العنوان وجهة نظر في إمكانية التصدي لسلبيات النظام الدولي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-فبراير-1998
مشاهدات 77
نشر في العدد 1287
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 10-فبراير-1998
دراسات
إن الإجابة عن سؤال: كيف السبيل للتصدي لسلبيات النظام الدولي؟ تقتضي أولًا: الإشارة إلى البيئة التي تتحرك فيها وتتغذى منها هذه السلبيات وهذه البيئة هي «النظام العالمي الجديد».
وثانيًا: رصد آثار قيام هذا النظام على عالم الإسلام والمسلمين الإيجابية منها والسلبية، وذلك قبل النظر في سبل مواجهة آثاره السلبية والعدوانية، وكيفية ردعها مستقبلا.
بقلم: محمد براو ([1])
- من المهم أن تدرج الدول الإسلامية العوامل العقيدية والإنسانية كمحدد رئيسي في سياستها الخارجية.
- تأسيس نظام عربي فعال يمهد لانبثاق نظام إسلامي يقبل التعددية.
- على الدول الإسلامية تبني المعايير الإيجابية الجديدة في السلوك الدولي مع نقد تطبيق تلك المعايير لا رفضها جملة وتفصيلًا.
إن المشهد الدولي الذي ارتسم على إثر نهاية الحرب الباردة والمتمثل في «والمترتب على» اختلال ميزان القوى الدولي الذي ظل قائمًا على مدى أربعة عقود، لا قبل لأحد أن ينكر طابعه الانقلابي التاريخي على مستوى سيرورة العلاقات الدولية سواء في صورتها المادية الواقعية أو في بعدها المعياري القيمي، أجل لقد ظهر نسق جديد للعبة الدولية مائل لصالح التحالف الغربي بفعل الفراغ الاستراتيجي الذي خلفه انقراض حلف وارسو في أوروبا وانهيار جدار برلين، فكان طبيعيًا أن ينعكس التحول الذي وقع في أوروبا «قلب النظام الدولي السابق» على العالم عمومًا والعالم الثالث خصوصًا ومنه العرب والمسلمون، علمًا بأن العالم الأخير – إذا استثنينا الصين– كان موضوعًا للنظام الدولي القديم لا فاعلًا فيه، وفي مستوى آخر فقد صرنا نعيش ونسمع قاموسًا معياريًا جديدًا في التخاطب والتعامل الدولي، لم يكن مألوفًا من قبل كالشرعية الدولية والتدخل الديمقراطي والتدخل الإنساني، والتعاون الدولي في مجال محاربة آفات وهواجس عابرة للحدود والسيادات، وتوسيع رقعة نشاط الأمم المتحدة ولاسيما ظهور مصطلح الديبلوماسية الوقائية.
وشهدنا تمددًا واسعًا في الدعاية والتطبيقالوصفة الإصلاح الليبرالي من أبرز تجلياتها التوسع العالمي في تطبيق نظام اقتصاد السوق وتسييد المؤسسات المالية والنقدية الدولية، كما انبهرنا أمام الطفرة الإعلامية والاتصالاتية المدهشة، وإن كان معظم منتوجها «مؤدلجًا» يروج الفضائل الحداثة من منظور واحد متمركز حضاريًا حول الذات الأمريكية الغربية، كما استرعت انتباهنا ظاهرتان تسيران في خطين متناقضين، فهناك ظاهرة التجمعات الإقليمية والتكتلات الاقتصادية، في اتجاه عالمي نحو التوحد والاندماج، وعلى النقيض من ذلك هناك ظاهرة التفتت والتفجر القومي والعرقي، حتى أصبحت حقيقة القرية الكوكبية التي أبدع في وصفها ماكلوهان محل استفهام هل هي فعلا حقيقة أم وهم؟ واستفحلت ظاهرتان أخريان هما بمثابة حق ألبس باطلًا، وهما ظاهرة «العولمة» والاعتماد المتبادل في الاقتصاد والثقافة والأذواق، طبعتهما سطوة متجددة للشركات المتعددة الجنسيات ذات النشاط عبر - القومي والتي تفوق مقادير أرباحها ميزانيات عديد من الدول الجنوبية الفقيرة، وهي تروج بدورها لنمط مجتمع الاستهلاك الغربي وتلعب دورًا ذكيًا وخطيرًا في ترسيخ التبعية الاقتصادية والتكنولوجية وتزيين وتخليد الاستلحاق الثقافي حتى أن بعض الباحثين ذهبوا إلى أن النظام العالمي الجديد هو نظام هذه الشركات.
وكان لهذا التبدل الجوهري على المستويينالاستراتيجي والقيمي أصداؤه الأيديولوجية في شكل أطروحات قديمة جديدة تستهدف إلباس المتغيرات النسبية في حركية التفاعلات الدولية لبوساً ايديولوجياً لعل أشهرها أطروحة -أسطورة- «نهاية التاريخ» ونظرية «صدام الحضارات» وهما نظريتان مؤدلجتان تطرحان النموذج الثقافي والعقائدي والحضاري ووعاء السياسي العسكري بديلًا وملاذًا نهائيًا، لا مجال لمقاومته أو منافسته، فيما يبدو كتجسيد نموذجي للفكر المتحالف مع السلطان والخادم له.
وهذا كان من أبرز عوامل نشأة علم العلاقات الدولية الغربي كما هو معروف لدى مؤرخي الفكر الدولي الحديث.
كما اتسم عهد النظام الدولي الجديد ببروز تيار كثير اللغط والضجيج إعلاميًا وسياسيًا، «ولكن هامشًا أكاديميًا» ينادي بضرورة الاستعداد لخوض حرب باردة جديدة مع «الإسلام الراديكالي» باعتباره إمبراطورية الشر الجديدة، أو «الخطر الأخضر»، وريث الخطر الأحمر الشيوعي، وهو تيار يتغذى من الذاكرة الجماعية الغربية الحاملة لرواسب الصدام التاريخي مع الإسلام والمسلمين عقيدة وحضارة وسلطانًا، تصب ادعاءاته في طاحونة الخطة الصهيونية العالمية الهادفة إلى الإبقاء على الأهمية الاستراتيجية للكيان الصهيوني حتى تستمر المساعدات منهمرة عليه دون فتور.
آثار النظام العالمي الجديد على العالم الإسلامي:
مما لا جدل فيه أن غياب أحد طرفي التوازن الدولي كانت له آثار غير محمودة على صعيد التوازنات الفرعية الجيوسياسية والجيواقتصادية في جميع أنحاء العالم بما فيها العالم الثالث في مختلف دوائر انتمائه العربية والإسلامية والإفريقية والآسيوية والأمريكية لجهة تسويد منطق أحادي في إدارة وتسوية المشكلات الدولية والإقليمية، وإخسار الميزان في التعامل مع القضايا والهموم التي تشغل بال العالم الثالث اقتصادًا وسياسًا واجتماعًا وثقافًا، ولكن النظام العالمي الجديد قام على أنقاض نظام عقائدي مجاف للفطرة البشرية، فلا يمكن لمسلم إلا أن يرحب بزوال العقيدة الشيوعية واندثار دولتها ومعسكرها غير مأسوف عليهما، كما لا يمكنه أيضًا أن يتعامى عن بعض الجوانب الإيجابية الأخرى ذات الطابع الجغرافي السياسي على محدودية حجمها، والتي مردها أساسًا لانهيار الاتحاد السوفييتي أكثر منه لقيام ما يسمى بالنظام العالمي الجديد.
أولًا: الآثار الإيجابية:
إن أبرز أثر إيجابي على الإطلاق هو تحرر الإسلام والمسلمين في آسيا الوسطى والقوقاز وداخل ما كان يسمى بالاتحاد السوفييتي بوجه عام، إذ تمكن المارد الإسلامي من الخروج من قمقمه بعد عقود وعقود «العهدان القيصري والسوفييتي» من المعاناة وراء الستار الحديدي، ثم استقلال الجمهوريات الإسلامية ذات المقدرات الاقتصادية والتكنولوجية والمخزون الثقافي العريق، وإعادة اللحمة مع باقي الشعوب العربية والإسلامية، ثم اندحار الشيوعية في أفغانستان بفضل الانسحاب السوفييتي في مرحلة أولى وقطع الدعم الروسي عن شيوعي كابل - بالنتيجة في مرحلة ثانية، وقد نجم عن زوال المعسكر الشيوعي الدولي انزياح الغطاء عن حقائق عديد من الصراعات الإقليمية، فاستقلت أريتريا وبعد قطع المساندة السوفييتية عن نظام منجيستو، كما استفادت شعوب ومناطق أخرى من نهاية عهد الحروب بالوكالة في العالم الثالث، ككمبوديا وناميبيا وأنجولا وغيرها، وأزفت ساعة تسوية مشكلة الصحراء المغربية.
من جانب آخر، فقد انفتحت أمام الدعوة الإسلامية أفاق جديدة من مناطق وبلدان كانت إلى عهد قريب مغلقة كألبانيا وروسيا ذاتها ومعظم دول أوروبا الشرقية أيضا إن النظام الفكري والاجتماعي والسياسي الذي اصبح سائدًا «الليبرالية» بقطع النظر عن إلغائية الأيديولوجية والعلات التطبيقية، فإنها تتقاطع في الكثير من توجهاتها ومبادئها مع كليات ومقاصد الشريعة الغراء بخلاف النظام الشيوعي.
ثانيا: الآثار السلبية:
١- على الصعيد الفكري والثقافي:
وقف الجميع على الحملة الشعواء والعشواء التي نظمتها أوساط يمينية متطرفة، لا تزال تحن إلى ماضي الصراع الكوني الشامل على الإسلام والمسلمين باعتبارهم العدو الجديد الذي يهم بأكل الحضارة الغربية وتهديد الاستقرار الدولي ونشطت هذه الأوساط في تلميع خزعبلات ثقافية الغاية في نفس يعقوب كأمثال سلمان رشدي وتسليمة نسرين، كما شهدنا مؤتمرًا مشبوهًا حول التنمية الاقتصادية والسكان انعقد في حاضرة من أعرق الحواضر الإسلامية «القاهرة مقر الأزهر الشريف»، وتصعيد العدوان والحرب الإعلامية - الثقافية على الإسلام والمسلمين في الصحافة والإعلام، وحماية ومباركة النعرات والتوجهات الانفصالية الرجعية، وتأجيج مطالب الأقليات اللغوية والعرقية والنزعات المناطقية، وقيام تحالفات سياسية وثقافية بين تلك الأوساط والأوساط اللائكية في الوطن العربي والإسلامي في إطار دعم ظاهرة المثقفين اللقطاء، بتعبير محمد عابد الجابري، واعتبار الديمقراطية الغزو الاقتصادي جنبًا إلى جنب مع الاختراق الثقافي والإعلامي تحت ذريعة حرية التبادل ومقتضيات النظام التجاري العالمي الجديد «أخرجنا الاستعمار من الباب وها هو يدخل من النافذة في ثياب مايكل جاكسون عبر ظاهرة البارابول».
٢- على الصعيد الجيوسياسي: ثلاثة نماذج:
أ– قضية السلام "الإسرائيلي":لقد أدى استفراد القطب الأمريكي بدور الراعي المسلسل التسوية "الإسرائيلي" في الشرق الأوسط إلى تصفية الملف الفلسطيني رسميًا، من خلال مؤتمر مدريد الذي كان صناعة أمريكية، واتفاق غزة وأريحا الذي كان مشروع سلام أمريكي أيضًا كما برهن على ذلك الدكتور «إدوارد سعيد» ناهيك باستقواء الصهيونية العالمية وتغلغلها داخل روسيا الراعي الثاني المسلسل التسوية، وداخل المؤسسات الدولية ونجاحها في إلغاء القرارات الأممية المتضمنة للحد الأدنى من الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، بما فيها قرار مساواة الصهيونية بالعنصرية، والتواطؤ الروسي مع الولايات المتحدة بخصوص الاعتداءات "الإسرائيلية"، ومما يثير الاستغراب ويشى بالكثير من الدلالات أن أمريكا وروسيا هما الدولتان الوحيدتان اللتان تعترضان على قرارات لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة التي تدينانتهاكات الكيان الصهيوني لحقوق الإنسان.
واتصور شخصيًا أن التواطؤ الروسي يدخل ضمن عملية تقاسم جديد للنفوذ بينها وبين الدول الغربية بعد أن سمحت هذه الأخيرة لروسيا بأن تنصرف كما تشاء «في جوارها القريب» جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز.
ب– البوسنة والهرسك: مأساة شعب اعترف له العالم بالاستقلال والحرية، وأصبحت له دولة معترف بها في الأمم المتحدة، ولكن النظام الدولي الجديد كان يتأبى على التدخل الحاسم لوقف العدوان الصربي، ومرد عجزه إلى عجز النظام الأوروبي لأسباب دينية وتاريخية، وتخاذل وتذبذب أمريكا بذرائع ومبررات واهية ليس أقلها التلكؤ في توجيه طائراتها لردع المعتدين من الجو بحجة عدم الحصول على موافقة الدول الأوروبية المتورطة في النزاع، ثم التدخل الروسي السلبي بدوافع قومية ودينية وجيواستراتيجية «كبند من البنود غير المعلنة لخطة الشراكة من أجل السلام» وانتهت الأزمةبحل غير عادل «اتفاق دايتون».
ج- الشيشان:جرائم حقيقية ضد الإنسانية بإجماع العالم بما فيه الشعب الروسي ارتكبت في هذا البلد، ولكن مع ذلك فإن النظام الدولي الجديد لم يحرك ساكناً، أدهى من ذلك وأنكي فإنه طاطا موافقة ومباركة بذريعة أن الأمر يتعلق بشأن سيادي علمًا بأن ذات النظام بشر في وثيقته التأسيسية يناير ۱۹۹۲م- بأن مبدأ حقوق الإنسان «وحق تقرير المصير تعبير جماعي عن حقوق الإنسان» يتخطى الحدود والسيادات؟! (راجع تحليلًا مفصلًا حول منطق التعامل الدولي مع أزمة الشيشان وبيانًا لتهافت هذا المنطق في دراستنا المعنونة «دراسة في خلفيات وأبعاد العدوان الروسي على شعب الشيشان» جريدة الراية المغربية الأعداد : ١٣٥ – ١٣٦ – ١٣٧ – ١٣٨).
ما العمل لردع العدوان الدولي على المسلمين؟
في تصوري المتواضع أن العالم الإسلامي يملك من المقومات والعوامل ما يسمح له بتجاوز دور المتغير التابع في اللعبة الدولية، وما لم يتم تجاوز هذا الدور أو على الأقل تعديله نسبيًا على أمل تصعيده مستقبلًا، وصولًا إلى احتلال الموقع المناسب بخير أمة أخرجت للناس، فإن دار لقمان ستبقى على حالها، وسيطمئن المتربصون لغياب رد الفعل الإسلامي أو ضعفه، ولذلك فإنني اقترح خطة واقعية تسير في خطين وإيقاعين:
أولًا: في الوقت الحاضر وعلى المدى القريب:
١– التدخل الثنائي: ومؤداه أن تقوم كل دولة إسلامية على حدة تبعًا لإمكاناتها الاقتصادية ونفوذها السياسي والمعنوي بالسعي لدى الطرف المعتدي أو المهدد بالعدوان حثًا له على الكف عن تهديداته تحت طائلة اتخاذ إجراءات «مناسبة» وقد يكون هذا التدخل مجديًا إذا كانت الدولة المعنية قريبة من جغرافية الصراع، أو ذات تأثيرجيوبوليتيكي في المنطقة.
٢- ترسيخ الباعث العقائدي والإنساني كمحدد رئيسي في السياسة الخارجية:
وهذا الأمر يستتبعه أن تدرج كل دولة إسلامية مسألة الجور والعدوان الدولي، سواء كان عقيديًا أو إنسانيًا «ليس بين دعوة المظلوم وبين الله حجاب» في سلم أولوياتها على صعيد إعداد وتنفيذ سياستها الخارجية، حتى تصير عنصرًا جوهريًا في نظام قيمها الذي يؤطر سلوكها السياسي الخارجي، بحيث يفضي ذلك إلى استحضار تلقائي دائم واستشعار فوري لأي عدوان يقع على المسلمين أو على غيرهم.
في هذا الإطار ينبغي البدء في الوقت الحاضر، وعلى المدى القريب، بتكييف وتنسيق سياسي وديبلوماسي بين الدول ذات الالتزام المبدئي والعلني في هذا المجال، وفي اعتقادي أن تفاهمًا بينها سيكون له عظيم الأثر تجاه القضية التي نحن بصددها وغيرها من القضايا التي تمس كرامة المسلمين ونهوضهم الحضاري، كالاستقلال السياسي والمقاومة الثقافية.
مؤسسات المجتمع المدني:
٣- دور مؤسسات المجتمع المدني: على هذهالمؤسسات أن تنهض بدورها في جو من الحرية المسؤولة، وعدم الاتكال على الدولة وحدها، إذ إن القضية قضية كل المسلمين شعوبًا وحكومات وفي هذا الصدد يمكن للمنظمات الطلابية والنقابات المهنية أن تعرب عن سخطها ضد المعتدين في صورة تجنيد شامل للقوى الشعبية كما في مثال البوسنة ومثال مرج الزهور جنوب لبنان، وفي المقابل على الحكومات تسهيل مثل هذه الأعمال الإنسانية لا الحجر عليها أو عرقلتها تحت ظنون وشبهان لا ترقى إلى مستوى تبرير منعها.
٤- السعي إلى رفع الحصار عن الشعوب المحاصرة وإطفاء الحرائق والفتن المشتعلة بين المسلمين في كل من الصومال وأفغانستان والجزائر فما يجري في هذه البلدان أولى بالدعم وأخري بالاهتمام من قضايا أخرى أبعد جغرافياً وسياسياً ولا يصح أخلاقياً ومنطقياً السعي إلى ردع العدوان الروسي على الشيشان - مثلا- والعجز عن وقف «شيشانات» أخرى بين ذوي القربى بعضهم بعضًا، واستغل هذه السانحة لأدعو مع الأستاذ فهمي هويدي إلى أن تضطلع الأمة العربية بمسؤولية الوساطة بين الحكم والمعارضة في الجزائر وهي ولا شك مؤهلة لهذه المهمة النبيلة والمستعجلة.
ثانيًا: على المدى المتوسط والبعيد:
١– إعادة تشكيلالعقل السياسي الإسلامي:بما يجعله عقلًا مثقفًا ومنفتحًا وملتزمًا، واقترح في هذا الصدد أن يتخذ صانعو القرار السياسي الخارجي المسلمون: «الواقعية المبدئية» منهجًا وفلسفة في السياسة الخارجية، أي طريقًا وسطى بين المثالية الغوغائية أو الرومانسية، والواقعية الاستسلامية أو «الوقوعية» كما وصفها أحدهم، نريد نظامًا قيمًا للسياسة الخارجية يبتسم بالالتزام المبدئي إزاء القضايا العقائدية والإنسانية وفي الوقت نفسه يراعي ضرورات المصلحة القومية لكل دولة إسلامية ومرغمات وإكراهات الحقائق الدولية، وقد تسهل هذه العملية وتكتسب الفعلية والاستمرارية مع وجود نظام إقليمي إسلامي يكون لها بمثابة المرجع والحضن والظهير.
٢– إعادة النظر في أسس وشروط النظام الإقليمي الإسلامي، على أمل تفعيل منظمة المؤتمر الإسلامي ولن يتأتى هذا الأمل إلا بتأسيس نظام عربي فاعل كشرط لانبثاق نظام إسلامي فاعل يقبل التعددية ويرفض مبدأ الزعامة أو الريادة ويعمل على هدي من القواعد والأعراف الدولية، قوامه التضامن العاطفي والواقعي على قاعدة تقليص هوة الشمال – الجنوب داخل منظومة الدول الإسلامية، ولكن الأمر يستلزم عقد مصالحات أفقية وعمودية بين الدول الإسلامية من جهة وداخل هذه الدول من جهة أخرى، أو على الأقل الاتفاق على شروط إعلان هدنة شاملة بين جميع الأطراف والفعاليات ولا اعتقد بمصداقية وفاعلية النظام الإسلامي إذا لم يتم ربط السياسات الخارجية للدول بالسياسات المحلية، ولعل تحسين صورة المشهد العقائدي والأخلاقي والإنساني والسياسي داخل الدول الإسلامية مدخل ضروري لأي مسعى جاد لتحسين صورة العرب والمسلمين لدى الرأي العام الغربي والعالمي، تستثمر لكسب مواطئ قدم داخل الدول ذات السلطة في النظام العالمي الجديد وكان من الممكن في هذا الصدد البدء بالمخلفات الإيجابية لحادث أوكلاهوما.
٣- الاعتراف الواعي بالمتغيرات الجديدة في البيئة الدولية أي بحقيقة انبثاق نظام للعلاقات الدولية جديد لئن كانت كفته الاستراتيجية مائلة لصالح التحالف الغربي الذي استفرد بالجزء الأعظم من السلطان الدولي؛ فإنه في الوقت نفسه يشكو من وجود ثغرات وثقوب بسبب ارتباط السياسات الخارجية لبعض الدول الكبرى بتقلبات السياسة المحلية، أو بسبب استحالة توليف وتماثل السياسات الخارجية للدول الغربية بفعل التنافس الاقتصادي تارة «أمريكا، أوروبا، اليابان» أو التباين الثقافي طورًا آخر «أمريكا، فرنسا» ومن هنا استغلال الدول الإسلامية لهذه التناقضات تطبيقًا لمبدأ إضراب هذا بذاك، كما تفعل حاليًا إيران بخصوص علاقاتها مع روسيا وأمريكا بمناسبة النزاع النووي مع هذه الأخيرة، والعمل من أجل بنود خطة بعيدة للتكيف والتفاعل مع معطيات وتطورات النسق الدولي لا الاكتفاء بالنباح من ورائه وهو يتقدم، علماً بأن الدول الإسلامية تمتلك إمكانات قابلة للاستثمار كأوراق ضغط في حالة خوضها لأي لعبة لوي ذراع.
معايير إيجابية:
٤- تبني المعايير الإيجابية الجديدة في السلوك الدولي التخلي عن المواقف العدمية بحيث يتم توجيه جهد لنقد تطبيق تلك المعايير لا نفيها جملة وتفصيلًا، مثلًا مبدأ التدخل الديمقراطي ومبدأ التدخل الإنساني، لا يسوغ رفضهما بدعوى كونهما ذريعة لانتهاك السياسة، بل يمكن قبول مثل هذه المبادئ واستيعابها من خلال النظر في الظروف والملابسات والوسائل والأهداف لكل حالة تطبيقية على حدة، إذ ذاك يمكن الحكم على جدوى التدخل لا توجيه سهام النقد الأعمى للمبدأ، واعتقد من خلال دراسة للموضوع أن شعب هايتي عليه أن يصلي شكرًا على نجاح التدخل الدولي هناك والذي أفضى إلى قلع إحدى أعتى وأعرق الديكتاتوريات الدموية في تاريخ جزر الكاريبيوإعادة الشرعية الديمقراطية إلى البلاد.
إن الغاية القصوى التي نرومها من هذه المقترحات هو الإسهام في وضع خطة تسمح برؤية الدول الإسلامية بعربها وعجمها وقد تكتلت اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا وأصبحت قوة استراتيجية يحسب لها حساب في صنع وتطوير وتنفيذ القرار السياسي الدولي.
آنذاك سيلعب العامل الإسلامي دور المتغير المستقل في النسق الدولي على نحو مؤثر بما يدفع معسكر المتربصين إلى التأمل مرتين قبل الإقدام على الإيذاء أو العدوان أو حتى التفكير فيهما.
([1]) كاتب وجامعي، عضو هيئة تحرير «التقرير الاستراتيجي السنوي حول المغرب»
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل