العنوان الافتتاحية .. الضغوط الإسرائيلية – الأمريكية على سورية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-مايو-1997
مشاهدات 74
نشر في العدد 1250
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 20-مايو-1997
حرصت إسرائيل دائمًا على أن تتم مفاوضاتها مع الأطراف العربية بشكل ثنائي، فقد نجحت في عزل مصر عن الأمة العربية والإسلامية عبر معاهدة كامب ديفيد، ثم أصرت على العمل بتلك السياسة منذ مؤتمر مدريد عام ۱۹۹۱م، وللأسف فقد نجحت إسرائيل بهذه السياسة في تفكيك آليات ودعائم الموقف العربي الموحد تجاه القضية الفلسطينية ومستقبل الشعب الفلسطيني، الأمر الذي جعل من السهل تهميش القضية وتفريغها من مضامينها الجوهرية، لتتحول في النهاية وكأنها مجرد اختلافات رأي وتباين مواقف مع بعض الأطراف العربية، قد تحتاج للتغلب عليها إلى وجود طرف ثالث كالولايات المتحدة يلعب دور الوسيط بين الأطراف المتنازعة.
وقد عولت إسرائيل بالكلية على الدور الأمريكي في تذليل العقبات التي يمكن أن تعمل على تعطيل مسار دولاب التسوية بالطريقة التي يتطلع إليها اليهود والحكومة الإسرائيلية.
اعتمدت إسرائيل سياسة «التفاوض الثنائي»، لتركيز جهودها على جبهة واحدة في وقت واحد، بحيث تضع كل نقلها السياسي والعسكري والإعلامي على محور واحد وتعمل بكافة الطرق على تهميش أو تأجيل العمل على باقي مسارات التسوية الأخرى.
بدأت إسرائيل أولًا بتحجيم الساحة الفلسطينية بحيث جعلت وفدها يتحرك في ظل وفد عربي آخر، ولما شعرت إسرائيل بتهافت القيادة الفلسطينية وضحالة طرحها خلال المحادثات السرية التي جرت بينهما في أوسلو لم تجد حرجًا فيما بعد في التعامل معها ككيان مستقل -ظاهريًا- لكنها في حقيقة أمرها تابعة وعاجزة، لا يمكنها فعل شيء دون الرجوع إلى أطراف عربية أخرى للمشاورة والتنسيق وهي أطراف لا تجد إسرائيل عبئًا كبيرًا في التفاهم معها.
إن إسرائيل قد عولت كثيرًا على الدعم الأمريكي لها وركنت إلى ضمانة تأييد إدارة الرئيس بيل كلينتون لها لذلك استطاعت النجاح في تحريك عجلة التسوية على المسار الفلسطيني، لأن السيد ياسر عرفات جعل من مصر مرجعيته في أي قرار يتخذه، وحيث إن لمصر مصلحة واضحة من استمرار عملية التسوية نجدها تتدخل باستمرار «للتوفيق» بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وعبر المفاوضات العسيرة والمعقدة -التي يتقنها الجانب الإسرائيلي- دخلت عملية التسوية في دهاليز وممرات حتى أن سقف الاستحقاقات الفلسطينية لم يعد يشكل خطرًا على إسرائيل وأصبح بإمكان نتنياهو أن يتلاعب بهذا السقف أو يهدمه دون أن يخشى توقف العملية السلمية.
لقد كان مجيء نتنياهو للحكم في إسرائيل صدمة كبيرة لبعض النظم العربية، حيث إن تشدده وصلافته شكلًا حرجًا جارحًا للكثير منها، وكشفت بشكل فاضح حقيقة التواطؤ الأمريكي مع إسرائيل، برغم سياساتها العدوانية وتجاوزاتها لما تم الاتفاق عليه في أوسلو وواشنطن والقاهرة، ولكن إسرائيل تعلم أن مواقف الحكومات العربية المتشددة لن تلبث أن تلين وهي تعلم جيدًا مفاتيح هذه المواقف، وكيفية التأثير عليها.
والآن نأتي لقراءة توجهات ومخططات حكومة نتنياهو لجر سورية للرضوخ إلى تقبل الرؤية الإسرائيلية للتسوية وحل مشكلة الجولان، تلك الرؤية التي تتطلع إلى إبقاء الهضبة منطقة منزوعة السلاح تتحكم فيها أجهزة الرصد والمراقبة الأمنية الإسرائيلية مع حضور أمريكي محدود.
بدون شك فإن إسرائيل قد فرغت من عقد اتفاق تسوية مع الأردن وقبله مع مصر، ونجحت في احتواء السلطة الفلسطينية وإخضاعها لها، فإن العقبة الأخيرة والأهم - الآن - هي سورية، حيث إن لبنان ليس أكثر من إشكالية جزئية سوف تنتهي حال التوصل إلى توقيع اتفاق مع سورية، ولقد حاولت حكومة نتنياهو قبل عدة شهور فصل الأجندة السياسية للبنان عن سورية بطرحها لمبادرة لبنان أولًا، إلا أن المبادرة أعادت للذاكرة الإسرائيلية ضرورة التفكير بمخرج آخر للأزمة والبحث عن سبيل جديد لإنهائها.. من هنا بدأ التركيز إعلاميًا - لتصعيد أجواء التوتر وخلق أسباب تسوق لشن حرب مع سورية تحت ذريعة ارتباطها بإيران ورعايتها للإرهاب، وكل هذا يهدف لإلحاق أكبر ضرر بالاقتصاد السوري وإمكانيات البلاد العسكرية، ليسهل بعد ذلك إخضاع سورية للضغوط، ومن المؤسف أن الظروف الآن - محليًا ودوليًا - مواتية أكثر من أي وقت مضى، فالتشرذم والخلاف بين الأنظمة العربية ما زالا قائمين وخضوع المنطقة للنفوذ الأمريكي يجعلها عاجزة عن القيام بأي فعل لتحدي إسرائيل ومواجهة تعدياتها المتكررة على الحق والكرامة العربيتين، إن إسرائيل تحاول الآن توظيف ورقة «الإرهاب» والعلاقة السورية - الإيرانية، والأسلحة الكيماوية، وتطوير الصواريخ لتحريض الرأي العام العالمي، بدعوى أن سورية تقف في خندق إيران في دعمها للإرهاب وعدائها للغرب وإن طبيعة التحالف السوري - الإيراني هو لدعم الإرهاب وتهديد مصالح الغرب.
إن إسرائيل تعي بأن الظروف على الساحتين العربية والدولية تعمل لصالحها، وتظهر أن بإمكانها الآن تحقيق حلمها بجر سورية إلى «السلام الذليل» معها، مستغلة توتر علاقات سورية مع جارتها تركيا حول المياه والأكراد ومستفيدة من الاتفاقيات العسكرية التي تم توقيعها بين إسرائيل والمؤسسة العسكرية التركية بما يستطلق يد إسرائيل للتجسس على سورية ومراقبة تحركاتها العسكرية.
إن العدو يؤمل من وراء تلك الضغوط وفي ظل استمرار حالة التشرذم وعدم المبالاة العربية أن ترضى سورية بما تقدمه إسرائيل وأمريكا لها من مقترحات حول كيفية حل مشكلة هضبة الجولان وإقرار التسوية على طريقة المغلوب على أمره بكل ما يحمله ذلك من ظلم وغبن لسورية.
وستظل أمريكا -المكرسة جهودها لتحقيق الرغبات الإسرائيلية- تعمل في اتجاه تطويع المواقف العربية ومنع قيام تفاهم عربي.
والخلاص من ذلك بدعم الشعب الفلسطيني وجهاده وتحريك الشعوب العربية والإسلامية لتغيير سياسات الحكومات بما يضمن رد الحقوق المغتصبة .