; تحية للمجاهدين.. وسلام للعزائم | مجلة المجتمع

العنوان تحية للمجاهدين.. وسلام للعزائم

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 08-يوليو-2006

مشاهدات 60

نشر في العدد 1709

نشر في الصفحة 41

السبت 08-يوليو-2006

أمتنا أمة معلمة ومجاهدة، تعرف طريق النصر وسبل الفلاح، ودروب العزة، تعلمت من رسولها، وتفقهت بقرآنها ، عرفت أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا، وما بلغت الأمة عزتها وهي تلبس الحرير و الديباج، وتأكل الحلوى والفالوذج، وإنما بلغتها بالكفاح والجهاد والجلاد والمصابرة، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 200)،﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: 24).

بلغت عزتها بالصبر على لأواء الحياة وشظف العيش في أتون المعارك، ولهذا نسمع خطاب رسول الله ﷺلربه عند الخروج لبدر: «اللهم إنهم حفاة فاحملهم، عراة فاكسهم، عالة يتكففون الناس فأغنهم من فضلك ، هؤلاء هم الذين خاضوا معركة الفرقان، واذهبوا وساوس الجاهلية، وطاردوا شياطين الإنس والجن.

هذا هو طريق الرجال، وتاريخ الدعوات، سبل التربية العزيزة الكريمة لأولي العزم من الرجال، وصدق الله ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (آل عمران: 186)، ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ۚ ﴾ (الأحقاف : ٣٥)، هذا هو طريق اليسر، وإن ظهر للجبناء أنه العسر ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ (البقرة : ١٨٥)

وصدق القائل:

لكل نائبة ألمت فرجة *** ولكل حال أقبلت تحويل

 لم أبك من زمن ذممت صرو فه *** والدهر يعدل مرة ويميل

 لعل أيام الهوان قليلة *** فعلام يكثر عتبنا ويطول

 واليوم هل يفيق الذاهلون والتائهون إلى الصواب، ويراجعون رسالتهم في الحياة، أم يظلون هملا تحكمهم صعاليك الأمم، وشذاذ الآفاق، وتذيقهم مرارة الذل والهوان؟

إن هذه الأمة العظيمة لن تسكت ولن تستكين لهذا الغثاء الذي يملك زمامها اليوم، لن تستسلم لهؤلاء الجرذان الذين يزحفون على الأمة، في غفلة من الزمان، وغفوة من آسادها ونمورها.

 وما يجري في فلسطين اليوم ما هو إلا صحوة وصمود مذهل أمام تلك الآلة العسكرية الجهنمية المغرورة بقوتها وبدعمها من دول الاستعمار والأطماع أعداء الإسلام والمسلمين، بدأها والناس نيام فضيلة الإمام حسن البنا - رحمه الله - حيث كانت صلته بفلسطين مبكرة جدًا يوم أن كان الحاج أمين الحسيني طالبًا في القاهرة، إذ كانت الصلة وثيقة بينه و الأستاذ البنا، وكانا يتجاذبان أطراف الحديث عن فلسطين، وكان الناس في مصر في ذلك الوقت يجهلون أن هناك بلدًا اسمه فلسطين، وأن هذا البلد بجوارهم وإنه أقرب إلى القاهرة من أسوان، فشرع الإمام يرسل شباب الإخوان إلى مساجد القاهرة والمحافظات يحدثون الناس عن ظلم الإنجليز وبطشهم وتآمرهم على أهل فلسطين، ثم دعا بعد ذلك إلى مقاطعة المجلات اليهودية في القاهرة، فطبع قائمة بأسماء هذه المجلات وعناوينها والأسماء الحقيقية لأصحابها، وذُيلت الكشوف بعبارة: «إن القرش الذي تدفعه لمجلة من هذه المجلات، إنما تضعه في جيب يهود فلسطين ليشتروا به سلاحًا يقتلون به إخوانك المسلمين في فلسطين ..»

ولقد استطاع الأستاذ البنا أن يتجاوز- بنشاطه الإعلامي للقضية الفلسطينية- حدود مصر، فدعا إلى عقد أول مؤتمر عربي من أجل نصرة فلسطين، ووجه الدعوات إلى رجالات البلاد العربية، فلبوا النداء.

ولم يغفل الإمام الجانب المالي في الحركة الجهادية الفلسطينية وحاجتها إليه، ولهذا نشط في جمع التبرعات لها، ومن الوسائل البديعة التي ابتكرها إصدار طابع بقيمة قرش وتوزيعه على الناس.

ومع حرصه على أن تصل قضية هذا الشعب- المتآمر عليه وعلى أرضه - إلى جميع المسؤولين في مصر وخارجها .. آمن بأن القوة أوثق طريق لإحقاق الحق فلابد للحق، من قوة تحميه، ومن هنا بدأ البنا بإرسال شباب الإخوان من مصر إلى فلسطين في بداية الثلاثينيات خلسة، حيث تسللوا من شمال فلسطين وعملوا مع المجاهد عز الدين القسام وأبلوا معه بلاء حسنًا، ودخل قسم من مجاهدي الإخوان تحت قيادة الجيوش العربية التابعة لجامعة الدول العربية، وبلغ مجموع الإخوان المسلمين الذين استطاعوا أن يدخلوا أرض فلسطين بشتى الوسائل ۱۰ آلاف مجاهد، وقاموا بنسف مقر قيادة اليهود في «صور باهر»، وأبلوا بلاء حسنًا في مدينة الفالوجة.

وبعد تزويد الجيش المصري بأسلحة فاسدة، تيقن البنا من عدم جدية الدول العربية في القتال، وأنها تخضع لرغبات الدول الاستعمارية، وقال حينها: «إن الطريق طويل، والمعركة الكبرى معركة الإسلام « التي ربينا لها هذا الشباب » لا تزال أمامه، أما إسرائيل فستقوم، وستظل قائمة إلى أن يبطلها الإسلام..»

وقاد بعدها الإمام مظاهرة في مصر، خرج فيها نصف مليون شخص في عام ١٩٤٧م - قبل استشهاده بسنتين - ووقف فيهم خطيبًا، وقال: دماؤنا فداء فلسطين، أرواحنا فداء فلسطين. واستمرت المواقف واستمرت التربية إلى أن جاء الشيخ أحمد ياسين وصحبه الكرام، ورغم ما لاقوا من عذاب وعنت، استطاعوا أن يربوا رجالًا حملوا الراية، وأكملوا المسيرة، يثبتون ثبات الرواسي، ويصولون صولان الأسود، رغم الحصار والجوع والقنابل والرواجم، وهدم المنازل والبيوت يسكنون الخيام، ولا تلين لهم قناة شبانًا وشيوخًا 

تحت سقف من القماش.. مازالت الشيخوخة صامدة..

فلسطين أمي.. تنحني الهامات.. ولكن تبقى خيمتي شامخة..

لم تنكسر رغم العواصف والرعود والكهولة تشهد موت الضمير..

حتى هذه اللحظة العالم يغمض عينيه..

ولكن أشجار الزيتون راسخة في أرضها لا تلين. 

تحية للرجال.. سلام للعزائم، وبعدًا للجبناء، وسحقًا للمتخاذلين المتآمرين. وسلام على المرسلين والمجاهدين، والحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل