; تونس.. الحريات الدينية تصارع من أجل البقاء | مجلة المجتمع

العنوان تونس.. الحريات الدينية تصارع من أجل البقاء

الكاتب عبدالباقي خليفة

تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-2015

مشاهدات 56

نشر في العدد 2087

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 01-سبتمبر-2015

غياب الإطار الديني الصحيح وراء تفشي ظاهرة العنف المسلح والإرهاب

الأفكار العلمانية المعادية للدين أفرزت نوعين من الشباب أحدهما لجأ للمخدرات والسلبية والآخر حمل السلاح

سلطات تونس أغلقت 42 مسجداً ومنعت صلاة التهجد والاعتكاف في رمضان

المنظمة التونسية للشغل هددت بتنظيم وقفة احتجاجية رداً على تقييد الحريات الدينية حتى لو وصل الأمر للصدام مع قوات الأمن

يبدو أن السفينة التونسية ورغم مرور نحو 5 سنوات على اندلاع الثورة (17 ديسمبر2010/ 14 يناير 2011م) لم ترسُ على شاطئ الاستقرار بعد، وذلك بسبب محاولات الحرس القديم استعادة هيمنته على الساحة سياسياً، وإعلامياً، وثقافياً، وعلى كافة المستويات. 

حيث لا تزال التجاذبات مستمرة، بل تزداد ضراوة مع استفحال الأزمة الاقتصادية، ووصول المديونية إلى أرقام قياسية غير مسبوقة (84% من الناتج المحلي)، واتساع دائرة العنف المسلح وتنوعها، وتواصل محاولات فرض نمط مجتمعي على البلاد رغم ثبوت فشله من خلال النتائج المدمرة التي أفضى إليها، ومنها ارتفاع معدل البطالة (18%) في أوساط الخريجين، وازدياد نسب تعاطي المخدرات والمسكرات بين الشباب، وتضاعف نسب الطلاق، وفي الوقت نفسه العنوسة، وتعاقب أجيال ضحلة التحصيل المعرفي، بعد سياسة تجفيف الينابيع، فاستبدلت سكرة الحلاج، رداً على بطش الحجاج، برفع الكلاشنكوف في وجه من رأته "جينكيز خان العصر"، حسب أدبيات معروفة في هذا السياق.

العنف والتجاذبات

أسباب كثيرة، وراء تفشي ظاهرة العنف المسلح أو الإرهاب، لعل أهمها ضعف أو غياب الإطار الديني الصحيح، لدى كثير من الشباب، ونشر البعض من العلمانيين أفكاراً منافية للدين ومضادة له بل معادية ومعلنة ذلك العداء، وقد أفرز ذلك نوعين من الشباب؛ أحدهما لجأ للمخدرات والسلبية والضياع، وفي أحسن الحالات يعيش لنفسه وحسب، ونوعاً آخر حمل السلاح رداً على ما يراه مخالفاً للدين ومحارباً له، ومع تلقي المعرفة الدينية عبر الإنترنت ومن جهات خارج تونس لها قراءتها للواقع وكيفية التعامل معه، تفاقمت هذه الظواهر، ولم تسلم هذه الظواهر من توظيف، ولم تخلُ من تجاذبات؛ حيث استغلتها بعض الأطراف العلمانية للدفع باتجاه التضييق على الحريات الدينية، لاسيما بعد جريمة مقتل السياح في سوسة نهاية يونيو الماضي.

وبحكم تأثير العلمانيين على البعض في مؤسسات الدولة المختلفة، فقد تم إغلاق 42 مسجداً، وعزل عدد من الأئمة والخطباء، من بينهم ثلاثة من كبار الدعاة في تونس، هم: الوزير الأسبق للشؤون الدينية د. نور الدين الخادمي، والشيخ البشير بن حسن، والشيخ رضا الجوادي، وجميعهم من أصحاب الفكر الوسطي، الذي لا يشك في علمهم ووسطيتهم، وفهمهم للواقع، واعتمادهم مقاربات مقاصدية نظراً للوضع الراهن الذي تعيشه تونس، ليس ذلك فحسب بل تم منع المصلين في رمضان من أداء صلاة التهجد وأداء سُنة الاعتكاف بالمساجد، ومنع أداء صلاة العيد بالمصليات والساحات العامة بخلاف ما دأب عليه المسلمون في شتى أصقاع العالم، وفق ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

كما تم منع دروس دينية بمساجد، وخرق الاتفاق الموقَّع بين نقابة الأئمة والوزير بتاريخ 15 أبريل الماضي، وهو ما بدا للكثيرين عودة إلى سياسة العهد الاستبدادي البائد، والعودة لسياسة التدخل الأمني في شؤون المساجد، من خلال مطالبة المسؤولين الدينيين (الوعاظ) بكتابة تقارير أمنية دورية حول الأئمة والخطباء، فضلاً عن عزل كثير من الخطباء؛ وهو ما آثار حالة من القلق داخل المجتمع، الذي لا تزال آثار السياسات القمعية تلقي بظلالها على ذاكرته الجماعية. 

ردود الأفعال

وقد مثلت هذه الإجراءات وهذه الممارسات التي تعد مساساً خطيراً بالحريات العامة والحرية الدينية خاصة، رافداً جديداً لحالة الاحتقان والتوتر والغضب الشديد في المجتمع، لاسيما المناطق التي شهدت اعتداءات، وداخل أوساط المجلس النقابي الوطني لأئمة المساجد، الذي بادر بالتوجه إلى رئاسة الدولة، ورئاسة الحكومة، ورئاسة مجلس نواب الشعب (البرلمان) بعدد من الرسائل ضمنها بعض المطالب، ومن أهمها: العزل الفوري لوزير الشؤون الدينية عثمان بطيخ، باعتباره خطراً كبيراً على السلم الأهلي، وفق ما جاء في بيان للمجلس، حصلت "المجتمع" على نسخة منه، وإعادة الفتح الفوري للمساجد التي تم إغلاقها، وتسوية الأوضاع الإدارية المتعلقة بتلك المساجد، وإرجاع الأئمة المعزولين منذ شهر رمضان الماضي إلى سالف نشاطهم، ووقف العمل بقانون المساجد لسنة 1988م لتعارضه مع الدستور الحالي، ولمساسه بالحريات العامة. 

وكذلك التعجيل بتكوين لجنة مشتركة بين الوزارة والمجلس النقابي لدراسة تفعيل الاتفاقات المبرمة، وضبط دور الوعاظ في إدارة الشأن الديني، والقطع مع الممارسات الاستبدادية السابقة، وفك الارتباط بين وزارة الشؤون الدينية، ووزارة الداخلية في تعيين الموظفين في المساجد ومراقبتهم، والتنفيذ الفوري لكافة بنود الاتفاق المبرم مع وزارة الشؤون الدينية في 15 أبريل 2015م، وأيضاً وضع معايير واضحة لانتداب الموظفين بالمساجد تراعي الكفاءة لا الولاء السياسي، وتسوية الأوضاع الإدارية لكل الموظفين الناجحين في الاختبارات.

وكان المجلس النقابي الوطني لأئمة المساجد قد وقع اتفاقات مع وزير الشؤون الدينية الحالي عثمان بطيخ، يقضي بعدم المساس بأي حرية من الحريات الدينية المكتسبة بعد الثورة، وإعادة تكليف الأئمة المعزولين تعسفياً إذا أعربوا عن استعدادهم والتزامهم باحترام القانون، والمبادرة بتسوية أوضاع المساجد بما يوافق القانون بدلاً من إغلاقها، وتكليف الأئمة والخطباء الذين نجحوا في الاختبارات المنظمة عن طريق هياكل الوزارة وإدارتها، ومشاركة المجلس الوطني النقابي الوطني للأئمة في اللجان الوطنية والجهوية والمحلية المتعلقة بالاختبارات وتعيين الأئمة أو عزلهم، وفي مجالس التأديب واللجان القانونية المتعلقة باقتراح القوانين والتشريعات.

وأيضاً المرونة في فتح المساجد عند تحمل الإمام لمسؤوليته في حماية بيت الله من كل مخالفة للقانون أو ما له علاقة بالعنف والإرهاب والتطرف، والسماح بتنظيم سُنة الاعتكاف بالمساجد بالتنسيق مع السلطة الجهوية وممثلي وزارة الشؤون الدينية، وتنظيم صلاة العيد بالمصليات بما يضمن احترام القانون وعدم غلق أي مسجد لمن يريد الالتحاق بالمصليات.

وقد وافق على الاتفاق، الذي حصلت "المجتمع" على نسخة منه، كل من وزير الشؤون الدينية عثمان بطيخ، والكاتب العام للمجلس النقابي الوطني للأئمة وإطارات المساجد الشيخ شهاب الدين تليش، وبدا ذلك الاتفاق مهماً على صعيد الانفراج، وتجنيب البلاد المزيد من القلاقل التي تسبب فيها، ما يوصفون بجماعة "النمط"؛ وهم الذين يكثرون من الحديث عن نمط يودون تكريسه في تونس، منذ أكثر من ستة عقود رغم كل الكوارث التي حلت بالبلاد بسبب ذلك ونتيجة له. 

خيارات مفتوحة

لكن لم يتم احترام الاتفاق المبرم؛ نظراً لوجود ضغوط على الوزير من جهات علمانية، وأخرى في السلطة، مما حدا بالمنظمة التونسية للشغل، التي ينضوي تحتها المجلس النقابي الوطني للأئمة إلى طلب لقاء مع رئيس مجلس نواب الشعب، ووزير الشؤون الدينية، ورئيس الحكومة، وقد تمت مقابلة رئيس مجلس نواب الشعب، ورئيس الحكومة، ووعدا بحل الإشكاليات، إلا أن وزير الشؤون الدينية تهرب من لقاء وفد المنظمة التونسية للشغل، الذي استعاض عن تنظيم وقفة احتجاجية يوم 5 أغسطس 2015م بمثل تلك اللقاءات؛ نظراً لحالة الطوارئ التي أعلن عنها رئيس الجمهورية.

وبعد تهرب وزير الشؤون الدينية من لقاء وفد المنظمة النقابية، قررت المنظمة في مؤتمر صحفي، حضرته "المجتمع"، يوم 6 أغسطس 2015م ما يلي: النضال المستمر بالطرق القانونية والسلمية لنصرة الحقوق المشروعة للأئمة، ومواصلة العمل للمحافظة على استقلالية الخطاب الديني عن التسلط الحزبي والوصاية الأيديولوجية، ورفع شكوى إلى منظمة العمل الدولية ضد الحكومة التونسية رداً على الطرد التعسفي للأئمة والموظفين بالمساجد المنخرطين بالمنظمة التونسية للشغل، والتقدم بشكوى إلى المفوضية العليا لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة. 

وهددت المنظمة - كما أكد رئيسها الأسعد عبيد - بتحدي الطوارئ المعلنة، وتنظيم وقفة احتجاجية بميدان القصبة الشهير، مهما كانت النتائج حتى لو وصلت إلى حد الصدام مع قوات الأمن. 

ويتساءل كثيرون عما إذا كان وزير الشؤون الدينية عثمان بطيخ هو المسؤول عن التوتر المتصاعد مع الأئمة ونقابتهم والمنظمة المنضوين تحتها، والرأي العام المساند لهم، وانعكاسات ذلك على الوضع العام في البلاد، والذي يحتاج للتهدئة والتوافق وحل الإشكالات بالحوار والحجة والمنطق، أم أن هناك جهات أخرى تتحكم بالوزير وحكومة حبيب الصيد، ووزارات الدولة الأخرى، ولاسيما الداخلية، والتعليم، والثقافة، والطفولة والمرأة؟

الرابط المختصر :