العنوان المظلومون في تاريخنا
الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي
تاريخ النشر السبت 03-فبراير-2007
مشاهدات 66
نشر في العدد 1737
نشر في الصفحة 66
السبت 03-فبراير-2007
تاريخنا الإسلامي وحضارته.. ناله الكثير من الظلم بأنواعه، افتراء، مبرمجا مقصوداً، قديماً وحديثاً.
لكن أفظع الظلم، اتهامه ورميه بما هو منه بريء، براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام، وما من شك أن وراء ذلك أسبابا تدميرية، من جهات وفئات متعددة جمعها العداء له، وقد ساءها انتصاره وانتشاره الواسع بين الشعوب التي أقبلت عليه معتنقة له - عقيدة وشريعة - مستعدة للتضحية من أجله بأغلى ما لديه، عاملة به وداعية له بسلوكها، حاملة رايته بكل ما تستطيع، وبكل مقتضى لديها، ومحصلة ذلك هي الإساءة إلى الإسلام نفسه، لكن أليس الجهل بهذا التاريخ هو وجه آخر من وجوه الظلم كذلك؟ وعلاج الأمر كله - أو مفتاحه على الأقل - معرفة هذا التاريخ والتوسع في الاهتمام به واستيعاب عبره.
ولهذا الظلم المشهود درجات متفاوتة، بعضها دون - أو فوق - بعض.
لكن من الواضح أن سهم تاريخنا أكبر من غيره، من فروع الدراسات الإسلامية.
لقد كان من وسائلهم المتمرسة أن وجهوا ظلمهم - أول ما وجهوه - نحو أنصع الصفحات وصانعيها لتاريخنا، وبالتالي لمبانيها ومعانيها، كأنهم يقولون: إذا كان هذا هو حال صفحات المفاخر وأهلها، بهذا الشكل المتردي في تاريخنا وحضارتنا، فماذا تقولون إذن في غيرها؟
خذ مثلاً على ظلمهم لهذه الصفحات المتألقة والقائمين بها وعليها، من مثل: الفتوحات الإسلامية، بيعة السقيفة، حروب الردة، لقد نالوا بذلك عموم المسلمين وخصوصهم؛ خلفاءهم وأمراءهم وقادتهم وعلماءهم وفقهاءهم وقضاتهم وأهل الرأي فيهم غنيهم وفقيرهم، خلال مراحل التاريخ.
لقد جرت تلك المظالم في ذات الطريق، تفنناً وافتناناً وتمادياً، لا سيما بعد فشل الحروب الصليبية في المشرق الإسلامي، خلال قرنين من الزمان: حروب السيف والتنكيل والتقتيل، ومثلها وأشد منها وأعنف وأطول .. أختها: الحروب الصليبية في المغرب الإسلامي.. الأندلس وما أمامها وما خلفها، وانتهاء بمحاكم التفتيش، التي غدا اليوم بعض الدارسين الأوربيين يستهجنونها، رغم محاولة جمهرة منهم أحيانا تأويلها أو التخفيف من بشاعتها، كان من ذلك التقرير «نحو سبعمائة صفحة، كتبت عنه صحف أوروبية» الذي أصدرته البابوية السابقة، مدعية أن محاكم التفتيش تلك لم تكن بتلك القسوة! ومعلوم للجميع ما ارتكبته البابوية الوريثة.
عند الفشل في النيل من وراء ذلك الظلم التاريخي، أنشؤوا لهذا الظلم التاريخي معاهد، هي له مصانع، ابتداًء: من طريق إقامة الاستشراق ورعاية تياره في العالم الإسلامي نفسه، وأخذا ببثه في أوساط هذا العالم، وانتهاء بتكوين من يقوم مقامهم، لتكون دورنا أن حصوننا مهددة من داخلها، على قاعدة: «إن خير من يقطع الشجر أحد أبنائها» فكان هؤلاء المصنوعون أشد علينا وأكثر جرأة وأمضى تهمة من أولئك، ويتضح ذلك جليا في كل مكان من خلال بعض الأتباع الذين تصدروا المواقع، متبنين ذات الدوافع، حتى وإن وقفوا خلف البراقع، بادعاء العلمية والأكاديمية التي لا يعرفونها أبداً، فأسسوا فينا المواجع.. رآهم كل من عمل معهم وتداول مواقعهم وعانى من التواءاتهم.
والحمد الكثير لله تعالى، فقد تغير الحال اليوم بما توافر من القائمين على رعاية هذا التاريخ وحضارته، ممن فهموه وتعمقوا فيه وأدركوا مضامينه الحقة ومرابعه المزدهرة وحقائقه البريئة، من غير إهمال لكل أحواله الأخرى، ولكن باستحقاقاتها، نتيجة بحوث مضنية متأنية، يدرك ذلك جلياً كل من خاض مجالي «مجالات» التاريخ الإسلامي وحضارته الرفيعة، يتوازى ذلك مع السير، اطراداً مع وضوح الرؤية في هذه الأمور ويزداد تبيناً وجلاء وسموا، بمقدار المضي في هذه السبيل ناهلا من ينابيعه.
إن من يُحدق جيداً متأنياً موضوعياً، في تضاعيف هذا التاريخ ويرى أروقته الممتدة الظليلة الدافئة، سوف يدهش حتما، وقد يفزع مستفسرًا: كيف مضت وسرت واستقرت هذه المظالم، مغطية عموم التاريخ الإسلامي، دون تميز بين الحق والباطل والصدق والكذب والحقيقة والافتراء، ما وقع فعلا وما لم يقع، فسارعت مخترقة هذه المباني الشوامخ ؟ لعله يصل بذلك إلى ثلاث نتائج مختارة بارزة:
١- أي مجهود بُذل لبث هذه المظالم، وأي قوم هؤلاء الذين وقفوا وراءها أو لها، وأي طول من الزمان صبروا عليه، ليشيعوها ويقبلها حتى أهل هذا التاريخ، ما لو بذله أهله لرعايته لوقف سداً منيعاً دون تحقيق ما حققوه؟
٢- أي إهمال جرى من أهله مقابل ذلك، أو جهل بحقيقته وبتلك المظالم، حفوا به أنفسهم فحال دون إدراك حقائق الأمور، ليهرعوا لبيانه وخدمته وتقديمه، أو على الأقل للإسراع في تجلية الواقع ليرفدوه ويستدركوا ما عليهم إدراكه؟
٣- والآن: ما الجهد اللازم اليوم من أهله، لدفع هذا الظلم وكشفه عن المظلومين في هذا التاريخ - ثم من بعد - لتقديمه بحقائقه وبيان جوانبه المضيئة ولآلئه النادرة الكريمة، مع عدم إهمال المنحدرات التي طرأت على الأمة، خلال تاريخها، لتنفع بذلك، دروساً وعبراً ومدداً؟ وهو ما سأشارك به - إن شاء الله تعالى - في أكثر من جانب منه، ببيان الحق ومتابعة الواقع التاريخي وبحث النظر في أحداثه، لتتبين الأمور بأدلتها، ويأخذ الحق مكانه، ويرتفع الظلم عن المظلومين في أعداد قادمة، والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل.