; المجتمع التربوي (1091) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1091)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-مارس-1994

مشاهدات 103

نشر في العدد 1091

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 08-مارس-1994

وقفة تربوية: اختفاء الدعاة

يتعجب المرء من اختفاء الدعاة تمامًا من بعض المؤسسات ذات التأثير الكبير في المجتمع، وتركزهم في المؤسسات التي لا يوجد فيها الجهد الكبير في تبليغ الدعوة، مثل المساجد والجمعيات الإسلامية ولجان الخير، والكليات الشرعية، وغيرها من الأماكن التي يغلب عليها الطابع الإسلامي، ويطغى على مظاهرها سمت الالتزام الشرعي وكل ذلك محبب للنفس؛ لأن النفس من طبعها تجفل من التعب والجهد، وتؤثر الراحة.

فإذا ما خاطبت بعض أولئك الدعاة عن سبب اختفائهم عن المؤسسات الإعلامية، كالصحافة والتلفزيون والإذاعة، ووكالات الأنباء، قال لك إن تلك الأماكن مليئة بالفتن وأنا أخشى على نفسي من الفتن، ولنا أن نتصور لو كان هذا الجواب لكل الدعاة المختفين عن تلك الساحات، كم من الخسارة ستجنيها الدعوة، وكم من التأثير سوف نفقده، بينما يتربع هناك خصوم الدعوة إلى الله يؤثرون في الملايين عن طريق الأغنية، والمسلسلة، والتمثيلية، والبرنامج، والتعليق، واللقطة، بينما يصر دعاتنا على التغيب عن تلك السوح.

أبو بلال


هل نصحو قبل أن يضيع رمضان

بقلم: فضيلة الشيخ محمد عبد الله الخطيب

لو أننا طرحنا على بعض المسلمين ممن يؤمنون بالله واليوم الآخر ويلتزمون بدينهم ويحترمون أنفسهم.. لو أننا طرحنا عليهم سؤالًا محتواه: ماذا يعني عندكم شهر رمضان؟ لكانت الإجابة غالبًا: إنه شهر التعبئة الروحية العامة التي تنقل صاحبها إلى منزلة التقوى، وأنه شهر الصبر وإعداد المسلم وتدريبه على مواجهة الشيطان والنفس الأمارة بالسوء بعزم وصدق طوال أيام العام.

إنه الشهر الذي أمرنا فيه ربنا بالتحمل وكظم الغيظ وعلمنا فيه رسولنا صلى الله عليه وسلم أن نترك الخصام والمشاحنات والجواب على من فعل معنا ذلك: «إني صائم، إني صائم».

إنه شهر الاحتفال بنزول القرآن، وانطلاق الدعوة الإسلامية التي أخرجت الناس من الظلمات إلى النور. شهر ليلة القدر وهي خير من ألف شهر.. شهر الاعتكاف والانقطاع للطاعة والعبادة «شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار».

شهر الأحداث التي غيرت التاريخ وحولت مسيرة العالم إلى الفلاح والنجاح.. شهر الانتصارات والجهاد والفتح في بدر ومكة وعين جالوت وفتح الأندلس.. «الفردوس المفقود».

شهر نزلت فيه الملائكة تثبت أطهر جيل وأصدق جيل عرفته الدنيا، جيل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) (الأنفال: 12).

هذه بعض المعاني التي ترسخ في نفس المؤمن عن رمضان ويتمثلها طوال صيامه ولا تبارح عقله أو قلبه.

ولو أننا طرحنا نفس السؤال على واحد من الأجيال التي أهملت في نشأتها أو ربيت في غيبة البيت المسلم.. وقلنا له: ماذا يعني عندك شهر رمضان؟

لكانت الإجابة غالبًا: إنه يعني عندي أنه شهر الفوازير.. أهتم بحلها وأشتغل بكشف أبعادها طوال الشهر، إنها شغلي الشاغل وهدفي المفضل.

إنه شهر المسلسلات.. تكثر فيه الروايات المسلية لقطع الوقت، شهر الحكايات والأساطير.. وألف ليلة وليلة وأخبار أهل الفن ومغامراتهم، شهر يحلو فيه السهر ويقل فيه العمل.. يكثر النوم طوال النهار.. تضاعف فيه أنواع الطعام والشراب ويخرج فيه المخزون ويتفنن البعض في هذه الألوان.. وتكثر التواشيح والتفاريح؟

ومن خلال إجابة الفريق الثاني.. ندرك أن حقيقة الصيام قد اختفت أو كادت.. وأن هناك محاولات مستمرة لإبعاد المعاني العظيمة والأسرار العليا من وراء الصيام، وأن الأجيال الناشئة يراد لها أن تربى بعيدًا عن الأحداث التي أثرت في تاريخ البشرية وصنعت البطولات.

إن شهر رمضان لينفر من هذه الصور وما أكثرها ولسان حاله يقول: (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) (الأنعام: 70).

إن هذه الأعمال من شأنها أن تسلخ رمضان من ثوبه الإسلامي ومفهومه الإيماني وطابعه الروحي، وحين نتساءل عن السر لما يدور في رمضان بالذات في العالم الإسلامي كله، وهل تقع هذه الأشياء من غير هدف؟ لقالوا لقتل الوقت وتخفيف وطأة الصيام، ومن أراد شيئًا ذهب إليه وترك ما عداه.. وصدق الله العظيم: (وَلَئِن سَأَلۡتَهُمۡ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ *لَا تَعۡتَذِرُواْ) (التوبة: 65-66)، ويقول: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النور: 19).

وإذا انتقلنا نقلة أخرى إلى بعض ما يُقدم في رمضان وفي ضوء ما تقدم من تجارب نجد ما يسمى بالتمثيليات الدينية، ونجد أنها تتخذ الصورة التاريخية وذلك يوحي أن هذا الدين ورجاله مرحلة تاريخية قد انتهت وهيهات للماضي أن يعود، والأمر بهذه الصورة دعوة لليأس من أن يقوم المجتمع الذي يستظل براية الإسلام مرة أخرى، وهي محصورة في داخل إطار معين فقط في المعارك الحربية، وعرض الخشونة والعنف وصليل السيوف انطلقت تدمر وتخرب.. وإذا ظهر أمامهم مشرك هجموا عليه فإما أن ينطق بالشهادتين وإما أن يذبح، أما مظهرهم فالتركيز على اللحى الكثيفة والملابس البدوية والعمائم الضخمة، والإبل والخيام والسلاح البدائي.. مما يشعر الأجيال بالكثير من الأمور الغريبة فتزيدهم بعدًا عن تاريخهم وانقطاعًا عن ماضيهم.

من قال إن حملة المنهج الإلهي الذين ضربوا أعظم المثل في تاريخ الحروب على الرحمة والتسامح والصفح والعفو كانوا بهذه الصورة! وأي تاريخ تحدث عن حالة واحدة فقط من الإكراه لغير المسلمين على ترك عقيدتهم والدخول في دين الإسلام؟

أين موازين العدل التي أقاموها بين الأمم؟ أين صور الرخاء والحضارات الراقية التي شيدوها في مشارق الأرض ومغاربها؟ لقد شهد الله لهم بأنهم خير أمة أخرجت للناس وأنهم الأمة الوسط وأنهم الشهداء على الناس.

إن خطورة مثل هذه الأشياء على الناشئة لا حد لها.. أين تاريخ الإسلام ومواقف البطولات؟ أين جوانب الأمن والأمان؟ أين حضارة الأندلس ومعاهدها وجامعاتها؟ في وقت كانت فيه أوروبا تعيش في الظلمات لماذا يهال التراب على هذا التاريخ ويحرم منه المسلمون؟ وتحدث عملية التفريغ، ويملأ المسلمون بصور وأشكال ما أنزل الله بها من سلطان؟

ولا يفهم من هذا الحديث أننا نصادر على الناس حرياتهم في الترفيه في دائرة الشرع الإسلامي أو نحرم زينة الله التي أخرجها لعباده.. فكل ترفيه مشروع ما لم يقتل الوقت أو يصرف عن طاعة الله أو يحوي على معنى أو لفظ أو إيحاء لا يرقى بالإنسان وينمي فيه معاني الخير التي جاء الإسلام لإحيائها، ولا يلتصق - رغم سلامته من الناحية الشرعية - بشهر رمضان شهر العبادة خاصة.. لأن رمضان يسمو فيه الإنسان ويمتنع عن الكثير من الحلال إيمانًا واحتسابًا وطاعة لله عز وجل.. ونذكر بقول الله عز وجل: (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ((الأحقاف: 31).

إننا نريد من المسلم أن يعيش في شهر رمضان هناك في دوحة عالية بعيدًا عن المعوقات.. جاء في الحديث من فضائل رمضان «واستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غناء بكم عنهما، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه، وأما الخصلتان اللتان لا غناء بكم عنهما فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار، ومن سقى صائمًا، سقاه الله من حوضه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا».

نريد أن يتهيأ المسلم ليكون مع الوافدين الذين تفتح لهم أبواب الجنة، لأن صومهم قد وقاهم وحماهم من النار.

إن تغييرات تحدث في هذا الكون حين يقدم رمضان فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين».

هذه التغييرات التي تتم في شهر رمضان في هذا الكون يجب أن يقابلها تغييرات في النفس البشرية حين تقدم على طاعة ربها وتخلص في صيامها، وهذا ما يريده الإسلام من المسلم الصادق الذي يريد نصر الإسلام والعمل لدينه والذي يوقن بالآخرة.. ويؤمن بلقاء الله.. ولا يشك ولا يرتاب.


واحة الإخاء

فإنه من أبرز صفات المسلم الصادق حبه لإخوانه وأصدقائه حبًا ساميًا مجردًا عن كل منفعة، بريئًا من أي غرض، نقيًا من كل شائبة.

ولقد جاءت في الأخوة شواهد تترى تبرز أن تلك الرابطة هي في حقيقتها رابطة إيمانية، إذ يقول المولى عز وجل: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات: 10)، إذ تعتبر أوثق روابط النفوس وأمتن عرى القلوب وأسمى صلات العقول والأرواح.

وليس بخافٍ عنا أن أول ما بدأ به الرسول صلى الله عليه وسلم أثناء إقامته للدولة الإسلامية - عند دخول المدينة - هو بناء المسجد وغرس معنى الأخوة - جنبًا إلى جنب - وفي ذلك إيماء بإيمانية هذا المعنى ونحن مطالبون بتنفيذ ذلك المعنى على أرض الواقع حتى لا نكون أقوالًا تنقصها أفعال.

فليحب كل منا أخاه ويحسن الظن به، ولتكن صدورنا سليمة ولنكن - جميعًا - كروح واحدة في أجساد متعددة، فلنحذر سوء الظن ولنبتعد عن الغيبة، ولنتجافى التقاطع والهجران عندما نُجرح، وإيانا والمزاح المؤذي والذي يكون مآله - في الغالب - إلى النفور والكراهية وسقوط المهابة والكثير من الرذائل والعادات القبيحة.

وبما أننا في كتيبة مؤمنة عقدت نيتها على الفرار إلى الله.. إلى بيته تلقي بذنوبها ومعاصيها وآثامها تأمل أن ترجع الصفحة بيضاء نقية السريرة.. تواجه الحياة بدم جديد وعزيمة قوية.

أما وإن الأمور مهيأة والأوضاع سانحة، فلنبادر قبل فوات الأوان ولنعيد مجتمع المؤمنين الأسبق الذي صور تماسكه العجيب أروع تصوير اهتداءً بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» رواه مسلم، ولنتذكر المقولة الخالدة والتي تقول: «من صدق في أخوة أخيه قبل علله وسد خلله وعفا عن زلاته».

ألا هل بلغت.. اللهم فاشهد.. ألا هل بلغت.. اللهم فاشهد.

 

الرابط المختصر :