العنوان قراءة تحليلية من مواقع هدامة- الحرب الإلكترونية ضد الإسلام
الكاتب ميرا الديب
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1998
مشاهدات 68
نشر في العدد 1309
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 21-يوليو-1998
مواقع تحمل أسماء إسلامية لكنها تدس مفتريات ضد الإسلام
ومواقع تتخصص في إنكار الحديث النبوي وتتلاعب في آيات القرآن
تتخذ الحرب ضد الإسلام في شبكة الإنترنت أشكالًا عديدة، ويعجب المتبحر في هذه الشبكة من الجهد المنظم الذي تتبناه الكثير من الهيئات، بل ويبذله بعض الأشخاص بصورة فردية في معركة ضروس، يكشر فيها الكثير عن أنيابهم محاولين إلحاق كل ما يمكن إلحاقه من أذى للفريسة... وصدق الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف: 8).
فبين الحين والآخر تظهر مواقع وصفحات إلكترونية تهاجم الإسلام، وعادة ما يكون ذلك بشكل من الأشكال التالية: إما أن يتخذ الموقع أسلوب الحوار المنطقي، وفي هذه الحالة عادة ما يكون القائمون على الموقع قد قاموا بدراسة للشريعة والقرآن الكريم، والتي تكون في معظم الأحيان دراسة سطحية، تهدف في الأساس إلى إيجاد الثغرات، وهذا النوع من المواقع هو أهم المواقع المعادية للإسلام، وأقواها في التأثير على من ليس لديه العلم الكافي بالدين الإسلامي واللغة العربية، فيكون بذلك صيدًا سهلًا لمثل هذه المواقع، وهنا تظهر الحاجة الماسة إلى دور العلماء المسلمين في الرد على الحجج والبراهين التي تتضمنها هذه المواقع، وبخاصة أنها عادة ما تكون متعلقة بأصول الشريعة التي يقوم عليها الإسلام.
كما نجد على شبكة الإنترنت نوعًا آخر من المواقع التي تتخذ في سبيل حرب الإسلام أساليب رخيصة غير منهجية، ومثل تلك المواقع هي ما يطلق عليها اصطلاح Hate Filled Sites أو المواقع التي يغلب عليها طابع الكراهية، في هذه المواقع تكون نبرة الكراهية والحقد على الإسلام والمسلمين شديدة الوضوح والحدة، ونجد أن أصحابها يصوبون الاتهامات للإسلام من كل جهة، وعادة ما يحشدونها بموضوعات كثيرة متفرقة، لا يربطها سوى فكرة واحدة هي الطعن في الإسلام وتشويه صورته، الأمر الذي قد يصل في بعض المواقع والصفحات إلى حد السب والإساءة للمسلمين ولكتاب الله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولا تتورع مثل تلك المواقع أن تعرض صورًا مسيئة للمسلمين والكتاب الكريم ولشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم.
أو قد نجد نوعًا آخر من الحرب ضد الإسلام يتسم باللؤم والالتواء، حيث يقوم البعض بإنشاء مواقع تحمل أسماء إسلامية، وتتخذ نفس الشكل العام الذي تتخذه المواقع والصفحات الإسلامية لجذب الباحثين عن معلومات في الشريعة الإسلامية، أو الراغبين في التعرف على الإسلام، ويقوم أصحاب تلك المواقع بدس معلومات خاطئة عن الإسلام، بل إنهم لا يتورعون عن اللعب في آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية بقصد التضليل وتشويه الشريعة.
هذا بخلاف المواقع الإسلامية العديدة على شبكة الإنترنت التي ينتمي أصحابها إلى مذاهب فكرية شتى، قد تشذ في كثير من الأحيان عن منهج الإسلام، مشكلة بذلك نوعًا آخر من الحرب الداخلية ضد الإسلام.
مواقع تتحدى بالمنطق:
عندما يقوم غير المسلم بجولة في الإنترنت بهدف التعرف على الأديان والمقارنة بينها، فإن هذا النوع من المواقع يكون له الحظ الأوفر في هذه الجولة، ولذا فإن من الضرورة أن تحظى مثل تلك المواقع باهتمام كبير من العلماء والمتخصصين المسلمين، وبخاصة أن هذه المواقع تتبع أسلوب الحوار الموضوعي، والمناقشات المنطقية القائمة على الحجج والبراهين، وهذا هو جوهر روح الإسلام الذي علمنا إياه الخالق- جل وعلا- في كتابه الكريم، وعلمنا إياه المصطفى صلى الله عليه وسلم.
اهتم النصارى خصوصًا في الآونة الأخيرة بإنشاء مواقع تناقش دين الإسلام بصورة تحليلية، وقد كرسوا لذلك جهودًا جبارة بدءًا بالعناية بدراسة الدين الإسلامي والقرآن الكريم، ثم محاولة سد الثغرات، وإيجاد الأجوبة المناسبة للنقاط التي عادة ما تؤخذ ضد النصرانية، ثم إيجاد المراجع والكتب الملائمة التي يتم إدراجها في مواقعهم، ثم بالطبع لم يغفلوا أهمية إخراج صفحاتهم الإلكترونية بشكل جذاب وأسلوب منمق.
«ردود نصرانية على الإسلام» هو أحد تلك المواقع الموجودة على شبكة الإنترنت، والتي حملت على عاتقها مهمة الإجابة عن تحديات الإسلام، أو هكذا قال أصحابها في مقدمة تعريفهم بأنفسهم!! تبدأ الصفحة الرئيسة في هذا الموقع بآية من القرآن الكريم حيث يقول تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: 111)، وفي مقابل الآية كتب «کن دائمًا على استعداد أن تعطى الإجابة لكل من يسأل عن سبب أمانيك، ولكن افعل ذلك برفق واحترام» «الإنجيل- بطرس 3:١٥»، ثم يتلو ذلك قائمة طويلة بالمناقشات والموضوعات التي تضمنها الموقع، والتي تنوعت ما بين موضوعات تناقش النصرانية، وتحاول الرد على الأمور التي وصفها أصحاب ذلك الموقع بأنها ادعاءات باطلة تنم عن فهم خاطئ للنصرانية، وما بين موضوعات تناقش الإسلام أو القرآن الكريم على وجه التحديد، وقد لفت نظري- على وجه الخصوص- باب خصص فقط لمناقشة «هل القرآن معجزة؟»، وطبعًا لما لهذا الموضوع من أهمية أساسية في الإسلام، إذ إن كل من يحاول الطعن في الإسلام يعلم أن صدق نبوة رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم يعتمد بالدرجة الأولى على معجزته، ألا وهي القرآن الكريم، لذا فإن إعجاز القرآن هو دائمًا المحور الرئيس الذي تدور حوله مثل تلك المناقشات، ولهذا فقد منحه أصحاب هذا الموقع العناية الفائقة، وخصصوا له بابًا يحاولون فيه إثبات أن بلاغة القرآن الكريم ليست إعجازية، فهم تارة يستندون إلى آراء نسبوها إلى بعض المفكرين والشعراء العرب التي تطعن في بلاغة القرآن، وتارة يجعلون من بلاغة بعض الشعراء منافسًا لبلاغة القرآن، ثم يقيمون حججًا يحاولون من خلالها إثبات أن بعض السور القرآنية لم تكن أصلًا موجودة في القرآن، بل إنهم قد استعانوا ببعض الأحاديث الصحيحة لإثبات ذلك، وفي معرض ذكرهم للتحدي الوارد في القرآن الكريم بالإتيان بسورة مثل القرآن قاموا بمناقشة بعض المحاولات القديمة على مر التاريخ الإسلامي، وكذلك المحاولات التي ظهرت حديثًا للإتيان بسورة مثل القرآن، والتي كان آخرها الصفحة الإلكترونية التي قام صاحبها بمحاولة لمحاكاة القرآن، وبالطبع يستطيع كل من قرأ هذه السور غير القرآنية، أن يتخيل مستوى السطحية والضحالة التي يريد صاحبها بها منافسة الإعجاز البلاغي للقرآن!!
وفي الموقع باب آخر خصص للطعن في شخصية الداعية المعروف أحمد ديدات، الذي قام بمناظرة أسماء بارزة، وكان سببًا في تحول الكثيرين من النصرانية إلى الإسلام.. وغير ذلك من الأبواب التي لا يتسع المقام لذكرها أو مناقشتها، وإنما يمكن القول إن موقعًا كهذا يستحق من علمائنا وقفة متأنية.
الحرب الداخلية ضد الإسلام!
ومن المواقع التي أثارت فتنة كبيرة لفترة لیست ببعيدة في الإنترنت، موقع إسلامي يطلق عليه اسم Submission وهي الترجمة الإنجليزية الحرفية لكلمة «إسلام»، أصحاب هذا الموقع ينكرون السنة والأحاديث النبوية بأكملها، ويدعون أن القرآن وحده هو المرجع الوحيد الشريعة الإسلامية، وهم يطلقون على متبعي الحديث كمصدر ثان للشريعة لفظ «المسلمون التقليديون»، بالطبع لم يكن أمر هؤلاء جديدًا في تاريخ الإسلام، إلا أن هذه الجماعة لها جهد منظم تقوم عليه مجموعة من الأفراد، لا يكتفون فقط بنشر أفكارهم في موقعهم الإلكتروني، وإنما يحرصون على التواجد الدائم في جميع المواقع الإسلامية الأخرى، التي توفر خدمة غرف الـ Chatting أو المحادثة... وقد كانوا يترصدون لزائري هذه الغرف، وبخاصة المسلمين الجدد الذين ليس لهم دراية باللغة العربية ولغة القرآن، وإن دعوتهم لتبدو براقة من الخارج تجذب- على الأخص- من ترك النصرانية المحرفة وتحول إلى الإسلام، فهم يستخدمون شيئًا من الحق يثبتون به كثيرًا من الباطل، وأكثر ما يمكن ملاحظته في أسلوبهم في الدعوة إلى مذهبهم هو تلاعبهم بألفاظ القرآن الكريم بصورة تخدم أهدافهم وتخدع- إلى حد ما- من ليس له دراية باللغة العربية، فهم- على سبيل المثال لا الحصر- يذكرون الترجمة الإنجليزية للآية القرآنية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (لقمان: 6)، فيترجمون جميع الألفاظ في الآية السابقة إلى اللغة الإنجليزية ما عدا كلمة الحديث التي يكتبونها بالإنجليزية كما هي وهذا المصطلح الإنجليزي Hadith يشير «بالنسبة إلى غير العارفين باللغة العربية» إلى أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم فيظن القارئ أن المقصود في الآية الكريمة من «لهو الحديث» الذي يضل عن سبيل الله هو الحديث النبوي!!
وفي موقعهم الإلكتروني يذكرون في بداية الصفحة أنهم أفضل مرجع للإسلام على شبكة الاتصالات العالمية، يتلوه شعار «لا إله إلا الله»!! فهم كما ذكروا في تعريفهم بأنفسهم لا يعبدون إلا الله وحده، ويتبعون دين آدم ونوح وإبراهيم، الذي هو دين كل الرسل بما فيهم محمد صلى الله عليه وسلم، وقد قاموا بترجمة الموقع إلى لغات عالمية كثيرة هي: التركية، والصينية، والفرنسية، والسويدية، والإسبانية، واليابانية، والروسية، إضافة إلى الإنجليزية، وقد ضمنوا في موقعهم الكثير من الموضوعات التي يحاولون بها استخراج الأدلة من القرآن ذاته على أنه المصدر الوحيد للشريعة، إضافة إلى الاتهامات الكثيرة التي يوجهونها إلى رواة الحديث، وإذا قرأت قرآنهم، يدهشك مثلًا أن سورة التوبة «السورة رقم9 في القرآن» تنتهي بالآية رقم ۱۳۷، فهم قد حذفوا الآيتين الأخيرتين في سورة التوبة؛ لادعائهم بأنهما مدسوستان، ويقومون بإثبات ذلك ببعض الحسابات الرقمية التي قام باكتشافها بعض الأفراد على أنها من أحد المعجزات الرقمية للقرآن!!
مواقع يغلب عليها طابع الحقد والكراهية:
من المواقع التي يمكن القول إنها تنم عن كراهية وحقد شديدين للإسلام والمسلمين موقع يحمل عنوان «الإسلام مفضوح على مستوى العالم»!! هذا الموقع صمم بصورة كتيبة لخدمة أغراضه!! تحت العنوان توجد صورة لمسجد «محمد علي» في القاهرة، وصورة لمسجد «أمة الإسلام» في شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية، ثم الترجمة الإنجليزية لكلمات سورة الفاتحة «أول كلمات يصادفها من يريد التعرف على الإسلام حين يقوم بقراءة نسخة مترجمة من القرآن الكريم»!! ثم عناوين الموضوعات التي تضمنها الموقع، والتي تحتوي على أباطيل لا حصر لها عن الإسلام، تصور المسلمين في صورة قتلة وإرهابيين، وأكاذيب عن النبي الكريم محمد- صلى الله عليه وسلم- بل وعن الذات الإلهية!! ففي أحد المواضيع مثلًا والذي يحمل عنوان «ليس الله رحيمًا»، «سبحانه وتعالى عما يصفون»، نجد في يسار الشاشة صورة لافتة لسيف يتحرك!! ويتضمن الموضوع ذكرًا للمذابح في الجزائر وغيرها... وتنتهي الصفحة الرئيسة في الموقع بصورة للكعبة الشريفة في مكة المكرمة يتبعها في أسفل الصفحة التعليق التالي: «إن الإسلام كتيب للغاية، ولذلك فإننا أضفنا في نهاية هذه الصفحة زرًا لتضغط عليه، وتتخلص من هذه الأخبار السيئة، نرجو ألا تستغرق وقتًا طويلًا في قراءة مثل تلك الموضوعات دون الفرار إلى الأخبار المبهجة، لأجل قضاء وقت أكثر سعادة وانتعاشًا»!!
ومثل هذه المواقع كثير جدًا في الإنترنت، وأصحابها عادة لا يهدفون إلى النقاش أو الحوار الموضوعي، وإنما جل ما يكون التركيز عليه في مثل هذه الصفحات هو التأثير على القارئ بشتى الوسائل لمنحه انطباعًا سيئًا عن الإسلام والمسلمين.
وقد لفت نظري تعليق في موقع آخر مشابه، يقول صاحبه: «لماذا الإسلام بهذا التعصب؟ ولماذا يضطهد المسلمون بقسوة هؤلاء الذين يتركون الإسلام؟ الجواب هو أن الإسلام بعكس الأديان الأخرى لا يسمح بالحوار المفتوح، المسلمون غير مسموح لهم بمناقشة الإسلام، إنهم فقط مطالبون بتقبله، وأيما مسلم ساورته الشكوك بشأن دينه، فإنه يعتبر مرتدًا، المرتدون عن الإسلام يضطهدون، ليس بسبب الديانة التي تحولوا إليها، وإنما بسبب الديانة التي تركوها، إنهم يقدمون أمام المحاكم الشرعية ويتهمون «بالارتداد عن الإسلام»، لماذا يقوم الإسلام بخنق كل محاولة للمناظرة والحوار المفتوح؟ إن الإجابة الوحيدة المحتملة هي أنهم لديهم أشياء يخفونها، ويخافون أنه إن تم معرفتها؛ فإن ذلك سيؤدي إلى الانهيار التام للنظام الإسلامي»!!
صراحة، بقدر ما في هذه العبارات من افتراء واضح على دين عرف من دون الديانات الأخرى بالتحدي والمبادرة إلى فتح أبواب المناظرة والحوار، بالرغم من هذه الافتراءات إلا أني لم أتمالك نفسي من هذا الضحك! فقد كان صاحبه يحاول ممارسة نوع من الإسقاط بصورة مكشوفة جدًا!!
وعلى أي حال فإنه بالرغم من هذه الأكاذيب التي يختلقها أعداء الإسلام، فإننا نحن المسلمين كثيرًا ما نعطى الفرصة لهؤلاء وغيرهم لتشويه صورة الإسلام، ووضعه في صورة الدين المتعصب الذي يحارب المناقشة والحوار، حين نتصرف بعاطفية شديدة مستدرجين إلى الحيل الرخيصة التي تثير فينا- عمدًا- مشاعر الغيرة على ديننا، فتنسى الجماهير المسلمة مع غضبها أن المعركة مع أعداء دين الله تحتاج إلى قدر كبير من الذكاء والفطنة وبعد النظر، وتنسى أن هناك وقتًا للغضب، ووقتًا يكون فيه من الحكمة أن تعرض عن الجاهلين، ووقتًا للحوار والمناقشة وتفنيد الحجج بهدوء وابتسامة واثقة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل