العنوان الجمال والخيال في بيت شعر للمتنبي
الكاتب عودة الله منيع القيسي
تاريخ النشر السبت 03-أغسطس-2002
مشاهدات 65
نشر في العدد 1512
نشر في الصفحة 52
السبت 03-أغسطس-2002
التصوير لا يكون بارعًا إلا إذا جاء مطابقًا لما في الوجدان.
أجود الشعر، سواء أكان بيتًا أم قصيدة أم كان ديوانًا، هو ما اتصف بثلاث صفات:
الأولى: أن تكون ألفاظه على قدر معانيه القائمة في الوجدان «أو النفس» الذي يرسلها إلى العقل والخيال لتتبلور فيهما.
والثانية: أن تكون العلاقات بين ألفاظ المعنى قادرة على التعبير عنه بأفضل صورة علاقات للألفاظ.
والثالثة: أن يكون فيه تصوير بارع قائم على الخيال أو على التصور العقلي وحده، ولن يكون التصوير بارعًا إلا إذا جاء مطابقًا لمعنى مادة الوجدان التي دفعها إلى العقل والخيال.
فليس الشعر الرائع والأدب عامة هو الذي يتلاعب بألفاظه العقل، فيقدم ويؤخر ويحذف ويضيف كما يفعل صانع الكلمات المتقاطعة، بل إن الشعر الرائع هو الذي ينبعث من الوجدان إلى العقل والخيال، فيكون دورهما هو بلورة رسالة الوجدان في صورة لفظية تعبر عن الرسالة خير تعبير، عن تداخل جزئيات المعنى، وعن تشابكها على شكل علاقات لفظية دالة على معان.
ومن الشعر الرائع بيت المتنبي القائل:
فما ينفع الأسْد الحياء من الطوى
ولا تُتقى حتى تكون ضواريا
لاحظ أنه قال «الأسد» بضم الهمزة وتسكين السين لتكون أشد وقعًا من كلمة «الأسود» التي يذهب بشدتها المد الطويل الذي يأتيها من حرف العلة الواو. ولاحظ أن الذي ساقه وجدانه هو كلمة «الحياء» وليس كلمة الخجل، لأن الخجل لا تشديد فيها، ولا مد فيها كالمد الذي في كلمة «الحياء»، هذا المد الذي يستفرغ نفس المحزون ويعطيه شيئًا من الراحة، فإما ضغط للصوت عن طريق الحركة والسكون، كما في «الأسد»، ليعبر عن ألم المتبني وحزنه لفقدانه القوة التي لا يفتأ يفكر فيها بعد أن غادر سيف الدولة متسللًا لعدم امتلاكه القوة، ولو كان يمتلك القوة، لناجزه، ولما فر متسللًا. وإما مد للصوت عن طريق الألف الذي يستفرغ شيئًا من حزن المتنبي الذي أدى به -آنذاك- إلى اليأس من الحياة، أما قال في مطلع القصيدة التي منها هذا البيت السابق:
كفى بك داء أن ترى الموت شافيًا
وحسب المنايا أن يكنَّ أمانيا؟
ثم.. لاحظ أن وجدانه دفع إلى عقله كلمة «الطوى» وليس «الجوع» مثلًا، لأن الطاء من ناحية حرف شديد، خلافًا للجيم الحرف المتفشي، ولأن الطوى -من ناحية ثانية- لا تخلو من غرابة، وحالة المتنبي التي المحنا إليها آنفًا.. تتوق إلى القوة ويتجذر في وجدانه الشعور بأن الحياة لا قيمة لها بغير القوة التي يجدها المتلقي في كلمة «الطوى» لفظًا وغرابة، لأن القوة في حياة الناس أقرب إلى أن تكون غريبة لا يحوزها إلا القلة، أما قال الله تعالى معبرًا عن أن الغالب على الإنسان الضعف وليس القوة ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَٰنُ ضَعِيفًا﴾ (النساء: 28).
ثم قال: «ولا تُتقى»، فجاء بالفعل مبنيًّا للمجهول لاعتبارين: أحدهما: أن المبني للمجهول أقوى جرسًا لوجود الضمة في أوله، ومن المعروف أن الضمة أضخم صوتًا من الفتحة، والثاني: أن البناء للمجهول يخفي الفاعل فيجعل التركيز على المفعول به الذي يتحول إلى نائب فاعل، وذلك يجعل التعبير غريبًا فيه سر يشبه السحر، أليس السحر يقوم على كيفية غريبة سرية! والغرابة والسرية يثيران في النفس الخوف، خلافًا لما هو واضح معروف. والمتنبي الذي كان يفتقد القوة أليس خائفًا لعدم امتلاكه لها؟ أيغادر سيف الدولة متسللًا مستأذنًا منه مدعيًا أنه يريد أن يذهب إلى مزرعة له، لو كان يمتلك القوة؟ ألم يقطع الطريق بين حلب -عاصمة سيف الدولة- ودمشق خائفًا يترقب؟
ثم قال: «ضواريًا»، فلم يستعمل جمع المؤنث السالم الذي يوحي بالضعف، ولا صيغة ضارية التي توحي بالضعف كذلك لأنها صفة -من حيث المعنى- للمفرد المؤنث.
ضرورات الوزن
قد يقال: لكن الشاعر لو استعمل الكلمات التي قدمتها للمقارنة، لما صح معه الوزن، فأقول إن شاعرًا كبيرًا كالمتنبي لا يعجزه الوزن عندما يطلب المعنى الوجداني والعقلي نوعًا من الكلمات يُعبر عنه، فكما أن الأديب الناثر الكبير تتدفق من فيه ومن قلمه المعاني والألفاظ وحدة واحدة، ولا نعرف نحن «الكيفية» التي يتم بها ذلك، ولا يعرفها هو كذلك، فإن الشاعر الكبير يتدفق البيت الشعري والقصيدة كلها من فيه ومن قلمه وحدة واحدة لفظًا ومعنى ووزنًا، دون أن نعرف نحن ولا هو الكيفية التي يتم بها ذلك، ولكن هذا هو الذي يكون.
أما علاقات الألفاظ بعضها ببعض -التي تتدفق من الوجدان إلى العقل، ويكون لها دلالة على المعنى عند الشاعر الكبير، أو قل إن الوجدان هو الذي يقدم مادتها إلى العقل ليقوم العقل ببلورة ارتباط بعضها ببعض- فإن صورتها تبدو في بيت المتنبي السابق بتقديم المفعول به «الأسد» على الفاعل «الحياء»، لأن التعبير البسيط أو المحايد أو العقلي المحض يستدعي أن يقال: «فما ينفع الحياء الأسد»، فيقدم الفاعل على المفعول به لأن هذا هو الأصل في بناء الجملة الفعلية في العربية، ولكن أعماق المتنبي التي كانت تتوق إلى القوة التي تفتقدها، ما كان لها أن تقدم كلمة الحياء الذي لم يطلب لذاته، وإنما جاء لإتمام المعنى على كلمة «الأسد» التي كانت رمزًا للقوة، أما ترى أن الحق تعالى قال: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ (البقرة: ۱۳۳). فقدم إبراهيم -عليه السلام- وأخَّر يعقوب -عليه السلام- بعد المفعول به «بنيه»، لأن يعقوب لا يساوي إبراهيم في المكانة، فإبراهيم أبو الانبياء ويعقوب من عرض الأنبياء، وإبراهيم هو جد يعقوب، فليس من العدل إذن أن يُساوى في التعبير بينهما بحيث يرد ترتيب يعقوب بعد إبراهيم مباشرة.
وهكذا.. فأنت ترى أن ترتيب الألفاظ في القرآن الكريم بالدرجة الأولى، وفي الشعر الرفيع «والأدب عامة» بالدرجة الثانية، يأتي بحساب دقيق في القرآن الكريم، ويأتي بحساب جدير بالاعتبار عند الشعراء والأدباء.
افتقاد القوة.. وتأنيب النفس
أما الخيال في هذا البيت فيقع في صورتين: الصورة الأولى في قوله: فما ينفع الأسد الحياء، فالحياء أصلًا شعور يقع للإنسان، وعلى هذا فقد شخص الشاعر الأسْد فأسبغ عليها المشاعر التي يحس بها الإنسان، وهذا دليل آخر على أن الشاعر كان يتوق إلى امتلاك القوة، لأن الذي يمتلك القوة وإن كان حيوانًا «أسدًا» يرقى في وجدان الشاعر وخياله إلى مرتبة الإنسان، بل لعله مقدم عنده على الإنسان الذي لا يمتلك القوة. وأنا أحس أن الشاعر بهذا يؤنب نفسه بطريقة غير مباشرة على عدم امتلاك القوة التي يمتلكها حيوان أعجم، لأن تأنيب الإنسان لنفسه يخفف من الضغط النفسي الواقع عليه، أما ترى أن المجرمين يقولون يوم القيامة جوابًا عن سؤال أهل الجنة لهم، قائلين: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ﴾ (المدثر :42) ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ* وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ* وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ* وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ* حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ (المدثر: 43-47).
أما ترى أنهم مالوا على أنفسهم تأنيبًا عن طريق هذا الاعتراف بالذنوب؟ وإن هذا الأسلوب -أسلوب الاعترافات- تلجأ إليه بعض المدارس النفسية، لأن الاعتراف بالأخطاء أو الذنوب يطهر النفس منها أو يخفف من وقعها عليها على الأقل.
ولكن يجدر ألا تظن أن أي صورة خيالية كالاستعارة مثلًا، تطهر النفس أو تستفرغ شعور الإنسان -شاعرًا ومتلقيًا- مهما كان نوع الشعور حزنًا أو فرحًا أو خوفًا أو غضبًا أو مروءة... إلخ، ولكي ندلل على ما نقول نورد لك البيتين التاليين اللذين يستشهد بهما البلاغيون:
قامت تظللني من الشمس
نفس أعز عليَّ من نفسي
قامت تظللني ومن عجب
شمس تظللني من الشمس
فالشاعر كما ترى يصف حبيبته بأنها شمس عن طريق الاستعارة التصريحية بقوله: شمس تظللني من الشمس. ولكن هذه الاستعارة دلت على نفس مخلصة عند الشاعر، فهل من اللياقة أو المروءة أن تقف فتاة كالشمس لتظل رجلًا؟ إن الشاعر بهذا عكس الموقف الطبيعي الذي تقتضيه اللياقة والمروءة، فبدل أن يقف الرجل الخشن بطبعه ليظلل من الشمس الفتاة التي تشبه الشمس، جعلها الشاعر تقف هي لتظلله! إن هذا التصوير يصدر عن نفس مريضة، أو عن تلاعب ذهني بالألفاظ والصور المبتوتة الصلة بالوجدان. وهكذا مسخت هذه الاستعارة المعنى وأفرزت صورة مشوهة.
إذن.. هذه هي الصورة الأولى التي رسمها خيال المتنبي الذي يمتاح صوره من وجدانه، إنها في قوله السابق: فما ينفع الأسد الحياء، وقد رأيت قدرتها على التعبير المتفوق عما يحسه في وجدانه. أما الصورة الأخرى فتقوم على التشبيه الضمني الذي لا يتضح إلا بإيراد بيتين سابقين على هذا البيت الذي نحلله، وهما:
إذا كنت ترضى أن تعيش بذلة فلا تستعدن الحسام اليمانيا
ولا تستطيلن الرماح لغارة ولا تستجيدن العناق المذاكيا
فما ينفع الأسد الحياء..
إن التشبيه الضمني يقوم على دعوى «وهي هنا البيتان السابقان»، وعلى دليل «وهو هنا بيت الدراسة». وقد جاء هذا الدليل «غلقًا» في موقعه، فإن الحسام اليماني والرماح الطويلة والخيل العتاق كل ذلك لا قيمة له إذا كنت راضيًا بعيش ذليل، لأن الأُسْد على قوتها وضراوتها لا تستفيد من هذه القوة والضراوة إذا تملك زمام أمرها الحياء.
أبو تمام
ومثل هذا التشبيه الضمني الذي جاء في ثلاثة أبيات، جاء عند أبي تمام في بيت واحد، وهو قوله:
لا تنكري عطل الكريم من الغنى
فالسيل حرب للمكان العالي
فالشطرة الأولى هي الدعوى، والشطرة الثانية هي الدليل، وبين الدعوى ودليلها تقارب لا تطابق، ولذلك لم يصل هذا التشبيه إلى مستوى التفوق -الذي وصل إليه تشبيه المتنبي- لأن السيل في بيت أبي تمام حرب للمكان العالي حقًّا، ولكن الكرم لا يؤدي دائمًا إلى الفقر، ولعل المتنبي الذي جاء بعد أبي تمام قد نظر إلى قول أبي تمام هذا عندما قال: «الجود يفقر والإقدام قتال» فليس الجود مفقرًا دائمًا وليس الإقدام مؤديًا إلى القتل دائمًا.
أما لماذا جاء تشبيه المتنبي في ثلاثة أبيات وجاء تشبيه أبي تمام في بيت واحد؟ فالجواب أن ذلك راجع إلى قوة سيطرة الانفعال الوجداني عند كل من الشاعرين؛ فالمتنبي -كما عرفت- يعالج موضوعًا متصلًا بوجدانه وحياته اتصالًا عنيفًا، حتى كانت حالته تحمله على أن يتمنى الموت أو يرى الموت خيرًا من هذه الحياة، ولذلك كان تعداد آلة الحرب والاستكثار من صورها يناسب ما كان عليه وجدانه من توقه إلى القوة، هذه التي يفتقدها وتتوق أعماقه إلى الحصول عليها. أما أبو تمام فقد كان يمدح، فمسألة الكرم ليست راسخة في أعماقه أو مقلقة لها إلا بالقدر الذي يحرك نفس الممدوح ومروءته ليجود له ببعض المال، وهذا دافع لا يزلزل أرجاء النفس، بل يحركها حركة محدودة، يتناسب معها الإيجاز والإشارة.
ابن الرومي لم يوفق
وكما أننا أوضحنا -فيما سبق- أن الاستعارة لا تكون مؤثرة كيفما وقعت، بل قد تشوه الصورة إذا لم تقع موقعها، فإن التشبيه -بجميع أنواعه- كذلك، فكما عرفت أن تشبيه المتنبي قد وقع أجود موقع وأثر أعظم تأثير، وأن تشبيه أبي تمام قد نزل عنه درجة لأنه لم يصب كبد الحقيقة، فيحسن أن تعرف أن تشبيه ابن الرومي في بيته التالي:
قد يشيب الفتى وليس عجيبًا
أن ترى النور في القضيب الرطيب
لم يُعقد له التوفيق، لأن الدليل فيه وهو «وليس عجيبًا أن ترى النور في القضيب الرطيب» لم يتجانس مع الدعوى، وهي: «قد يشيب الفتى» لأن شيب الفتى أمر نادر ومستنكر وعجيب، أما النور في القضيب الرطيب، فأمر طبيعي وشائع، وليس عجيبًا. ولأن الشيب في حقيقته دليل شيخوخة وعجز ودنو من مفارقة الدنيا، ولأن النور -في حقيقته- دليل شباب وطراوة وإقبال الحياة وليس إدبارها، ولهذا فأنت ترى أن ابن الرومى لم يوفق في تشبيهه.
إذن القضية ليست قضية استعارة أو تشبيه في التعبير أو خلو منهما، وإنما هي قضية أن يقع الكلام موقعه، معبرًا عن الوجدان متبلورًا في الأذهان، سواء أكان فيه استعارة أو تشبيه أو كان مغسولًا منهما. أما ترى أن قول الله تعالى الذي سلف وهو: «ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب» مغسول من الاستعارة والتشبيه ومع ذلك كان أبلغ قول وأعدله في موضعه! ولو أردنا أن نغير الترتيب فيه كأن نجعل يعقوب يلي إبراهيم لاحتجنا إلى بضع جمل للوفاء بالمعنى الذي وفت به في القرآن خمس صور كلامية فقط.
وأخيرًا فأنت ترى أن بيت المتنبي هذا -ألفاظ وعلاقات ألفاظ وصور- قد عبر أبلغ تعبير وأوجزه عن توق المتنبي إلى القوة، وعن ألمه الشديد لفقدانها، وامتلاك الآخر لها، وأن البيت قد أسهم -بما يحوي من تأنيب للذات غير مباشر- في تطهير نفسية الشاعر مما فيها من ألم وحسرة لافتقاد القوة، وما كان يمكن التعبير عن هذا كله في بيت واحد بغير هذه الألفاظ، وما قام بينها من علاقات وبغير هذه الصور الحية المنبثقة عنها، ولقد تآزرت كل عناصر البيت لتؤدي إلى هذا التأثير الآسر للمتلقي الذي لا يملك إلا أن يتعاطف مع الشاعر، وألا يشعر من وجه آخر بأن القوة لا بد منها لمن أراد أن يعيش عزيزًا مرهوب الجانب، فردًا كان أو دولة، وهذا هو الجمال الشعري بعينه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل