العنوان أشفاعة.. في المجرم بوتو؟
الكاتب عبدالمعز عبدالستار
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أبريل-1979
مشاهدات 114
نشر في العدد 439
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 03-أبريل-1979
علام تدل الشفاعات الكثيرة في بوتو؟!
حدود الله: هي الضوابط والعصم التي أقامها ليحمي بها عباده من طغيان القوي على الضعيف، والسفيه على الشريف وليحفظ بها دماء الناس وأعراضهم وأموالـهم وحقوقهم وحرماتهم، وهي بمثابة الشاطئ من بحر الحياة، لا يزال الناس بخير ما بقي الشاطئ ركينًا ثابتًا، فإذا انهدم أو انثلم فلا يكون وراءه إلا الغرق والطوفان والدمار.
من أجل ذلك أوجب الله إقامتها والمحافظة عليها وحرم تعديها أو الشفاعة عند حاكم فيها أو أن تأخذنا بمعتد ظالم رأفة في دين الله، ذلك بأنه ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾.
وقد اعتبر سبحانه الصرامة في تنفيذها وعدم المهاودة فيها من آيات الإيمان فقال سبحانه في الزانيين ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كما حذر النبي - صلى الله عليه وسلم- من التدخل لتعطيلها أو تخفيفها إذا رفعت للحاكم فكيف إذا صدر فيها حكم، ونقل عنه -صلى الله عليه وسلم-: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في خلقه».
نعم فقد وقف ضد الله وضد خلقه: يريد الله أن يحمي عباده وينتصف المظلومين من المجرمين ويريد هؤلاء أن يحموا الحياة وينصروا الطغاة ويظهروا في الأرض الفساد، وقديمًا سرقت امرأة شريفة قرشية، فأرسل أهلها أسامة بن زيد حب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليشفع لها، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- كلمته الخالدة: «أتشفع في حد من حدود الله إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» قال -صلى الله عليه وسلم- بعدما تمعر وجهه غضبًا، فكيف يسوغ المسلم بعد هذا أن يشفع في حد وجب وإذا عذرنا دولًا وحكومات غير مسلمة لا تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولا تؤمن بالله واليوم الآخر راحت تشفع «لبوتو»؛ لأنه من أوليائها وأخلص أصدقائها أو عملائها دمر قومه ودينه وزيف الانتخابات وأشاع الفقر والرعب والفساد وسفك الدماء وهتك الحرمات ومزق باكستان وقل حدودها وأوهى جلدها و أشمت عدوها وكفاهم مؤنة تحطيمها وإذلالها.
أقول إذا عذرنا أمريكا وروسيا ودول أوروبا والصهيونية والماسونية العالمية في قيامهم من أجل «بوتو» وشفاعتهم له عند الحكومة الباكستانية؛ لأنه نعمة من الله عليهم تكفل بسحق الإسلام لهم وقتل أهله وسجنهم واعتقالهم وتشريدهم وإلبساسهم الخوف والجوع، فما عذر حكامنا المسلمين إذ يتدخلون ليعطلوا حكمًا من أحكام الله ويشفعون المجرم في حد من حدوده قد وجب.
صدر به حكم القصاص لأولياء الدم ولم يعد من حق حاكم أن يغير فيه أو يبدل بأمر أحكم الحاكمين ورب العالمين؟
نعم... إنه قصاص وجب في حق شخصي لا يملك حاكم أن يعفو عنه؛ لأنه حق أولياء الدم، فإن «علي بوتو» يحاسب على جريمة قتل عمد وإصرار بعثت عليها حزازات شخصية ومنافسات دنيوية وهو لم يحاكم على ما أغرق فيه باكستان في طوفان من الدم والهدم والقتل والتدمير حتى يقال أنه كان يحرس النظام والأمن، ولكن يحاكم على جريمة اغتيال دنيء وعدوان على برئ المفروض فيه أن يحميه ويؤمنه ويدفع عنه لا أن يستغل سلطته في قتله وسفك دمه..
فمن عجب أن تطوع لحكام العرب والمسلمين أنفسهم فيتدخلوا لإفلات مجرم قاتل متعمد من يد العدالة والقصاص ويطلبوا من «ضياء الحق» رئيس باكستان أن يعفو عنه وهو لا يملك هذا، ولا يحل لهم أن يطلبوه، ولا يحل له أن يجيبهم إليه أنه حق أولياء الدم فإن شاءوا اقتصوا وإن شاءوا عفوا وإن شاءوا أخذوا الدية.. فكان على الحكام ولهم سفراء وعملاء أن يتوجهوا إلى أولياء الدم ويعرضوا عليهم من خالص أموالهم إن كان لهم وأن يغروهم بالدية ما استطاعوا فإن قبلوا فذلك وإلا فالقصاص ولا كرامة لمجرم..
وقديمًا بذل الحسن بن علي -رضي الله عنه- والعترة المطهرة من أهل بيته عشر ديات لولي الدم الذي وجب له القصاص على «هدبة بن خشرم» أي نحو ألف ناقة ذات ثمن في ذلك الزمن فرفض ولي الدم وضرب عنق هدبة، ولم يستطع الحسن ولا آل بيت محمد -صلى الله عليه وسلم- أن يشفعوا له عند حاكم في حق وجب لا يملك العفو عنه أحد غير صاحبه.
ومن عجب أيضًا أن يتقدم الحكام المسلمون شفعاء عند «ضياء الحق» باسم شعوبهم أيضًا ولم تكلفهم شعوبهم هذا ولم يوكلوهم فيه، ولو أنهم استفتوهم أو سألوهم للاموهم ولقالوا لهم ما يكون لكم أن تتدخلوا باسمنا أو تتكلموا بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم..
ومن عجب أيضا أن يذكروا «ضياء الحق» بمواقف «علي بوتو» في خدمة القضايا الإسلامية والقومية وهو جلاد باكستان ومنكس أعلام الإسلام، ومن أعظم أسباب هزيمتها وتمزيقها، وانفصال بنجلاديش عنها وهو لم يُر يومًا في جانب الإسلام وأهله ومصالح قومه..
ومن عجب أيضًا أن هؤلاء الشفعاء للقتلة المجرمين الذين بادروا وتنادوا وتقدموا أنجادًا وأسرعوا النهضة في صريخ الماسونية والصهيونية وأعداء الإسلام لإنقاذ «علي بوتو» من قبضة الحق وقصاص الحياة، هؤلاء لم نسمع لهم مركزًا ولم نحس منهم أحدًا يوم كان «علي بوتو» يسوم قومه العذاب ويظهر في الأرض الفساد..
فمن يبلغ هؤلاء الشفعاء أنـهم بعملهم هذا يضادون الله في خلقه، ويشاقون الرسول -صلى الله عليه وسلم- في دينه وأمته ويتولون الظالمين ويتبعون غير سبيل المؤمنين، وإن جادلوا عن «علي بوتو» في الدنيا، فلن يجادلوا الله عنه ولا عن أنفسهم يوم القيامة ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾.
ذلك أمر الله ﴿لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
والسلام على من اتبع الهدى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل