; إنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذووه | مجلة المجتمع

العنوان إنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذووه

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 10-أكتوبر-2009

مشاهدات 41

نشر في العدد 1872

نشر في الصفحة 37

السبت 10-أكتوبر-2009

قد يظهر في الأمم بين الفينة والفينة رجال لهم عقول مبهرة وجهود مثمرة قد لا يتكررون كثيرًا في تاريخها، ولكن شعوبهم للأسف قد لا تعيرهم التفاتًا أو تستفيد من سعيهم جهودًا أو تجني من عملهم صعودًا إلا الحسرة والندامة أو تأخذ من ذكراهم إلا الخيبة والعماية، وهذا هو قانون الأمم الهابطة على مدار التاريخ.

ولنضرب مثلًا للعقول المبهرة التي ما زالت أممهم تحاربهم حتى بعد موتهم، وما نفعهم نصح ناصح ولا بيان مبين ما دامو في غيهم يعمهون ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصَّمَ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِين (الزخرف:40). 

نذكر مثلًا من عباقرة زمانه، ومثلًا آخر لداعية لم تعرف أزماننا المتأخرة مثاله:

 المثل الأول: هو الأستاذ الشيخ طنطاوي جوهري، الذي كان يلقب في ذلك الوقت «بحكيم الزمان»، يقول عنه الأستاذ محمود عبد الحليم: كان الرجل شخصية بارزة في مصر، فلما التقيت به في القاهرة رأيت فيه الرجل الذي يقول ما يفعل ويفعل ما يقول، فمع أنه كان أستاذًا في دار العلوم، ولم ألقه إلا بعد إحالته إلى المعاش بأكثر من عشر سنين إلا أنني كنت أرى فيه شابًا في عنفوان شبابه، فهو متوقد الذهن، يتحدث معك في كل علم من العلوم الكونية، كأنما هو متخصص في كل واحد منها، وتراه عن طريق هذه العلوم يدلك على وجود الخالق ووحدانيته وقدرته وحكمته ورحمته.

وقد ألف كتابًا سماه «الجواهر» في تفسير القرآن الكريم في ستة وعشرين جزءًا، أتبعها بعد ذلك كما أخبرني بستة أجزاء أخرى.

ولقد كان الشيخ طنطاوي جوهري في أيامه ذائع الصيت في مصر وفي خارج مصر، وكثيرًا ما كان يقصده العلماء في البلاد الشرقية ومن الغرب، من أمريكا وإنجلترا وفرنسا، يتلقون على يديه علومًا معينة.. وأذكر في فترة من أيام شارع الناصرية أنه كان يحرص بعد إلقاء درسه علينا في المركز العام للإخوان أن يكون في بيته مبكرًا - بعد العشاء - لأن مستشرقة فرنسية قدمت من فرنسا خصيصًا لتحضر عليه شرح «الرسالة القشيرية».

 وقد تقدم في إحدى السنوات ببحث لنيل جائزة نوبل للسلام - وما كانت هذه الجائزة لتعطى لمصري في ذلك الوقت حتى لو لمس السماء بيده. 

وعندما تحدثنا عن الحجب والكشف قال: أنصت إليّ يا محمود، فأنصتُ إليه، فقال: إن الرجل ليأخذ نفسه بأساليب الرياضة النفسية فيرقى من درجة إلى أخرى حتى يدرك أسمى درجات السمو، فيصل إلى درجة الكشف، حيث ينكشف له الكون، ويرى بنور الله ما ستره الله عن خلقه من الغيب، فهل هناك منزلة أعلى من هذه المنزلة؟!

 قلت: لا أعتقد أن هناك منزلة أعلى من هذه المنزلة.

قال: بل هناك منزلة أعلى من تلك. قلت متعجبًا: وما عساها تكون تلك المنزلة؟ 

قال: هي منزلة رجال يصطنعهم ربهم، ويختارهم من بين خلقه، ويكل إليهم مقارعة الفساد، ومنازلة الظلم، وإشعال جذوة الإيمان بالله في القلوب، وبث روح الأخوة بين المؤمنين، حتى تتكون لدعوة الله قوة ترفع صوت الله في الأرض، فتقف للظلمة والمفسدين بالمرصاد..

ثم قال الشيخ: وأعلم يا بني، أن هذه المهمة التي يختار لها الله تعالى هؤلاء الرجال تقتضي أن يحجبهم عن غيبه، فهم دائمًا محجوبون، لكنهم مع هذا الحجب أعلى درجة من أهل الكشف؛ لأن أهل الكشف لا ينتفع بهم الناس، أما هؤلاء فينتفع بهم خلق كثيرون، بل تنتفع بهم أمم ينقلونها من حال إلى حال.. قال: وأعلم يا بني أن من هذا النوع من الرجال الرسل، ومنهم كبار الصحابة من أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ومنهم كبار المصلحين، ومنهم حسن البنا.

قلت: أهكذا ترى حسن البنا؟ قال: نعم. 

قلت: وكيف عرفته؟ قال: سمعت عنه فذهبت إليه، وجلست معه، وسألته: إلام تدعو؟

قال: أدعو إلى القرآن.

قلت: دع هذا اللفظ الكريم من حديثنا؛ فإن هذا اللفظ الكريم مظلوم ظلمًا بينًا: لقد انتحله الجميع وانتسبوا إليه؛ ما من فرقة قامت في الدولة الإسلامية - مهما كانت زائفة عن الإسلام- إلا وادعت أنها تدعو إلى القرآن.. فأجبني بتفاصيل ما تدعو إليه في كل ناحية من نواحي الحياة.. قال: فشرح لي تفاصيل دعوته، فوجدتها في حدود كتاب الله.

قال: ثم رأيت في الشاب وآرائه وفهمه لكتاب الله، وإحاطته بالتاريخ، وفهمه للمجتمع الذي نعيش فيه، وذكائه وألمعيته وشخصيته الأخاذة، ومقدرته على جمع الناس على دعوته، وصبره على المكاره، وتعففه عما في أيدي الناس، وبذله في سبيل دعوته، ولين جانبه، وتواضعه بحيث لا تكاد تميزه من أتباعه.

قال: فرأيت فيه صفات القائد الذي يفتقده العالم الإسلامي، ثم قال مستطردًا: إن أهم ما يميز البنا عن غيره أن كل من عرفتهم من الزعماء أحد رجلين: إما سياسي حظه من الإسلام قليل، أو زعيم ديني حظه من السياسة يسير؛ ولهذا لم تنجح الحركات الإصلاحية في مصر، أما الإمام البنا فهو يجمع بين الأمرين؛ فهو فقيه ممتاز وسياسي بارع.

وبعد انتهاء الحوار بينه وبين الإمام البنا على النحو الذي ذكرت وبعد أن أعلن الشيخ اقتناعه بالإمام البنا قال له الأستاذ المرشد: يا سيدي الأستاذ: إنك أستاذنا وأستاذ الجميع، وأنت حكيم الإسلام، وأراك أحق بمنصب الإرشاد لهذه الدعوة مني... وهذه يدي أبايعك.

فقال الشيخ: لا يا أخي.. أنت صاحب الدعوة، وأنت أقدر عليها، وأنت أجدر بها.. وأنا أبايعك على ذلك، ومد يده فبايعه، ولم ينكث - رحمه الله - بيعته إلى أن لقي ربه.. وكان رحمه الله متواضعًا يعرف لكل ذي حق حقه.

فيوم قال له بعض العلماء: كيف تقبل وأنت العالم الجليل أن تكون تابعًا لمدرس أقل شأنًا منك؟ فرد عليهم بقوله: لو تعلمون عن هذا الشخص ما أعلم ما ملكتم إلا أن تبايعوه على نصرة الإسلام ثم قال: «إن حسن البنا في نظري مزاج عجيب من التقوى والدهاء السياسي، إنه قلب «عليّ» وعقل «معاوية»، وإنه أضفى على دعوة اليقظة عنصر «الجندية»، ورد إلى الحركة الوطنية عنصر «الإسلامية»، وبذلك يعد هذا الجيل الإسلامي الحاضر النسخة الإسلامية الثانية الكاملة المعالم بعد الجيل الإسلامي الأول في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.

 فانظر يا رعاك الله، كيف يعرف الفضل لأهل الفضل ذووه، وكيف بأن العلماء والنبغاء في أكثر الأحياء يعيشون ولا يستفيد منهم إلا القليل. هناك رجال وعقول تسبق عصرها، فهل نستطيع اكتشاف ذلك وسط الضجيج الفج، ونميزه في ساحة الفساد الملعون، حاول إن شاء الله ستكون من الفائزين والحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :