العنوان لقاء التنين الأصفر والأفعى الصهيونية
الكاتب عامر الحسن
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-2000
مشاهدات 63
نشر في العدد 1397
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 25-أبريل-2000
منذ عام 1983م بدأت إسرائيل تنقل التكنولوجيا العسكرية المتطورة إلى بكين وفيها معدات أمريكية.. لكن واشنطن لم تحرك ساكنًا
إسرائيل تقوم بحملة علاقات في أمريكا للتقليل من الخطر الأصفر مقابل التركيز على الخطر الأخضر!
اللفظ الدائر حاليًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل إزاء عقد تل أبيب صفقات ضخمة لنقل التكنولوجيا العسكرية للصين ليس جديدًا، وإنما يعود إلى مطلع الثمانينيات، ويختفي ثم يطفو على سطح الأحداث حسب الأجواء السياسية، وحجم تكلفة الصفقة وطبيعتها. لكنه اليوم يتخذ منحنى متميزًا على ضوء قرار إسرائيل تزويد الصين بتكنولوجيا نظام إنذار مبكر رادار، يمكن قواتها الجوية من استشعار المقاتلات الأمريكية المتطورة وغيرها من المقاتلات التايوانية من على بعد وهي خارج حدود الصين، وينفي الإسرائيليون أنهم زودوا الصين التي تعتبرها واشنطن خطرًا يهدد مصالحها في منطقة جنوب شرق آسيا، بأسرار تكنولوجية أمريكية متطورة، برغم تأكيد الولايات المتحدة -المزود الرئيس لإسرائيل بالآليات العسكرية- على أن تكنولوجيا «الرادار» الإسرائيلية شبيهة إلى حد التطابق بنظام الرادارات العسكرية لدى أمريكا، وفيما يستمر اللغط بين واشنطن وتل أبيب، تصر إسرائيل على المضي في تنفيذ الصفقة، لاعتبارات سياسية وعسكرية معروفة، وتطمح أن تحصد خزينتها ملايين الدولارات تشمل بيع ثماني طائرات مقاتلة تبلغ تكلفة كل واحدة منها ما لا يقل عن ١٥٠ مليون دولار.
عربيًا وإسلاميًا تسعى إسرائيل لإرسال رسالة تحذيرية لكل من إيران وباكستان والعراق وسورية عن قدراتها العسكرية الفائقة التي تضاهي في فاعليتها المعدات العسكرية الأمريكية وتنافس المنتج العسكري الأوروبي في السوق العالمية والمثير في الخطاب الأمريكي، أنه كان يكثر في مناسبات مختلفة من الحديث بحذر عن فرض عقوبات علي إسرائيل، فيما لو أمضت الصفقة، إلا أنه نظراً للعلاقة الاستراتيجية التقليدية بين الطرفين، ولقوة اللوبي الصهيوني داخل الكونجرس كان المسؤولون الأمريكيون يتراجعون فورًا عن لهجة التهديد التي تتكلم عن فرض حصار مثلًا، كما فعلت واشنطن مع أفغانستان وباكستان وإيران وليبيا، ويستبعدون تمامًا مثل هذه الإجراءات الصارمة مع دولة صديقة على مستوى إسرائيل، ونقلت بعض الصحف الإسرائيلية تصريحًا عن مسؤول أمريكي رفيع قوله: إن الإدارة الأمريكية لن تتخذ مع إسرائيل أي إجراءات صارمة كي لا تعطي انطباعًا خاطئًا للعرب أن دعم الولايات المتحدة لإسرائيل بدأ يضمر وعندما هدد نائب جمهوري في الكونجرس يتحكم في صرف جزء من الإعانة الأمريكية السنوية لإسرائيل، والتي تقدر بنحو ۲٫۸ بليون دولار، هدد بأنه قد يحبس عنها ٢٥٠ مليون دولار سارع مسؤولون في البيت الأبيض للتأكيد على أن واشنطن «لا تؤمن بجدوى هذه الوسائل في الضغط على الحكومة الإسرائيلية».
العلاقات الإسرائيلية - الصينية
بالرغم من أن العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والصين لم تبدأ رسميًا إلا في سنة ۱۹۹۲م، إلا أن علاقة تبادل تكنولوجيا المعدات العسكرية بينهما ترجع إلى سنة ۱۹۷۹م، وذلك عندما قام وفد إسرائيلي يرأسه رجل الأعمال المليونير اليهودي شاؤول أيزنبيرج بزيارة سرية إلى الصين لترويج فكرة التعامل العسكري مع تل أبيب وعلى الرغم من عدم وجود تعامل دبلوماسي بين البلدين، وذلك لخشية الصين على مصالحها مع العرب وافقت الصين سرًا على أن تتعامل عكسريًا مع إسرائيل لأسباب عدة، منها أن إسرائيل في تلك الفترة تحصلت على آخر المعدات العسكرية الغربية التي زودتها بها كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، ولا سيما بعد حرب ۱۹۷۳م، وكانت مهيأة لتزويد أي دولة تدفع أكثر بأسرار هذه المعدات العسكرية المتطورة أو تزودها بالطراز نفسه، لكن بتصنيع محلي أيضًا على اعتبار أن إسرائيل لیست عضوًا في حلف شمال الأطلسي، لم تكن تخضع لنفس محاذير نقل المعدات العسكرية والتكنولوجية للخارج لدول شيوعية مثل الصين وبالتالي كانت كجسر مرن في نقل المعلومات العسكرية الحساسة بين حلفي «وارسو» و«ناتو».
كانت إسرائيل في هذه الفترة تحتاج لدخل اقتصادي عال، مما جعلها مرنة في عملية بيع الصين معلومات تكنولوجية خام، وهو ما ترفض عمله الدول الكبرى التي تفضل بيع الدول العربية آليات عسكرية جاهزة لا أسرار تصنيعها، وضمن شروط صينية مرنة فيما يتعلق بطريقة الدفع، وهي مرونة عسكرية واقتصادية لم تكن الصين لتجد لها بديلًا بين الدول الغربية الكبرى المنتجة للأسلحة.
كانت الصين وقتئذٍ حريصة للغاية على علاقتها مع العرب ومع منظمة التحرير الفلسطينية «سابقًا» وبالتالي كانت تؤكد مرارًا لإسرائيل رغبتها في أن تظل علاقتهما العسكرية طي الكتمان، لدرجة أنها أحاطت زيارة وتحركات الوفد الإسرائيلي الذي ذهب إلى بكين بالسرية التامة، حيث كان محل إقامة الوفد في موقع عسكري خاص خارج المدينة وكان يسمح لأعضاء الوفد بالتسوق في ساعات متأخرة من الليل حفاظًا على هذه السرية، وعلى الرغم من مرور ٢٠ سنة على زيارة هذا الوفد إلا أن تفاصيل الزيارة لا تزل سرية حتى الآن أيضًا. وفي بداية الثمانينيات كانت الوفود العسكرية الإسرائيلية التي تزور الصين تدخل بكين بجوازات سفر غير إسرائيلية زودتهم بها أحيانًا حكومة الصين نفسها، وبمرور مطلع الثمانينيات تطورت العلاقات العسكرية الإسرائيلية - الصينية على الرغم من مذبحة ساحة «تيانمين» في الصين، والتي أسفرت عن تعكير العلاقات الدبلوماسية بين الصين والحكومات الغربية، لم تبال إسرائيل كثيرًا بهذه الحادثة الدموية وإنما تجاهلتها تمامًا في معادلة تعاملاتها السرية مع الصين، بل على العكس استغلت الفراغ الذي تركه الجمود في العلاقات الصينية- الغربية في تفعيل صفقاتها العسكرية وتزويد حكومة الصين القمعية بكل ما تحتاجه من معدات وأسلحة ولم يكن الموقف الإسرائيلي وعدم خضوعه للموازين الأخلاقية جديدًا في هذا المجال إذ إن إسرائيل كانت قد زودت حكومة جنوب إفريقيا العنصرية بمعدات عسكرية متطورة في وقت كان الغرب فيه يندد بممارسة العنصرية وانتهاك حقوق السود الذين يمثلون الأغلبية.
أهداف استراتيجية
عانت وزارة الدفاع الإسرائيلية طوال فترة الثمانينيات من عبء نفقاتها على التسلح العسكري وكانت بحاجة لأي فرصة تنعش اقتصادها، وتمكنها مستقبلًا من تصنيع معدات عسكرية حديثة بمساعدات أمريكية أو غير أمريكية، ولا يزال هناك طموح إسرائيلي قوي للخروج من عباءة الولايات المتحدة عسكريا، والتصرف وكأنها دولة إقليمية كبرى، لها سياسة مستقلة تؤهلها لإبرام العقود والصفقات العسكرية، وفي هذا السياق أعطت وزارة الدفاع الإسرائيلية في الثمانينيات بالتنسيق مع وزارة الخارجية والتجارة الضوء الأخضر لجميع مؤسسات تصنيع وتوريد الأسلحة العسكرية من القطاع الخاص بتفعيل علاقاتها مع الصين وتايوان والهند وأي دولة مستوردة للسلاح، كما كانت إسرائيل تسعى لتطبيع علاقاتها الدبلوماسية مع الصين بشكل علني ورسمي في أسرع وقت وذلك لتحقيق مكتسبات اقتصادية بصورة أوسع واعتقدت أن أفضل طريقة هي تشكيل لوبي إسرائيلي- صيني، داخل المؤسسة الدفاعية والعسكرية الصينية يمارس ضغوطًا ضخمة على حكومته الخيار التطبيع.
وإلى جانب المكتسبات الاقتصادية، فإن الموقف الإسرائيلي لم يخل من طموحات استراتيجية خاصة بالهيمنة على الدول العربية والإسلامية فإسرائيل كانت تطمح إلى أن يسفر تعاملها العسكري مع الصين عن الضغط على حكومة بكين لوقف تعاونها العسكري مع أعدائها في الشرق الأوسط، خاصة إيران، حيث مازالت إلى الآن هناك اتهامات أمريكية - إسرائيلية حادة لكل من الصين وروسيا بتزويد إيران بمعدات عسكرية خاصة ببرنامج طهران النووي، ويبدو أن الصين استجابت في مرحلة مبكرة، أي قبل تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين بسنوات للضغوط الإسرائيلية، حيث وعدت بكين تل أبيب في ١٩٨٦م بوقف تزويد سورية بأي معدات عسكرية وصواريخ خاصة صواريخ م-٩، وعلى الرغم من أن إسرائيل تزعم أن الصين حافظت على وعودها إلى الآن إلا أن إسرائيل كانت في كل صفقة تأخذ حذرها في عدم تزويد الصين بأي معلومات عسكرية حساسة قد تنتقل فيما بعد لأي دولة عربية أو إسلامية تتعامل عسكريًا مع الصين، وهذا السلوك المغطى بالسرية والتحفظ لا يزال إلى الآن يصيغ تعاملات إسرائيل العسكرية مع الصين.
على الرغم من وجود أزمة أمريكية - إسرائيلية حالية بسبب ملف الصين، إلا أن اتهام واشنطن لتل أبيب بنقل تكنولوجيا عسكرية متطورة إلى بكين يعود إلى مطلع الثمانينيات، حيث أكدت مؤسسات عدة عسكرية أمريكية رسمية منذ ۱۹۸۳م أن معظم صادرات إسرائيل التكنولوجية احتوت على واردات أمريكية بنسبة ٣٦٪، وأن جميع منتجات إسرائيل العسكرية من الأسلحة بها محتويات أمريكية واتهم تقرير سري آخر أعدته وكالة الاستخبارات الأمريكية «سي أي إيه» في ۱۹۹۰م بعنوان «إسرائيل وترويج تكنولوجيا استراتيجية أمريكية»، اتهم إسرائيل ببيع أسلحة تحوي أسرارًا عسكرية أمريكية لدول أخرى على رأسها الصين، وقد تسربت تفاصيل التقرير الذي اتهم تل أبيب بخرق اتفاقياتها العسكرية مع واشنطن للإعلام الأمريكي في السنة نفسها مسلطة الأضواء بقوة على منطقة غامضة من المعادلة الأمريكية – الإسرائيلية - الصينية. وقالت دراسة أمريكية مستقلة إن قيام إسرائيل بخرق اتفاقياتها مع الولايات المتحدة أضر بالمصالح التجارية والاقتصادية للولايات المتحدة وأفضى إلى تسريب معلومات سرية حساسة تخص أمنها القومي، كما أنه أضر بمعادلة توازنات القوى في منطقة آسيا، وأضافت الدراسة وثيقة الصلة بمصادر عسكرية واستخباراتية أمريكية بأن السلوك الإسرائيلي قد يسفر عن توتير العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وتل أبيب، كما أنه قد يسفر عن الإضرار بالمصالح الأمنية الإسرائيلية نفسها، وتقصد الدراسة ما تخشاه إسرائيل تمامًا من أن تنتقل أسرار صفقاتها مع الصين إلى العراق أو إيران أو سورية، وفي جلسة استماع سرية بالكونجرس، أفرج عن تفاصيلها في أكتوبر ۱۹۹۳م، اتهم مدير «سي أي إيه» وقتها جيمس ووسلي إسرائيل بتزويد الصين بتكنولوجيا عسكرية متقدمة، رفضت مصانع أمريكية تزويدها لبكين، وذلك طوال فترة الثمانينيات، وأنه بحلول عام ۱۹۸۹م، أي خلال مذبحة الميدان السماوي في بكين صارت إسرائيل أكبر مصدر للمنتجات العسكرية للصين، وظلت الاتهامات الأمريكية تتوالى، لكن من دون أن تعقبها خطوات أمريكية حاسمة نظرًا لقوة اللوبي الصهيوني ونفوذه في الكونجرس، ومع ذلك، ظل ملف الصين يشوب صفو العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وتل أبيب حتى أنه في ١٩٩٦م، طلبت واشنطن من الحكومة الإسرائيلية الجديدة تجميد تعاونها العسكري مع الصين، لكن يبدو أن إسرائيل تجاهلت الطلب الأمريكي أو خففت من خطورته عن طريق تزويد واشنطن بقائمة مفصلة من المعدات التي تبيعها للصين، ورغم ذلك لا يزال البنتاجون و«سي أي إيه» يتهمان إسرائيل بأن قوائمها لا تشمل كل ما تصدره للصين، وأن هناك قائمة سرية من الصادرات لا تريد إسرائيل أمريكا أن تتطلع عليها.
مخاوف إسرائيلية
ورغم ما يثار من آونة لأخرى من ضجة إعلامية أمريكية حول تفاصيل صفقة عسكرية بين إسرائيل والصين، إلا أن المفترض أن الولايات المتحدة وإسرائيل اعتادتا على تجاوز أي أزمات فيما بينهما، حيث تكيفتا في التعامل مع الخطوط الحمراء لديهما، فأمريكا مثلًا لا تمارس ضغوطًا مماثلة مثلًا على إسرائيل للكشف عن قدراتها النووية أو تفرض الشروط نفسها التي تفرضها على باكستان والهند من محظورات على عمليات التجريب، كما أن إسرائيل برغم قوة اللوبي الصهيوني داخل الكونجرس فشلت أكثر من مرة في الضغط على أمريكا لإطلاق سراح جاسوسها «جونثان بولارد» تجاريًا أيضًا، ترتبط القطاعات العسكرية الخاصة في واشنطن بصفقات تجارية ضخمة مع القوات الإسرائيلية تشمل تصنيع طائرات وصواريخ وأنظمة تجسس بالأقمار الصناعية المتطورة بصورة تجعل خيار التضحية بالورقة الإسرائيلية كلية خيارًا خاسرًا أما بالنسبة لما يقلق إسرائيل فهو أن تستفز غضبة واشنطن بمبيعاتها المتطورة إلى الصين وتسعى إسرائيل في الوقت الحالي إلى محاربة مفهوم أمريكا عن الخطر الأصفر أو الخطر الصيني مقابل تركيزها على الخطر الأخضر، أو الخطر الإسلامي، وذلك لمنع تسليح هذه الدول وإفساح المجال الإسرائيل لتسليح الصين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل