; رسائل الإخاء العدد 859 | مجلة المجتمع

العنوان رسائل الإخاء العدد 859

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-مارس-1988

مشاهدات 66

نشر في العدد 859

نشر في الصفحة 35

الثلاثاء 22-مارس-1988

بقلم الشيخ نادر النوري
ألا إن العربية اللسان

اعلم يا أخي أن الصراط المستقيم هو «أمور باطنة في القلب: من اعتقادات وإرادات وغير ذلك، وأمور ظاهرة: من أقوال وأفعال، قد تكون عبادات، وقد تكون أيضًا عادات: في الطعام، واللباس، والنكاح، والمسكن، والاجتماع والافتراق والسفر، والإقامة، والركوب، والكلام ونحو ذلك.

وهذه الأمور الظاهرة والباطنة: بينهما -ولا بد- ارتباط ومناسبة، فإن ما يقوم بالقلب من الشعور والحال: يوجب أمورًا ظاهرة، وما يقوم بالظاهر من سائر الأعمال: يوجب للقلب شعورًا وأحوالًا.

فكان من الحكمة: أن شرع الله تعالى من الأعمال والأقوال ما يباين سبيل المغضوب عليهم والضالين، وأمر بمخالفتهم في الهدى الظاهر، وإن لم يظهر لكثير من الخلق في ذلك مفسدة.

فالمشاركة في الهدى الظاهر: تورث تناسبًا وتشاكلًا بين المتشابهين يقود إلى الموافقة في الأخلاق والأعمال ويجد الإنسان في نفسه نوع تخلق بأخلاقهم» (1).

ومن ذلك كراهة أن يتعود الرجل النطق بغير العربية فإن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، أنزل الله به كتابه العزيز وجعله لسان خاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم ولغة أهل الجنة، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون، وقد نهى عمر رضي الله عنه عن رطانة الأعاجم وقال: «ما تعلم رجل الفارسية إلا خب «أي مخادع» ولا خب رجل إلا نقصت مروءته»، و«من كان يحسن أن يتكلم العربية فلا يتكلم الفارسية، فإنه يورث النفاق»، وسمع محمد بن سعد بن أبي وقاص قومًا يتكلمون بالفارسية فقال: «ما بال المجوسية بعد الحنيفية؟» وقد كره الأئمة الأربعة لمن يعرف العربية أن يُسمى بغيرها، وأن يتكلم بها خالطًا لها بالأعجمية، وهذا مأثور أيضًا عن الصحابة والتابعين، وقال شيخ الإسلام «ينبغي لكل أحد يقدر على تعلم العربية أن يتعلمها لأنها اللسان الأولى أن يكون مرغوبًا فيه من غير أن يُحرم على أحد أن ينطق باللغات الأخرى» بسبب الحاجة مثلًا إلى ترجمة معارف الأمم «قال رسول صلى الله عليه وسلم لزيد بن ثابت إنها تأتيني كتب لا أحب أن يقرأها كل أحد فهل تستطيع أن تتعلم كتاب العبرانية أو قال السريانية فقلت: نعم، فتعلمها في 17 يومًا».

وفي البخاري معلقًا مثله «قال: فإني ما آمن يهوديًا على كتابه» (2) وقد نُقل عن طائفة من السلف أنهم كانوا يتكلمون بالكلمة بعد الكلمة من العجمية، وربما لكون المخاطب أعجميًا لا يفهم العربية أو قد اعتاد المصطلحات والألفاظ الأعجمية فيريدون تقريب الفهم لديه.

كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم خالد بن سعيد بن العاص «وكانت صغيرة وقد ولدت بأرض الحبشة لما هاجر أبوها» لما كساها قميصًا وقال: «يا أم خالد هذا سنا» أي حسن بلغة الحبشة.

أما اعتياد الخطاب بغير العربية التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن حتى يصير ذلك عادة البلد وأهله، وأهل البيت والرجل مع أصحابه فهذا مكروه... ولهذا كان المسلمون المتقدمون عوّدوا أهل البلاد التي فتحوها بدلًا من الرومية والفارسية والبربرية لغة القرآن حتى غلبت على أهل هذه الأمصار مسلمهم وكافرهم، ولما تساهل المسلمون فيما بعد هُجرت العربية حتى اضمحلت في بلاد العرب وفشا اللحن، والمطلوب اعتياد الخطاب بها حتى يتلقنها الصغار في الكتاتيب وهذا مما يؤثر في العقل والدين تأثيرًا قويًا بينًا ومعرفتها فرض واجب فهي مفتاح الكتاب والسنة.

قال عمر رضي الله عنه: «تعلموا العربية فإنها من دينكم» (3).

والواجب أيضًا «أن نعرف للعرب حقها وفضلها وسابقتها ونحبهم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن حبهم إيمان وبغضهم نفاق ولا نقول بقول الشعوبية وأراذل الموالي الذين لا يحبون العرب ولا يقرون لهم بفضل فإن قولهم بدعة» (4).


رسالة السيد الفاضل رئيس التحرير المحترم

بعد التحية،

لا يخفى عليكم وأنتم في موضع المراقب والملاحظ بل والمعايش لما يحدث في المجتمعات الحالية من انحلال وتفسخ قد يكون بعضها قد وصل إلى حالة الانتحار كالمجتمعات الغربية، والبعض الآخر يموت موتًا بطيئًا كمجتمعنا العربي، وخشيتنا أن يصل مجتمعنا الكويتي لأي منهما فإننا نود منكم المساهمة بجدية أكثر في نشر المواضيع التي تعالج قضايا مجتمعنا مبتعدين عن الأمور التافهة التي تثير الشهوة في نفوس الشباب من الجنسين، سواء الصور شبه العارية من نساء ورجال أو الكلمات الهابطة والتي لا تغني ولا تُسمن من جوع أو الاستهزاء بقيمنا وعاداتنا وديننا، حيث إن هذه الأمور ولا شك تجعل مجتمعنا متميعًا متخاذلًا همه الشهوة والبحث عنها تاركًا الجدية في عمله وخلق ذاته لما هو أحسن، متميزًا بشخصيته غير منقاد لشرق أو لغرب، وفي تصوري أن الناحية الإعلامية ومنها الصحف تلعب دورًا كبيرًا في ذلك، وأرجو الله أن تكون صحيفتكم سباقة للخير والدعوة إليه واضعين أمام أعينكم المصلحة المثلى والعليا فوق المصالح الشخصية والربح العاجل.

والله الموفق وسدد الله خطاكم لما فيه رفعة الخير ودحر الشر.

نبيل عبد الله

(1) اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ص11.

(2) التراتيب الإدارية للكتاني 1/203.

(3) نفس المرجع 202 وما بعدها ملخصًا.

(4) حادي الأرواح لابن القيم ص329.

 

الرابط المختصر :