العنوان رثاء ... وداعًا محمد عبد العزيز شنب
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 15-أكتوبر-2011
مشاهدات 60
نشر في العدد 1973
نشر في الصفحة 40
السبت 15-أكتوبر-2011
نعته أسرته في «الأهرام» تحت عنوان «الحاج محمد عبد العزيز شنب».. لم أتوقع أنه هو الشاعر الذي عرفته في أواخر السبعينيات ضمن محرري صفحة الأدب وكتابها، وفتحت التفاصيل على الموقع الإلكتروني فتأكدت أنه هو، ثم زادت «الأهرام» الأمر تأكيدًا حين نعته على صفحتها الأولى بوصفه الشاعر والصحفي والابن البار من أبنائها الذين فقدتهم عن عمر يناهز ٦٠ عامًا، بعد حياة حافلة بالعطاء أكثر من ٣٥ عامًا.
والراحل كان من الشعراء المجيدين الذين لم يلتفت إليهم النقد الأدبي أو الواقع الثقافي بما يستحق، مع أنه واحد من أركان هذا الواقع، وممن يستطيعون الترويج لأنفسهم لو أنه استخدم الأساليب التي تتنافى مع احترامه لنفسه وقدره، ولكن الرجل كان ينشئ شعرا جيدا، وينشره دون أن ينتظر ثناء أو مديحا واستطاع على امتداد عمره الأدبي أن يقدم نحو عشرة دواوين شعرية، بالإضافة إلى العديد من المسرحيات، منها: «المتنبي على حد السيف، ومهزلة سوبر»، وقد حصل على جائزة التأليف المسرحي التي نظمها المجلس الأعلى للثقافة عام ١٩٨٤م.
لقد أشرت إليه في كتابي «الورد والهالوك» الذي صدرت طبعته الأولى عام ١٩٩٢م وطبعته الرابعة عام ٢٠٠٨م، بوصفه واحدًا من شعراء الأصالة الذين توقعت لهم مستقبلًا طيبًا في مجال الشعر والمسرح الشعري، وقد صدق حدسي تجاه شعراء الأصالة جميعًا، كما صدق تجاه الشعراء المزيفين الذين ملؤوا الدنيا ضجيجًا، ثم تلاشوا ولم يبق منهم إلا آثار ذابلة، تقول كلامًا سطحيًا غثًا يتملق هذه الجهة أو يهجو تلك الجهة.
شعراء الأصالة بحكم ارتباطهم بالهوية القومية والحضارية للوطن، وانعطافهم نحو الإسلام، عرفهم الناس وتفاعلوا مع فنهم الأصيل دون وساطة، هذا ما جرى مع أشعار صابر عبد الدايم وفاروق جويدة، ومصطفى رجب، وحسين علي محمد وأحمد فضل شبلول، وجميل عبد الرحمن، وفولاذ عبد الله الأنور، ونشأت المصري، وعبد الله شرف، وأحمد مبارك، وناجي عبد اللطيف، وآخرين لا تسعفني الذاكرة بأسمائهم الآن، وكان محمد عبد العزيز شنب واحدا ممن ساروا على الدرب واثقًا، وفي السنوات الأخيرة كانت «الأهرام» تنشر له مقطوعات مركزة تنعطف نحو الإيمان والروح واستدعاء الحضارة الإسلامية في مدها وجزرها، ومن هذه المقطوعات تلك المقطوعة التي نشرها قبيل وفاته بأسابيع في «الأهرام» ٢٥ أغسطس ۲۰۱۱م، يشير فيها إلى واقع الأمة بين ما كان وما هو كائن متخذًا من قرطبة دليلًا على العظمة والضياع.
ومنها المقطوعة التي تبكي شهداء الأمة في يوم العيد الماضي، وكتبها قبيل رحيله بأقل من شهر أول سبتمبر (۲۰۱۱م).
لقد كان انحيازه إلى الهوية القومية والحضارية للأمة ساطعًا، خاصة في حبه لشخصية المتنبي التي استدعاها في مسرحيته الشعرية «المتنبي على حد السيف»، ثم استدعاها ليواجه بها الاحتلال الأمريكي للعراق، في زمن اختلت فيه الموازين، وتغبشت الرؤى وتداخل الحق مع الباطل، وارتفعت أصوات مهزومة تبشر بانهيار الأمة وتحطمها ولكن محمد عبد العزيز شنب كان يرى ما لا يراه المنهزمون المستلبون، فقال في مقالة نشرتها الأهرام في الذكرى الخامسة لاحتلال العراق «أول أبريل ۲۰۰۸م» تحت عنوان: «لا يزال شعر المتنبي وطنًا حرًا مستقل»: «تستطيع الجيوش أن تحتل وطنًا بأكمله، لكنها لا تستطيع أن تحتل ديوانًا واحدًا من الشعر فضلًا عن أن تحتل قصيدة واحدة، وتستطيع أن تدك العمارات بما تملك من أسلحة فتاكة، لكنها لا تستطيع أن تدك ضلوع قصيدة وبإمكانها أن تحرق الأزهار والأشجار، لكن ليس في إمكانها أن تحرق في القصيدة التشبيه والاستعارة وتستطيع كذلك أن تمحو العناوين من واجهات المدن وتستبدل بها عناوين جديدة لكنها لا تستطيع أن تمحو عنوان قصيدة واحدة، وقد يضيع الوطن إلى حين ولكن لا تضيع الكلمات والشعر هو العنوان الذي يحمل عطر المكان حتى وإن أصبح أطلالًا، ومن هنا تأتي أهمية اللجوء إلى القصيدة بعد أن احترقت المدينة وهو الخيط الذي يأخذ المدينة من جديد لكي تمتد قامتها عاليًا من تحت الأنقاض».
تمنيت أن يحصل أمثال محمد عبد العزيز شنب على جزء من الاهتمام الذي يحظى به بعض من تصنعهم الشلل والعصبيات التي تحكم الواقع الأدبي، ولكن من قال: إن واقعنا الأدبي والثقافي يمضي مع الأدباء سويًّا على طريق مستقيم؟!
رحم الله الراحل الفاضل، وجعل الفردوس الأعلى مثواه.