العنوان صوت الأسير الفلسطيني- انتهت الزيارة.. لكن قلبي مازال هناك
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 15-أكتوبر-2011
مشاهدات 60
نشر في العدد 1973
نشر في الصفحة 30
السبت 15-أكتوبر-2011
نسيهم العالم.. وتجاهلهم الإعلام العربي قبل الغربي.. فباتوا يكابدون الموت وحدهم في صمت، ٦ آلاف من أسرى فلسطين بينهم ١٥٠٠ من أصحاب الأمراض المستعصية، و ٣٦ طفلًا و ٣٠٠ امرأة يعيشون في سجون النسيان والإهمال من ذوي القربى.. وهي سجون أشد قسوة من السجان الصهيوني الملعون.
«المجتمع» تخصص هذا الباب لأقلامهم وأخبارهم وكلماتهم التي تصلنا تباعًا لتكون صوتهم؛ عسى أن يتحرك الصامتون والمتجاهلون!
بدأت أرتب نفسي، أنادي محمدًا ليقص لي شعري، ويهذب لحيتي، فغدًا هو يومي، اليوم الذي سأرى بأم عيني أمي بعد 3 سنوات لم أرها فيها، وستجلب أمي ابني الذي تركته في بطن أمه في شهره السابع، ولا أدري هل سيقبلني وسيبتسم لي أم لا؟!
مر الليل طويلًا، وكانت الساعة تسير كيوم وأتقلب على فراشي الرث، وأرتب ما سأقول لأمي؛ هل سأبكي أم سأضحك؟ ماذا لو بكت أمامي؟ كيف سيكون رد فعلي؟
جاء الصباح متأخرًا، استيقظت قبل الجميع، ورتبت نفسي ونظفت أسناني ومشطت شعري، وكأني أفعلها لأول مرة تناولت فطورًا لا أذكر ما هو، وأعتقد أنه كان لقمة أو لقمتين وأنا نصف واقف، وإخواني الأسرى ينصحونني بأن أجلس وأستزيد فوقتي طويل.
انتظرت قليلًا، وإذا بهم يستدعونني طار قلبي فرحًا، وإذا بي أوضع في مكان ما دخلته من قبل دخل علي اثنان لا وجود الملامح البشر فيهما، طلبا مني خلع ملابسي «كاملة»، فقلت لهما: كلها كلها!! قالا لي: نعم كلها كلها.
استهجنت! وقبل أن أقول كلمة لرفض ذلك، قال أحدهما: لك الخيار، فالطريق لكي ترى أمك يبدأ من هنا! فدهشت واضطربت وقلت في نفسي: إذا لم أستجب فإني محروم من الزيارة، ويعني أن والدتي ستأتي ليقال لها: عودي بكل بساطة فوالله لو طلبوا مني خلع جلدي كي أرى أمي دقيقة لفعلت، فخلعت كل ملابسي، كما خلقني ربي! ولم يكتفيا بل قالا لي: استدر وارفع يديك.. اجلس... قم.. تحرك.. وهكذا وكأني «عارضة أزياء» أمامهما، عقلي يريد أن يرفض لكن قلبي مع أمي ولا أرى إلا أمي أمامي!
دخلت غرفة وكأنها مقهى إنترنت... أمامي شاشة و«مايك هيدفون»، فقلت: ما هذا؟! فراحوا يعلمونني ما سأفعل عند حضور أمي، فقلت لهم: ألن أشاهد أمي وطفلي؟ قالوا: بلى، ولكن من وراء حجاب.. آه.. قاسي القلب لا ينقل إلا صورة بلا صوت ولا ملمس، مضاد للرصاص والمشاعر!
انتظرت ولا أعلم رد فعل أمي.. جاء البريق من بعيد عينان عزيزتان بالحب لمحتهما، ما إن لمحنا عيني حتى سالت دمعات أحرقت الخدود التي تلقتها وقلب من رآها كادت تسيل دموعي أمسكتها أو كدت جلست أمامي وقالت: السلام عليكم يا حبيبي.
قلت لها: كيف حالك يا أمي؟
رددت بصوت ما أظنه خرج رجفت واهتز كياني، اقشعر بدني.
قلت: الحمد لله.. كيفك يا غالية؟
بكت أمي، وأنا أنظر بشوق وحرقة من خلف ذلك الجدار عديم الإنسانية، نظرت الأسفل والتقطت شيئًا ملائكيًا: طفل جميل ابتسم لي كأنه يعرفني فبكيت.
وتحول الحديث عبر الأثير في ميكروفون السجن إلى نقل أنات وأحزان بلا كلام.
انتهت الزيارة وقلبي هناك..
خرجت أمي مع طفلي وكأنها انتزعت روحي معها، نقلت إلى مكان انتظار وألقوا إلى بكيس صغير به بعض الملابس والحلويات، ورسالة من زوجتي، وكان الكيس بسيارة تعرضت لحادث مدمر الملابس متسخة والحلويات مكسرة مبعثرة والرسالة «مجعلكة».
فعندما وصلت مقر إقامتي في سجني، أخبرت من إخواني أني كما تعرضت للإهانة والإذلال قبل جلوسي في الزيارة، تعرضت أمي لمثله وأشد فتلكم الملابس التي أمضت ليلتها السابقة تبكي فوقها وتقبلها وترتبها جاءها عديم قلب حاقد من جنود «الشاباك» الصهاينة، وقلب كيسها أمام عينها على الأرض بحجة الفحص الأمني!
ثم يقولون لنا: لم تضربون؟!
أسير مضرب