة الفلسطينية، بالرغم من هذا لم ولن نفرط في لحظة من اللحظات بمنطلقاتنا ومبادئنا وهذا معروف عنا رغم كل الإغراءات وكل المغريات التي قدمت وما زالت تقدم لنا. أما عن القرارات الأخيرة التي قلنا فيها إننا نريد أن نفتح صفحات جديدة بعيدة عن المهاترات، فهي لحماية شعبنا في هذه المناطق. وأنت تعرف أنه في حرب المخيمات في العام الماضي فقدنا سبعة آلاف شهيد وجريح وأنت تعرف من كان وراء هذه الحرب، ومع ذلك فنحن الآن نقول إننا على استعداد لأن نفتح صفحة جديدة مع من حاربونا لأن أمتنا العربية تجتاز الآن منعطفًا من أخطر المنعطفات العربية والإسلامية.. أن نكون أو لا نكون. هل تعرف أن في أمتنا العربية سبع حروب: في شمال إفريقيا «البوليساريو»، وفي ليبيا «تشاد»، وفي السودان «الجنوب»، وفي اليمن الديمقراطية «عدن»، وفي لبنان «المجازر الطائفية»، وفي الخليج «الحرب العراقية الإيرانية»، وفي فلسطين «السرطان الصهيوني».

 

سبع مشكلات بسبع حروب وسبع مصائب، فإذا استمر هذا الوضع فستدفع هذه الأمة العربية ومن ورائها الأمة الإسلامية ثمنًا غاليًا لأنه لا يمكن أن يعز الإسلام إلا بعز العرب، وما ضرب الإسلام إلا وكانت الضربة الأولى موجهة للعرب، لأن الله قد كرمنا بحمل رسالته ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ (يوسف: 2)، أنزل القرآن ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ﴾ (الشعراء: 195) وكرمنا بحمله للعالمين، ولذلك فليس هناك فترة من التاريخ ضُرب فيها العرب إلا وضرب المسلمون.

 

وبالإضافة إلى هذه المشكلات السبع هناك مشكلات أخرى مثل حرب الأسعار في البترول وتأثير هذا على أطفالنا وقوتنا، نحن سنواجه في العام القادم بمجاعة، نحن دخلنا الآن الخطوط الحمراء اقتصاديًّا وستحصل انهيارات في هذه المنطقة، هذا بجانب الحروب السبعة.

 

إذًا، انطلاقًا من هذا نقول: يجب أن نوحد الصف العربي بغض النظر عما نواجهه. وانطلاقًا من هذه المفاهيم نحن نحاول أن نصل إلى جهد عربي موحد بادئين بأنفسنا حتى لا يقال إننا لسنا صادقين في هذه الدعوى، وحتى نكون قدوة للآخرين ليبدأوا معنا، نقول لهم: ليس هناك أحد من العرب نزل منه دم مثلما نزل من الفلسطينيين ومن الثورة الفلسطينية، ومع ذلك فنحن مستعدون أن نفتح صفحة جديدة من أجل وحدة موقف عربي في مواجهة التحديات ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (آل عمران: 110)، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).

 

• المجتمع: إلى أي مدى وصلت المساعي الفلسطينية- الفلسطينية للاتفاق أو لرأب الصدع؟

 

□ أبو عمار: أريد أن أقول إن هنالك خطأ إعلاميًّا مقصودًا أو غير مقصود، فعند الحديث عن الاتفاق بين الفصائل الفلسطينية نقول إن الوحدة الفلسطينية لم تكن في يوم من الأيام قوية مثلما هي عليه الآن، واستطاعت هذه الوحدة الفلسطينية أن تجتاز امتحانات شهد بها العدو قبل الصديق، واستطعنا كشعب فلسطيني أن نحافظ على وحدتنا ووحدة جماهيرنا خارج وداخل الأرض المحتلة، والمؤامرة التي تحدثت عن فلسطينيي الداخل وفلسطينيي الخارج فشلت، وأصبحنا نشهد هذا الالتفاف الجماهيري منقطع النظير حول منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد وقائدة نضال هذا الشعب.

 

أما إذا كنت تعني العلاقات بين الفصائل الفلسطينية فهذه لا تسمى الوحدة الفلسطينية، هذا يسمى اتفاق هذه التنظيمات على البرنامج السياسي. وأنا أريد أن أذكرك يا أخ جمال أننا قبل أن نخرج من بيروت كانت هناك جبهة تسمى جبهة الرفض وكانت تضم 5 تنظيمات فلسطينية وظلت بعيدة عن منظمة التحرير عدة سنوات، والآن عملوا جبهة الإنقاذ بدل جبهة الرفض، ولكن بالرغم من هذا فأنت تعرف أن هناك ضغوطًا عربية وضغوطًا من مخابرات عربية هدفها الأساسي منع اقتراب هذه التنظيمات الفلسطينية من التنظيم الأم، وهو منظمة التحرير الفلسطينية حتى يظل هناك خدش في الموقف الفلسطيني. وهنالك تهديد وهنالك مغريات وهنالك محاولات مستمرة حتى يظلوا بعيدًا عن الإطار وبعيدًا عن الركب، وبالرغم من هذا فنحن نمد أيدينا ونقول لهم: مستعدون لفتح صفحة جديدة في كل مناسبة وفي كل لحظة. بعض الأوقات يقبلون، حصلت لقاءات بيننا وبينهم في تونس وفي الجزائر وفي براغ وفي موسكو، وفي أوقات أخرى لا يقبلون حسب الضغوط التي تمارس عليهم. ونحن نقول: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون». ونحن نقول لهم: سيأتي يوم تستطيعون فيه أن تخرجوا من هذا الضغط وستجدون هذه الأم مفتوحة الذراعين لكم.

 

• المجتمع: قلتم أكثر من مرة إنكم داخل النفق المظلم وأنكم ترون مآذن القدس في نهاية النفق المظلم، فماذا تقصدون بهذا الكلام؟ وهل ترون في هذه المساعي السلمية طريقًا إلى فلسطين؟

 

□ أبو عمار: أنا أؤمن بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، وما لم يحصل تغيير جذري في الموقف العربي فلن نأخذ شيئًا لا سلمًا ولا حربًا، هذا إذا ظلت أمتنا العربية بهذا الضعف، لا بد من تغيير جذري داخل أمتنا العربية حتى يعمل لها حساب، وشعبنا الفلسطيني دون أمتنا العربية لن يستطيع أن يأخذ شيئًا.

 

الشعب الفلسطيني مع أمته العربية، مع أمته الإسلامية، مع أصدقائه في العالم، بالكاد أن يأخذ شيئًا أمام هذا العدو المتغطرس المتمكن، الذي لديه إمكانات غير محدودة وضعتها بين يديه الإمبريالية الأمريكية، بكل إمكاناتها العسكرية والمادية والبشرية والمالية والسياسية والإعلامية والدبلوماسية. وانطلاقًا من هذا علينا أن نكون حذرين في هذا الاتجاه، ولكن لا يعني هذا ألا نتعاطى في معاركنا العسكرية مع المعارك السياسية وإلا نصبح قطاع طرق، البندقية لا بد أن تكون محمية بأهداف سياسية واضحة محددة حتى تستطيع أن تحمي المسيرة، لأني لا أقاتل من أجل القتال وإلا يعتبر القتال في حد ذاته ارتزاقًا، أنا أقاتل من أجل أن يجد الشعب الفلسطيني أرضه حرة يرفرف عليها العلم الفلسطيني، تعود إلينا أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، نحررها من دنس الصهيونية. من أجل هذا أنا أحارب ومن أجل هذا أنا أجاهد، وإلا لبقيت -أنا القائد العام لقوات الثورة الفلسطينية- أعمل مهندسًا بالكويت، أنا أحارب من أجل تحرير مسرى النبي ومهد المسيح، من أجل هذه الأهداف السامية يقاتل الشعب الفلسطيني.

 

أما ما تقوله عن العمل السياسي والحل السياسي، فليس هناك حل سياسي دون قوة عسكرية تحميه، وهذه القوة ليست فلسطينية فقط، بل قوة فلسطينية وقوة عربية وقوة إسلامية وقوة صديقة.

 

• المجتمع: تجربة الشعب الفلسطيني مع الأنظمة العربية منذ ثوراته المتلاحقة منذ الشيح عز الدين القسام وحتى الآن، لم تكن تجربة سارة. وثورة فلسطين بقيادة «فتح» كانت أصلًا تحديًا لمعالجة هذه الأنظمة بهذه القضية، ثم وجدنا أنفسنا في نهاية المطاف وكأننا نقترب من الأنظمة بينما معركة بسيطة مع الجماهير الإسلامية في جنوب لبنان كسرت الآلة العسكرية الإسرائيلية وأجبرتها على الانسحاب، كذلك في بيروت لم تستطع إسرائيل اقتحامها.

 

□ أبو عمار: وهل تركتنا هذه الأنظمة؟ أنت مضطر لأن تتعامل مع هذه الأنظمة لأنها لن تتركك، لا تنس أننا دفعنا في معاناتنا مع هذه الأنظمة من الخسائر ومن الشهداء ما يوازي ويزيد عما دفعناه في قتالنا ومواجهتنا مع العدو الصهيوني.

 

وما أنا إلا من غزية إن غوت **

غويت وإن ترشد غزية أرشد

 

 

 

لا يستطيع الواحد أن يخرج من جلده، وهذه أمتي بغض النظر عما فيها من مساوئ. ولا تنس أننا في الوقت الذي نواجه فيه هذه المصاعب، هنالك أبطال ومجاهدون شرفاء من هذه الأمة جميعًا بلا استثناء قاتلوا معنا واستشهدوا معنا وجرحوا معنا وتعذبوا معنا وما زالوا. ليس فقط من الأمة العربية، كذلك من الأمة الإسلامية، فهناك مجاهدون من باكستان ومن بنجلاديش ومن تركيا ومن إفريقيا ومن كثير من دول المسلمين جاؤوا ليقاتلوا معنا قتالًا، وأنا يشرفني أنني شاركتهم في هذا القتال.

 

• المجتمع: السؤال الأخير: هل ترون في الأفق حلًّا سياسيًّا؟ وإذا لم يكن هناك حل سياسي فهل هناك خطة لما بعد فشل الحل السياسي؟

 

□ أبو عمار: أنا أختلف معك على مفهوم الحل السياسي، الحرب هي سياسة بصوت مرتفع.

 

• المجتمع: أقصد بالحل السياسي: صلح أو مؤتمر تُجرَى فيه مفاوضات.

 

□ أبو عمار: لا يمكن إلا أن يكون في النهاية حل، بغض النظر عن كيفية هذا الحل، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- عندما دخل مكة عمل حلًّا سياسيًّا وقال: «من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل البيت الحرام فهو آمن» هذا حل سياسي. وعندما استرد صلاح الدين بيت المقدس استردها بالسلاح، وفي النهاية عمل حلًّا سياسيًّا.. أفرج عن الأسرى، ومن أراد أن يفتدي نفسه من الفرنجة كان يقبل الفدية، عمل اتفاقًا سياسيًّا متكاملًا. فالحرب إن كانت نتيجتها انتصارًا أو هزيمة فلا بد أن تنتهي إلى حل سياسي، فإذا كانت انتصارًا لك فأنت تقبل الحل وإذا كانت هزيمة لك فأنت لا تقبل الحل السياسي، بل تقاتل من أجل تغيير هذا الحل السياسي.

 

وفي الختام أريد أن أقول لك شيئًا حول سؤالك عن مآذن القدس، لا تغيب عن ذهني في لحظة من اللحظات هذه الرؤى التي رأيتها في أحلك الساعات، رأيتها أثناء حصار بيروت، ورأيتها أثناء حصار طرابلس، ورأيتها في الأيام المضنية والصعبة التي مرت عليَّ، وهي أنني وأنا في النفق المظلم رأيت نورًا في نهاية النفق، ورأيت مآذن القدس وأسوار القدس، وهذه الرؤى يقينية عندي وأتمثل الآية الكريمة ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ (الإسراء: 7).

 

• المجتمع: نشكر الأخ ياسر عرفات، وإلى اللقاء في مرة أخرى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

191

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟

نشر في العدد 3

153

الثلاثاء 31-مارس-1970

شكر وتقدير